مقالات

عمر الهاشمي يكتب: كيف ضاعت بلاد الغال ؟

من البلاد التي دخلت حدود الدولة الإسلامية مبكرا وكان ضياعها وبالا على العرب والمسلمين هي بلاد الغال.

بالفرنسية: Gaule غال، باللاتينية: Gallia ( غاليا ) وهو الاسم الذي أطلقه الرومان على المنطقة التي يسكنها الغاليون وهم شعوب كلتية (القِلْطُ ) وهم مجموعة من الشعوب الهندية الأوربية عاشت في مناطق واسعة من أوروبا والأناضول، وتمتاز باستعمالها للغات القلطية وبعناصر ثقافية أخرى متشابهة، من بين الشعوب القلطية القديمة: – وهم الغاليون، والغيليون، والغلاطيون، والجليقيون ( في شمال غرب اسبانيا ).  و القلط قديماً عند العرب هو القصير جداً من الناس  والسَّنانيرِ والكِلابِ، كالقُلاَطِ والقِيليطِ، والرجُلُ الخبيثُ المارِد ُ والقذر.  لأن القلط كانوا مشهورين بصغر أجسامهم ومكرهم وقذارتهم ؟.

بلاد الغال كانت تضم المناطق التي تشمل الآن فرنسا وبلجيكا، والجزء الألماني الواقع غرب نهر الراين. تَحَدّث قاطنو هذا الإقليم، والمسمون الغاليين، أشكالاً من اللغة السلتية، وهي مجموعة لغوية منها اللغتان الأيرلندية والولزية المعاصرتان. كان زعماؤهم الدينيون قساوسة يدعون درويديين . وكان لهم تأثير كبير في السياسة. أطلق الرومانيون على بعض الغاليين لقب ذوي الشعر الطويل لأنهم لم يكونوا يحلقون رؤوسهم أو لِحاهم . كانت تسكن المناطق التي تمتد بين شمال إيطاليا وفرنسا وبلجيكا ؟.

غالبية بلاد الغال أو بلاد غالة اليوم تقع في فرنسا الآن وتشمل عدة ولايات أو أقاليم .

وأول من غزا بلاد غالة من الولاة :-

السمح بن مالك الخولاني (100- 102هـ )، فقد بدأ بالاستيلاء على أربونة، ثم مضى في تقدمه حتى فتح طولوشة أو تولوز، واستولى على ولاية سبتمانية كلها، وأقام بها حكومة مسلمة في هذا الوقت المبكر .

وقد اتخذ من مدينة أربونة قاعدة للجهاد وراء جبال البرت، وتوغل في إقليم أكيتانية، غير أنه استُشهد في موقعة بالقرب من طولوشة انهزم فيها المسلمون، وقتل منهم عدد كبير، وذلك في يوم عرفة سنة 102هـ ، فتولى القيادة عبد الرحمن الغافقي، وأقروه واليًا للأندلس حتى يأتي الوالي الجديد، وكانت هذه هي ولايته الأولى ولم يدم فيها أكثر من شهر.

واشهر الحملات على بلاد الغال:- حملة عنبسة بن سحيم الكلبي ( 107 – 110هـ )،  أقرّ عنبسة بن سحيم الكلبي رحمه الله على ولاية الأندلس لما لمسه من استقرار الأندلس في أثناء ولايته .

بدأ عنبسة مشروعه الجهادي سنة 105هـ/724م بقيادة جيش كبير عبر به جبال البرانس في طريقه إلى بلاد الفرنجة، توقف فترة قصيرة بأربونه، انشغل فيها بتحسين مواقعها الحربية وتحصينها، ثم اتجه غرباً نحو مدينة قرقشونة .

وفي مستهل سنة ( 106هـ/725م )، فرض على المدينة حصاراً شديداً، مما اضطر أهلها إلى المصالحة على شروط اشترطها عليهم منها :

أن ينزل أهلها عن نصف الأراضي التابعة لها، وأن يحرروا جميع أسرى المسلمين لديهم، وأن يواظبوا على دفع الجزية وأن يلتزموا واجبات أهل الذمة تجاه المسلمين؛ فيحاربوا من يحاربه المسلمون ويهادنوا من يهادنونه، إلى غير ذلك .

سار عنبسة بعد ذلك الى نومشو ( Nimes )، إلى الشمال الشرقي من قرقشونة، وهي منطقة بين مونبيليه وأبنييون، فدخلها صلحاً من دون مقاومة، بعد ذلك توجه إلى حوض الرون، حتى بلغ أوتون، على نهر أرّو ، وهو من روافد نهر اللوار، ثم انطلق بعدها فوصل إلى لوكسوي، وهي أبعد نقطة وصل إليها العرب في بلاد الغال، وتعرف المنطقة التي فتحها عنبسة في جنوبي فرنسا بمنطقة سبتمانيا

وفيها استشهد رحمه الله وغفر الله له .

كان عنبسة من القادة الأذكياء الشجعان المتميزين الذين شهدتهم الأندلس، ويروي ايزيدور، أسقف باجه Beja في ذلك العصر، أن فتوحاته كانت فتوحات حذق ومهارة أكثر منها فتوحات بطش وقوة وقال عنه المستشرق « رينـو » :-

تضاعف في أيامه خراج بلاد الغال، عبر عنبسة بن سحيم

الكلبي رحمه الله بجيوشه جبال البرتات، وتابع حركة الفتوح لإقليم سبتمانية بمدنه السبع، وافتتح إقليم بروفانس ، واتجه شرقًا حتى بلغ نهر الرون ثم صعد مع النهر شمالا حتى بلغ مدينة ليون .

وتوغل عنبسة بن سحيم بعدها حتى كان على بعد سبعين كيلومترا من جنوبي باريس الحالية، وهي أبعد نقطة وصل إليها المسلمون شمالا، وتبعد نحو ثمانمائة كيلومتر شمال جبال البرتات، وفي طريق عودته تصدت له جموع كبيرة من الفرنجة، فاستشهد في إحدى المعارك سنة 107هـ رضي الله عنه، فقام بقيادة الجيش والعودة إلى أربونة عذرة بن عبد الله الفهري الذي حكم حتى ربيع الأول سنة 110هـ  .

وشهدت ولاية الأندلس هدوءاً بعد فترة اضطراب، وتوقفت حركة الفتح حتى مجيء عبد الرحمن الغافقي الذي تابع مسيرة عنبسة في القارة الأوربية التي توجت بمعركة بواتييه « بلاط الشهداء » الشهيرة.  وبالرغم من أن وصول الجيوش الإسلامية إلى هذا الحد، وأن ذلك يعد دليلًا قاطعًا على ما امتازوا به من جرأة وقوة وإيمان، فإننا لا نستطيع القول كما يرى الدكتور حسين مؤنس:-

بأن عنبسة فتح جنوبي غالة أو حوض الرون بالمعنى الحقيقي ، لأنه في الواقع لم يفعل شيئًا لتثبيت أقدام المسلمين فيما وصلوا إليه من البلاد، ولكنه على أي حال الفاتح المسلم الوحيد الذي وصل إلى هذا المدى في فتوحه ، وكان لا بد من حملات ضخمة أكثر نظاما ليتم فتح هذه النواحي، كما أتمت حملات زهير بن قيس ، وحسان بن النعمان، وموسى بن نصير، وعمل عقبة بن نافع في المغرب .

وقد أثارت حملة عنبسة مخاوف أوروبا كلها ، حيث إنه اقتحمها اقتحامًا، وأوغل بجيشه في داخل بلادها دون أن يستطيع أحد مقاومته، الأمر الذي جعل القائم بمملكة الفرنجة إذ ذاك وهو شارك مارتل أو كارل، وتسميه المصادر العربية قارله يشعر بأنه لا بد من القيام بعمل حاسم إذا عاد المسلمون مرة أخرى ، وبالفعل بدأ يستعد لهذا اللقاء ، فأخذ يجمع القوات والسلاح والأزواد ، وصالح أمراء برغندية ، واتفق مع رجال سبتمانية ، ومع دوق ( حاكم ) أكيتانية ليقوموا معا بعمل حاسم ضد المسلمين  .

ولاية عبد الرحمن الغافقي الثانية (112هـ – 114هـ): –

وبعد أن توالى على الأندلس سبعة من الولاة بين سنتي ( 107-112هـ/ 725-730م ) تفاقمت خلالها المشكلات وازدادت الاضطرابات وانتشر الخلل والخلاف بين الزعماء ورجال القبائل .

عُيِّن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي واليا في صفر 112هـ، وهذه هي ولايته الثانية ، وكان من أعظم قواد المسلمين في الأندلس عدلا وصلاحًا وقدرة وكفاءة ، وقد قضى ما يقرب من عام نظم خلاله شؤون البلاد، ثم أعلن الجهاد ضد الفرنجة، وكوَّن جيشًا هائلًا يتراوح عدده ما بين سبعين ألفًا ومائة ألف جلهم من العرب البربر.

وفي أوائل سنة ( 114هـ/ 732م ) سار عبد الرحمن الغافقي بجيوشه نحو الشمال، وعبر جبال ألبرت من طريق بنبلونة متجها إلى دوقية أكيتانية – أعظم ولايات غالة أو فرنسا في ذلك الوقت  فاكتسحها ، ودخل عاصمتها برديل عنوة ، ثم واصل زحفه حتى أشرف بجيشه على نهر اللوار واستولى على مدينتي بواتييه وتور ، وما كاد يخرج الجيش الإسلامي من بواتييه في طريقه نحو باريس حتى فوجئ عبد الرحمن الغافقي بوصول جيش هائل من الفرنج والمرتزقة يقوده شارل مارتن أو قارله.

معركة بلاط الشهداء 114هـ/ 732م واستشهاد عبد الرحمن الغافقي، وعلى بعد عشرين كيلومترا شمال بواتييه في الطريق إلى تور جنوبي مجرى اللوار في موضع قريب من طريق روماني قديم هو المسمى بالبلاط ، حدثت معركة بلاط الشهداء الكبرى بين الجيشين في أواخر شعبان 114هـ/ أكتوبر 732م . وقد تكون معركة بلاط الشهداء وقعت بالقرب من موضع يطلق عليه اليوم اسم مواسيه لاباتاي  Moussais la bataille، وتصمت المصادر العربية عن ذكر تفاصيل هذه الموقعة الفاصلة ، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنها كانت كارثة على جيش المسلمين ، بحيث نفر قدامى المؤرخين من مجرد ذكرها، فاندرجت أخبارها في زوايا النسيان.

وقد استمرت معركة بلاط الشهداء ثمانية أيام، مما يدل على أنها كانت معركة حامية، والحق أن كلا من الجانبين بذل أقصى وسعه في القتال، وصبر المسلمون صبرًا طويلا حتى تجمعت عليهم قوات نصرانية من كل ناحية، ولم يقتصر الأمر على الفرنجة، بل انضم إليهم كثيرون من أجناس أخرى من ألمان، وسُواف، وسكسون ؟!

وآخر مراحل المعركة كان هجومًا عنيفًا على مؤخرة الجيش الإسلامي، فانتهبت الغنائم، وتزعزع نظام الجيش، وبينما يحاول الغافقي إعادة النظام إلى جيشه أصابه سهم فقتله، فعم الاضطراب بين المسلمين وكثر القتل فيهم، واشتد الفرنج عليهم، لكنهم صبروا حتى جن الليل وتحاجز الفريقان دون فصل، ثم انسحب المسلمون نحو مراكزهم في سبتمانيا تاركين غنائمهم، وأصبح الفرنجة فلم يجدوا لهم سوى الجرحى ومن لم يتمكنوا من مرافقة الجيش المنسحب .

والله غالب على أمره ولا حول ولا قوة إلا بالله .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: