مقالات

خالد القاضي يكتب: لماذا انتصرت طالبان وفشلت الحركات السلفية المعاصرة؟

جرد حدود فهمك من الأغلال المذهبية، والسياسية، والعرقية، والجهوية، وقف عند حدث تاريخي معاصر لم يتكرر – على حد علمي – وهو انتصار حركة سياسية ما مرتين خلال 30 عامًا من صعودها.

وتأمل في أسباب النصر وعوامل البقاء والاستمرار، وعلى الجانب الآخر سجل من الفشل لحركات سياسية وأيديولجيات متقاربة الفهم والمنطلق، تتوالى هزائمها وإن تعددت أسبابها، في بقاع من عالمنا العربي والإسلامي.

تلك المقارنة خارج حدود ترجيح العامل الجغرافي واللغوي والعرقي، فتجد نفسك بين أيديولوجيتين فكرييتين تنطلق من مذهبين من مذاهب الأمة الإسلامية السنية: الحنفي والحنبلي.

وسأقف عند تصور – قابل للجدل – وهو أن الفكر والعقيدة أساس الفعل والتحرك، عندها لاشك أن منطلقات طالبان الحنفية كانت أنجع سياسيا من منطلقات الحركات السياسية السلفية الحنبلية – في الغالب – والتي فشلت في تحقيق انتصار أو استمرار في الوصول للمشهد السياسي المعاصر، وسأستعرض معك بعض عوامل النصر في تقديري.

أولًا: البداية والنشأة المذهبية

 

لأول وهلة قد تظن أني سأستعرض البداية والنشأة لطالبان مقارنة بالحركات الإسلامية الأخرى، لكن في نظري البداية المذهبية هي الأصل.

الفقه الحنفي: ينسب مذهب الفقه الحنفي لأبي حنيفة النعمان التابعي الجليل (80هـ – 150هـ)، الذي ورث عن مشايخه فقه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود والذي يعد بحرًا زاخرًا من بحور العلم، على طريقة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في الاستنباط والبحث، والأخذ بالرأي عند افتقاد النص الصريح، مع الاحتياط والتحري في قبول الحديث النبوي، فهو وراث الفقه السياسي لعمر بن الخطاب، علاوة على الفقه التعبدي الاستنباطي.

ولد أبو حنيفة في عصر الدولة الأموية، وبالتحديد في خلافة عبد الملك بن مروان، وعاش إلى سنة 150هـ، وأدرك عهد العباسيين، فهو قد أدرك العهد الأموي في عنفوانه وقوته، ثم في تحدره وتهاويه، وأدرك الدولة العباسية في نشاتها قوية ناهضة عنيفة مسيطرة.

وعاش في العصرين وعاش الفتن والاضطرابات السياسية، التي أكسبت فقه واقعية سياسية متميزه منها: خروج زيد بن علي على هشام بن عبد الملك سنة 121هـ، الذي أيده، ولهذا تجد في تراجمه (كان يرى السيف)، أي: يرى جواز الخروج على أئمة الجور، إذا كانت هناك راية عدل تطالب بالرجوع إلى الحق، فيقاتل الناس تحت لوائها وامتنع عن تولي منصب القضاء مرتين، فحبس وضرب.

واضطرته الظروف السياسية للهرب إلى مكة وأقام بها في سنة 130هـ، وأيد هو والإمام مالك الحركة الثورية (حركة النفس الزكية) لمحمد بن عبد الله بن الحسن، والتي رغم فشلها أحدثت زلزالًا كبيرًا في أوساط الدولة الإسلامية.

وشهر عنه الجهر بالحق في دروسه وحلقاته، ولما امتنع في المرة الثانية عن القضاء، كلف بالأشغال الشاقة متمثلة في القيام بأمر البناء، وضرب اللبن فتولى ذلك .

إلى أن انتهى الأمر بتدبير الخليفة المنصور حيلة للتخلص منه في سجنه، فمات في السجن رحمه الله، وقد اشتهر أنه سقي السم في السجن فمات.

هذه النشئة السياسية المتنوعة، والتي عاش خلالها حقبة متميزة الألوان والطيف، ارتشف خلالها مذهبه بعدًا سياسيًا عميقًا في التأسيس خاصة محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189 هجريًا/805 ميلاديًا، فهو من أوائل الفقهاء المؤصلين لعلم «السير» الذي يعالج كثيرًا من القضايا التي تندرج تحت نطاق العلاقات الدولية السياسية، علاوة على مرونة المذهب في معاجة القضايا المتخيلة في الذهن، وتميزه ببنية أصولية بنيت على استخراج الأصول من الفروع، فكانت الفكرة السياسية أكثر معالجة وثورية للقضايا السياسية.

هذا ما ميز رؤية طالبان السياسية المبنية على الفقه الحنفي، الممتد في جذور المجتمع فقهًا تعبديًا وسياسيًا.

الفقه الحنبلي: والذي تتبناه غالب الحركات السياسية السلفية المعاصرة، يعود إلى

الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي (164-241هـ / 780-855م) الفقيه والمحدِّث، ورابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وصاحب التصانيف البديعةقال فيه الإمام الشافعي: «خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحدًا أورع، ولا أتقى، ولا أفقه من أحمد بن حنبل»، ويُعدُّ كتابه «المسند» من أشهر كتب الحديث وأوسعها.

محنته السياسية معروفة فقد اشتُهر ابن حنبل بصبره على «فتنة خلق القرآن»، وهي فتنة وقعت في العصر العباسي في عهد الخليفة المأمون، ثم المعتصم والواثق من بعده، إذ اعتقد هؤلاء الخلفاء أن القرآن مخلوق محدَث، وهو رأي المعتزلة، ولكن ابن حنبل وغيره من العلماء خالفوا ذلك، فحُبس ابن حنبل وعُذب، ثم أُخرج من السجن وعاد إلى التحديث والتدريس، وفي عهد الواثق مُنع من الاجتماع بالناس، فلما تولى المتوكل الحكمَ أنهى تلك الفتنة إنهاءً كاملًا. وفي شهر ربيع الأول سنة 241هـ، مرض أحمد بن حنبل ثم مات، وكان عمره 77 سنة.

واشتهر عنه أنه لا يرى السيف، ولا يجيز الخروج على الحكام الظلمة، فنص قال الإمام أحمد رحمه الله في أصول السنة على أن «السمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة، واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الإمام إلى يوم القيامة البر والفاجر، لا يترك، وقسمة الفيء، وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع».

وقال: ومَن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فقد شقَّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.

وأخرج الخلال في السنة (89) «عن أبي الحارث: سألت أبا عبد الله في أمر حدث في بغداد، وهمَّ قوم بالخروج، أي: على الحاكم؟ فأنكر ذلك عليهم وجعل يقول: «سبحان الله الدماء الدماء، لا أرى ذلك ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يُسفك فيها الدماء ويستباح فيها الأموال وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه؟ يعني أيام الفتنة».

وبالرغم من هذا، فإن الفقه السياسي المعاصر بشكل كبير يعتمد على متأخرة الحنابلة وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلماء نجد، ولهذا فإن الحركات السياسية المعاصرة انقسمت على ثلاث طرائق:

أولها: اعتمد مذهب الإمام أحمد الأصلي (سلفية الولاة) دون النظر للظروف السياسية للفتوى، ولا مراعاة لطبيعة النظم السياسية المختلفة كليًا عن واقع نظام الخلافة في عهد الإمام، وغالوا في ذلك حتى جعلوا أولي الخمر مرادفًا لأولي الأمر، ورددوا عبارات الإمام أحمد دون مطابقة لواقعها.

ثانيًا: صنف بالغ في الغلو (سلفية الغلاة) وهؤلاء معتمدهم فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في التتر، وفتاوى علماء نجد في تكفير من لم يحكم بغير ما أنزل الله، وسارعوا في استحضار المواجهة المسلحة دون قيد أو شرط، ودون تأهل سياسي، ولا رؤية مستقبلية، وهؤلاء أضروا أكثر؛ إذ وقع ما حذر منه الإمام من فتنة الدماء، وتسلط الأنظمة أكثر وأكثر.

الصنف الثالث: وهم من رأوا ممارسة العمل السياسي في إطار المسموح به، وهؤلاء رغم مساندة الكثير من أهل العلم لهم، فإنهم لم يخلوا من جدلية القسمين الماضيين من أبناء المذهب والحركة، فتنازعوا وفشلوا، وتسلطت بعض الأنظمة عليهم بمساعدة من الصنف الأول، وتشكيك من الصنف الثاني.

الجانب التربوي

يمثل الجانب التربوي الشق الأساسي في تميز حركة طالبان الحنفية عن الحركات السلفية الحنبلية، إذ اعتمد المنهج التربوي على:

1- التربية العلمية المنضبطة، بمعنى أن المدرسة الديدوبنية تعتمد على أن الشيخ يجب أن يكون مجازًا تربويًا، ومسندًا للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لمن يشرح عنه، فلا يتصدر للعلم أو الرياسة إلا المتسق مع المنهج العلمي والتربوي معًا.

2- التربية الصوفية الروحية، القائمة على التزام المريد بشيخه في السلوك والأدب، علاوة على ملازمة الأوراد الصوفية والحلقات التربوية الروحية.

3- التربية البدنية الروحية، وهي تشبه اليوجا لكن بصبغة إسلامية، تشمل التأمل والخلوات والتعبد البدني المنضبط بالكتاب والسنة (من رؤيتهم)

ولهذا لا تستغرب أن الحركة منذ نشأتها على يد طلبة المدارس الدينية المعروفة باسم طالبان (جمع كلمة طالب في لغة البشتو) في ولاية قندهار (جنوب غربي أفغانستان) على الحدود مع باكستان عام 1994، على يد الملا محمد عمر مجاهد (1959-2013)، كان هدفها الأول القضاء على الفساد الأخلاقي، وأن سبب الانتشار رواية أن الملا محمد عمر رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – في رؤية يأمره فيها بالخروج لتطهير أفغانستان، فلبى ذلك طلبة المدارس الدينية الذين بايعوه أميرًا لهم عام 1994.

الجانب التربوي للحركات السلفية

تنوعت أساليب التربية عند الحركات السلفية المعاصرة، فأخذت عدة مناح:

1- الجانب التدريسي العلمي، وهو جانب مشترك بينها وبين طالبان، لكنه غير موحد ولا متفق عليه، وقد يدرس طرف ما يناقض الطرف الآخر، وأصبح في حد ذاته عامل هدم لوحدة هذه الحركات في بعض الأحيان.

2- الجانب الروحي السلوكي وهو يعتمد بدرجة كبيرة على التأسي بأخلاق السلف، لكن تمتد له يد العبث، فتحمل عبارات الجرح للمبتدعه كسيف على أهل السنة، وتصبح البدعة الاجتهادية ميثاقًا عند بعضهم، رغم كونها غير متفق عليها، وكثيرًا ما تسبب (سلفية الولاة) من شق الصفوف وطول الألسنة على إخوة المنهج والعقيدة حتى أطلق عليهم (أهل الجرح والتجريح).

3- عداء التصوف بكل أشكاله، عدا جماعة الإخوان المسلمين، التي ارتأت في قول الإمام البنا حقيقة صوفية إرشادًا للتصوف السني المطلوب داخل الصف للحفاظ على تماسكه، وربما يعود السبب في عداء التصوف لحركة الإمام محمد بن عبد الوهاب ومحاربته بدع التصوف، والتي اتخذت غطاء لهدم الدولة العثمانية بدلًا عن إصلاحها، ولكون بعض الحركات الصوفية تجاوزت القنطرة في البعد عن الانضباط بالكتاب والسنة.

على الرغم من كون شيخ الإسلام بن تيمية ميز بين التصوف السني والبدعي، وأثرت عنه أقوال عدة في مدح التصوف ومنها: «فمن سلك مسلك الجنيد من أهل التصوف والمعرفة كان قد اهتدى ونجا وسعد» مجموع الفتاوى – جزء 14 – صفحة 355.

وقال ابن القيم في شرح مدارج السالكين لشيخه الهروي الصوفي أما في (ج2 ص307) «التصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومعية من تحبه، فان المرء مع من أحب. كما قال سمنون: ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة، فإن المرء مع من أحب، والله أعلم».

4- ولم تفرق الحركات الحنبلية بين تبني التصوف السني والتزامه كتربية سلوكية، وبين الرفض التام له دون تمحيص، على الرغم من كون الحركة السلفية نفسها بها أدعياء وفيها منضبطين، ولها مدعين، فوقع من أهل التصوف نفس العيب برفضهم عموم المنهج السلفي، وقامت المعارك على المفاصلة والمناكفة دون ربط بين التمذهب والسلوك، فضاعت الجهود في أمر لا طائل من ورائه.

وبقيت عدة عوامل أخرى ميزت بين طالبان الحنفية والحركات السلفية الجنبلية، لا تسعها صفحات هذا المقال.

ولا بد عن وجود نظرة تحليلة يتبناها المختصون في بيان أسباب فشل الحركات السلفية المعاصرة، وانتصار طالبان، وعوامل التماسك ومنطلقات البقاء؛ إذ الأيام القادمة ما لم تبن على سبر غور الجوانب الاجتماعية والفكرية، لن تقوم للحركة الإسلامية السلفية قائمة بعدها إلى أن يشاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: