مقالات

ياسر عبد العزيز يكتب: آن الأوان أن يتقدم شباب الحركة الإسلامية

خلطة كنتاكي والطهي على نار هادئة

في مقال (خلطة كنتاكي الإماراتية..) تساءلنا إذا ما كانت تستطيع الإطاحة بالثورة التونسية، ووضعنا المقادير التي استطاع أعضاء نادي الثورات المضادة من خلالها الإطاحة بعدد من الثورات في عالمنا العربي، والتي استبشر بها العرب خيرا وظنوا أنهم سيدخلون عالما جديدا من الحرية والعدالة الاجتماعية والقانونية والرفاه، وتلخصت هذه المقادير في شيطنة التيار الثوري ومفرزات الثورة السياسية، وتجنيد الإعلام في مهمة تيئيس الشعب من الثورة ومن ثم إقناعه بفشل الحكومة والبرلمان وكل المؤسسات السياسية المفرزة بمعرفة الثورة، ويصاحب ذلك حالة من التضييق الاقتصادي، مع إدخال البلاد في دوامة الفوضى الأمنية بعد تشكيل مجاميع فوضوية تقوم بهذا الدور، وشراء ذمم قوات الأمن ورجال الجيش والقضاة لتمرير مخطط الفوضى وتأمين الانقلاب لاحقا، ثم تحريك تظاهرات من رافضي الثورة وأصحاب المصالح لترسيخ فكرة فشل الثورة لدى العامة وتهيئة الانقلاب بل وإيجاد حالة شعبية داعمة، للشخص الذي يتم اختياره ليعلن الانقلاب ويتولى زمام الأمور والتخلص من الثورة والثوار، ويصاحب إعلان الانقلاب دعما سياسيا إقليميا وغطاء دوليا تمرر من خلاله الطبخة.

لكن هناك وفي الركن البعيد الهادئ من أمتنا العربية، كانت تلك المقادير تحضر في طبخة على نار هادئة، فبعد أن خرج الشعب المغربي مشاركا في ربيعنا العربي، استطاع الملك أن يمتص الصدمة ويهدئ الشارع، لكنه في نفس الوقت كان عالما بما يحاك للتخلص من الفصيل الأقوى عربيا وإسلاميا، والذي يقلق الغرب قبل الملوك والرؤساء، فاختار الملك التيار الإسلامي ليمثل الثورة ويهدئ الشارع، ولولا الظروف الدولية والإقليمية والداخلية من قبل، لأطاح الملك بالعدالة والتنمية مع أول منعطف، العارفون ببواطن الأمور يؤكدون أن الحظة حانت بعد انقلاب مصر، لكن المخزن والملك أرادوا استخدام العدالة والتنمية لأخر مدى وتمرير ما لم يكن ليمرر إلا بغضب شعبي عارم، أرادوا أن يكون على العدالة والتنمية للتخلص منه للأبد، كما هو مخطط.

إسقاط الكيانات السياسية التي أفرزها الربيع العربي

لا يمكن بأي حال من الأحوال تصديق أن الثورات الشعبية الصادقة الحرة المسببة والمدفوعة من القهر والذل والإفقار كانت نتاجا لتحركات مخابراتية، كما يدعي البعض، ولو دللوا على ذلك بألف دليل يتم لي عنق الأحداث فيه لتثبيت فكرة أنها ثورات مصنوعة، فهذه الشعوب تحركت ولها دوافعها في زمن يرى أهل المشرق ما يعيشه أهل المغرب من حقوق وحريات ورفاه، زمن يستدعى فيه روح الماضي وأمجاده، زمن استطاع فيه المبدعون بث روح الحرية والديمقراطية والمساواة عبر كاميرا لهاتف محمول.

الراجح أن مما حدث أن المخابرات الغربية ركبت هذه الموجة الثورية لتغيير الوجوه واستبدال الأنظمة لإعادة التموضع والاستمرار في جني المكاسب المتحصلة من تسليم بلادنا لوكلاء، فمع الرفض الشعبي كان لزاما أن تتقدم الميمنة وتصبح الميسرة في الخلف والمقدمة تصبح في الميمنة وتتطور مناهج إخضاع الشعوب وإذلالها حتى يترحم الناس على العهد الذي أزالوه بثورتهم، ولا يكون ذلك إلا بأن يندم الشعب على اختياراته.

لقد كانت للإسلاميين حظوظ كبيرة أفرزتها السنوات التي سبقت الثورات، ولعل الواقع في مصر من العام 2000 ثم 2005 ودخول 88 مرشح للبرلمان، ولو كان نظام مبارك ترك الحبل على الغارب لصار البرلمان كله من التيار الإسلامي، لكن جحافل جهاز أمنه تدخلت من أجل وقف المد الشعبي من الوصول أكثر للبرلمان فكان المنع والقمع في الجولتين الثانية والثالثة، وهو ما فطن إليه الغرب، وكشف الخطر الحقيقي الذي يهدد مصالحهم التي يراعيها وكلاؤهم.

ولما انتفضت الشعوب العربية مشكلة ربيعها الذي أفزعها وأبهر العالم نهضت المخابرات متضامنة لكبح جماح الشعوب الرافضة للهيمنة الغربية والتي أظهرت ذلك سواء في خطاباتها أو حتى في هتافاتها، من ثم فإن إفرازات تلك الثورات كانت على غير هوى تلك الأنظمة وكان لزاما إسقاطها، وتنوعت أساليب الإسقاط من بين سياسية ومخابراتية وأمنية وصولا للإسقاط العسكري عبر الحروب أو الانقلابات لتتهاوى الثورات الشعبية الحابية نحو الحرية ناقصة الخبرة والحنكة أمام تجمع مخابرات الإمبريالية القديمة ووكلائها ونادي الثورات المضادة.

تعددت الأسباب والموت واحد

إذا كانت علامات استفهام كثيرة قد أثيرت حول أسباب هزيمة حزب العدالة والتنمية في المغرب، لاسيما وأن الهزيمة كانت قاسية بشكل كبير، فإن مثلها يجب أن يثار حول الأحزاب والتجمعات الثورية التي خسرت الحكم في بلدانها.

وبعيدا عن حالة التهوين التي طرحها البعض، من قبيل أن هذا هو حال الديمقراطية، وأن استمرار الأحزاب في الحكم لمدة طويلة يفقدها شعبيتها، وأن ذلك في أغلب الديمقراطيات الراسخة يحدث، وهو تهوين لا يفهم إلا على سبيل المخدرات الفكرية العاطفية التي يروجها قادة الفكر الإسلامي وأدمنها مريدوهم، فلا نحن في ديمقراطيات راسخة ولا نحن على استعداد أن ندفن رؤوسنا في الرمل كالنعام، وكما يجب أن نبتعد عن حالة التهوين علينا أن نهجر حالة التهويل التي يحترفها البعض سواء بقصد أو بغيره، وسواء كانت سريرته خالصة أم كان خبيث النية، ويهدف من ذلك للهدم لا البناء.

نحن أمام أخطاء حقيقية تكررت في كل من مصر وليبيا وسوريا واليمن والسودان والجزائر ومؤخرا تونس والآن في المغرب، نحن حتى الآن لم نفهم طبيعة المرحلة التي تعيشها الشعوب بعد الثورات، ولأننا لم نمارس الحكم ولا نمتلك أدواته، وهذا أحد أوجه القصور الذي به نهزم، فإننا نفقد المعلومة، وكان بالإمكان تعويضها على مهل من خلال مراكز استطلاع الرأي وسبر الأغوار، وإن كانت لا تفي بكامل المطلوب لكن، ما لا يدرك جله لا يترك كله..

كما أننا عملنا في السياسة بمفهوم العلاقات الدولية والتجاذبات السياسية، ونسينا أن ذلك الشعب الذي يراقبنا يعلم أننا أمناء، بكل ما يحويه المصطلح، لكنه ينتظر منا القوة مع الأمانة، والقوة في مشاريع حقيقية ترفع عن كاهله ستين أو سبعين عاما من القهر والتجويع والإمراض والجهل، فلم نكن مستعدين، وهي الثغرات التي منها ينفذ أعداء هذه الأمة والمستفيدين من استعبادها، لكن يميز هؤلاء ، وأعني أعداءنا، أن لديهم القوة والسطوة لفرض الأمن، الذي يزعزعوه بيديهم ليعودوا ويفرضوه.

لقد انشغلنا بترتيب هرم السلة وتراتبية النظام وغصنا في تفاصيل المناكفات الحزبية على حساب تفاصيل الحياة اليومية، والأولى لا تهم المواطن والأخيرة تسقط الحكومات.

العدالة والتنمية آخر ضحايا نادي الثورات المضادة

يرجع الكثيرون سبب السقوط المدوي للعدالة والتنمية إلى التطبيع الذي وقع عليه بالنيابة عن الدولة المغربية مع الكيان المحتل، وآخرون يرجعونه إلى انعدام المشاريع التنموية التي خاب العدالة والتنمية في تحقيقها في ظل حاجة ملحة لأفكار ألمعية لإخراج المغاربة من حالة الفقر الناتجة عن البطالة، والتي أفرزت حراك الحسيمة، والذي أراه جرس إنذار كان من الواجب التوقف عنده وتحسس الخطى، وهنا لا يمكن بحال من الأحوال تبرئة بنكيران مما حدث للعدالة والتنمية خلال الأسبوع الجاري، فالعدالة والتنمية اختار السقوط الحر ما مهد لنادي الثورات المضادة لإسقاطه، ولولا وجود النظام القديم بمخزنه المرتبط ارتباطا عضويا بالقصر والإثنان مربوطان بحبل سري لا ينقطع بالغرب، على العموم، وبفرنسا خصوصا، حتى بعد التباعد النسبي في الفترة الأخيرة، لكن المصالح مجمعة، و(أنا والغريب على ابن عمي) مع تعديل المثل في حالتنا، لم يكن ليسقط العدالة والتنمية بهذا الشكل المذل.

لقد كان لزاما الآن إسقاط العدالة والتنمية بعد أن تم إسقاط “النهضة” في تونس، وقبلها الأنظمة الثورية في بلاد الربيع العربي، فدورة الثورات تدور على المدى البعيد، وفي ظل امتلاك الأنظمة الشمولية وداعميها من الغرب لأدوات التفكير والاستشراف فإن عمليات إخماد الثورات في مهدها ستبقى على قدم وساق، لكن في المقابل فإن الأحرار لن يهدؤوا وسيتولد جيل بعد آخر، فلا يأس، وهي سنة الله الكونية أن يتدافع الحق والباطل، والأمر إذا ما كان متعلقا بحق أراده الله أن يحكم عبر شرعه فإن جنوده المخلصون لا يهدؤون.

‏وأخيرا، ومع هزيمة حزب العدالة والتنمية المغربي يفتتح موسم جلد الذات المعتاد مع سقوط كل حزب ثوري، وما ذبح الإسلاميين إلا الإسلاميون.

يا سادة أنتم أمل شعوبكم في التحرر فلا تحبطوهم، وكونوا لإخوانكم عونا، فلقد استقالت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية استجابة لمطالب جمهورها، لكن هل تنحي قادة العمل الإسلامي في كل العالم هو الحل؟ أظن أنه جزء من الحل، لكنه ليس الحل الجذري ولا الأمثل.

فلمن يطالب بتنحي قادة العمل الإسلامي أقول: إن ما نعيشه الآن هو نتاج جهاد هؤلاء القادة، فلا ننكر عليهم ما قدموا، ولكن نقول إن على الشباب أن يقدموا كما قدم قادة الحركة ويتقدموا، ولما كان السباق هو سباق تتابع، فآن الأوان أن يتقدم شباب الحركة الإسلامية لاستلام العصا واستكمال السباق، وسواء كان الحديث عن حدث العدالة والتنمية أو على من سقط قبله، فنقول لمن احترف جلد الذات دون تقديم المقومات أحسنوا، فإن الحدث يحتاج الفكر لا الزجر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: