حوارات

خبير في الحركات الإسلامية لـ”الحقيقة بوست”: طالبان دمجتْ “القاعدة” في صفوفها وفقاً لاتفاق الدوحة

نفوذ أمريكا وهيمنتها على العالم سيتراجع بهزيمتها في أفغانستان

حَاوَرهُ: عبد الحميد قُطب

= طالبان تطورتْ في السنوات الماضية، واستفادتْ من أخطائها

= تماسك طالبان وأيدولوجيتها وتجذّرها اجتماعياً أهمّ أسباب انتصارها

= “الواشنطن بوست” وصفتْ حكومة الرئيس غني بـ “اللصوص”

= انتصار طالبان أزعجَ أنظمةً عربيةً تابعةً للولايات المتحدة

= تحوّل طالبان من حركة إلى دولة أهمّ تحدٍّ تواجهه بعد انتصارها

= مصالح الدول المجاورة لأفغانستان تُجبرها على التقارب مع طالبان

= أبوظبي والرياض انتهجتا مقاربةً أكثر راديكاليّة ضدّ طالبان

أكدَّ حسن أبو هنيّة الخبيرُ في الحركات الإسلامية أنّ حركة طالبان دمجتْ “القاعدة” في صفوفها وفقاً لاتفاقِ الدوحةِ، لمنع التنظيم من تنفيذ عمليات خارجية تستهدف الدول الأخرى، لافتاً إلى أنّ طالبان تطورتْ في السنوات الماضية واستفادتْ من أخطائها.
وأشارَ في حِواره لـ”الحقيقة بوست” أنّ نفوذَ الولايات المتحدة وهيمنتها على العالم سيتراجع بعد هزيمتها في أفغانستان، مُنوِّهاً إلى أنّ أبوظبي والرياض انتهجتا في السابق مُقاربة أكثر راديكاليّة ضدّ طالبان، لكنّهما حالياً على استعداد لإعادة العلاقات معها إذا أقامتْ واشنطن علاقات مع طالبان.

وإلى نصّ الحوار..

-: مع تسارع التطورات في أفغانستان .. كيف ترى المشهد الحالي؟

المشهد يتلخّص في أنّ حركة طالبان انتصرتْ، وسيطرتْ في وقت وجيز على كافة الأراضي الأفغانيّة، خِلافاً لكافّة التوقعات التي استبعدتْ هزيمة الامبراطوريّة الأمريكيّة بهذا الشكل الدراماتيكي.
فقد تلقتْ أمريكا هزيمةً مذلّة في أفغانستان على يدِ إمارة طالبان الإسلاميّة، وهي هزيمة تؤشّر على تراجع نفوذها وهيمنتها العالميّة، فالحرب التي كان من المفترض أن تعززَ مكانتها الدوليّة من خِلال مَدخل “الحرب على الإرهاب” تسببتْ في تَراجعِها، وساهمتْ بصعودِ قوى منافسة كالصين وروسيا.

توقع الانتصار 

ـ: هل كان الانسحاب الأمريكيّ متفَقاً عليه بين أمريكا وطالبان؟

استبعدُ ذلك، فجميع التقارير الاستخباريّة الغربيّة كانت تتوقّعُ انتصار طالبان، لكن الخلاف فقط على التوقيت، هل يكون في عام أو عامين؟

ـ: ما تقييمكَ للإجراءات التي قامتْ بها طالبان عقب دخولها كابل، كالحديث عن حقوق الإنسان والمرأة والعفو عن جميع المعادين لها؟

نحن كمراقبين توقعنا ذلك، لأنّنا نعرف أنّ الحركة تطورتْ في السنوات الماضيّة، واستفادتْ من أخطائها، وغيرتْ كثيراً من منظوراتها الفكريّة و مفاهيمها الشرعيّة.
فمن خلال قرارات الحركة الأخيرة ندركُ تماماً أنّ الحركة الحاليّة تختلف عن السابقة قبل 20 عاماً، لكن هذا لا يعني أنّ أفغانستان ستتحولُ إلى إمارة ليبراليّة في حكم طالبان، فهذا غير منطقي، إنّما ستكون الحركة أكثر انفتاحاً وتسامحاً ضِمنَ حدود الشرعيّة.

-: برأيك.. ما العوامل التي أدّتْ إلى انتصار طالبان؟

ـ أهمّ العوامل التي مكنتْ الحركة من الانتصار هو أنّ طالبان حركة أيدولوجيّة مُتماسكة، تخرجتْ من المدرسة “الديوبندية”، وهي مدرسة متماهية بشكل كبير مع القوميّة البشتونيّة، والمعروف أنّ التماهي بين المعتقد والقوميّة يُعطي صلابةً أكثر في مُواجهة أيّ مُحتل. كما أنّ طالبان مُتجذّرة اجتماعياً في النسيج الأفغاني، وهو ما مكّنها من السيطرة والتوسع حتى في أَوج القوة والوجود الأمريكي، الذي لم يستطع كسرها أو شَلّ حركتها رغم فقدها لقياداتها الرئيسيّة كالملا عمر. فطالبان مثلاً كانتْ تسيطرُ على نصف أفغانستان في أقوى حالات الوجود الأمريكي.
من ضمن الأسباب أيضاً أنّ الشعب الأفغاني بكافة مُكوناته لم يتقبّل الاحتلال الأمريكي، وكان ينظر إلى حكومة “كرازي” ثمّ “غني” على أنّها حكومة احتلال، بالإضافة إلى أنّ الحكومة فشلتْ في تحقيق تطلّعات الشعب والحصول على تأييد وإجماع، ومؤشر ذلك أنّ الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة لم يشارك فيها سوى 16% من الناخبين، ناهيكَ عن الفساد الذي استشرى في مؤسسات الدولة حتى وصفتْ “الواشنطن بوست” إدارة “غني” بأنّها “حكومة لصوص”!، وكذلك عودة زراعة الأفيون بعد أن قضتْ عليه طالبان، حتى أصبحت أفغانستان تنتج 90% من احتياج العالم من الأفيون.
والخلاصة أن الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه، وفشل أيضاً في صناعة حكومة تستطيع أن تؤدي واجباتها وتكون البديل لطالبان.

رعب وخوف أنظمة المنطقة

ـ: هل ينعكس الانتصار الطالباني على ملفات عربية كسوريا والعراق مثلاً لوجود حركات مسلحة في البلدين؟

بكلّ تأكيد، فمن خلال متابعتنا للإعلام العربي الرسمي، نكتشف حجم الانزعاج من هذا الانتصار، وهو انزعاج يعبّر عن رعب وخوف من تخلي الولايات المتحدة عن هذه الأنظمة، كما تخلتْ عن حكومة أشرف غني.
أعتقد أن انتصار طالبان سيعطي للحركات الثوريّة في المنطقة وخاصة الجهاديّة زخماً، سواء أكانت الجهاديّة المحليّة أو التابعة للقاعدة، وهذا الأمر قد يُحدث ارتباكاً وقلقاً للأنظمة العربية لم نره من قبل.

ـ: على ذكر القاعدة .. هل مازال التنظيم موجوداً في أفغانستان؟

ـ من المعروف أنّ طالبان مُتحالفة تاريخياً مع القاعدة والحركات الجهاديّة الأخرى التي بايعت المُلا عمر بما فيها القاعدة، والتي تقاتل حالياً في صفوف الحركة.
لكن وفقاً لاتفاق الدوحة الذي وقع في 2020 فإنّ طالبان تعهدتْ بعدم استخدام أراضيها لمهاجمة الدول الأخرى، وهو ما يعني أنّها ستضبط ايقاع القاعدة، وتجمّد نشاطها الخارجي بما يمنع مهاجمة أمريكا أو الدول الأخرى.
وفي حال ما قررتْ طالبان إنهاء وجود القاعدة على أراضيها ومنع توفير الملاذ الآمن، فهذا يعني ذهاب جزء من طالبان للالتحاق بـ”ولاية خراسان”.
لذا دمجتْ الحركة تنظيم القاعدة وباقي التنظيمات في إطار “إمارة طالبان”، لأنّها تحتاج إلى التنظيم وغيره، في مواجهة ولاية خراسان “داعش” .. علماً أنّ مجلّة “الصمود” التي تَصدر عن الحركة أكثر كُتّابها من القاعدة.

اتفاق الدوحة

ـ: ما أبرز التحديات التي تواجه طالبان في المرحلة المقبلة؟

ـ لا شكّ أن التحديات التي تواجه الحركة كبيرة، أهمها إدارة الحكم، وشكل النظام الجديد، فطالبان كانت تعمل كحركة والآن تحولتْ إلى نظام دولة. إضافة إلى العلاقات مع المكونات الأخرى، والفرقاء السياسيين، وهل ستتحول طالبان إلى جيش نظامي؟
ثمّ بعد ذلك يأتي التحدّي الاقتصادي، فأفغانستان أحد البلدان الأفقر في العالم، وكذلك العلاقات مع الدول الأخرى، وأهمّها باكستان وروسيا والصين وإيران، خاصة أنّ واشنطن لن تعترف بطالبان على الأقل في المدى المنظور، وستبقيها تحت الضغط لأنّها جزء من مُناكفة روسيا والصين.
أيضا كيف ستتعامل طالبان مع المكونات الأخرى والأقلّيات المتنوعة في أفغانستان؟ زِد على ذلك التحدي الأمني والتعامل مع “ولاية خراسان” وجماعة الشمال في وادي بنجشير بقيادة نجل أحمد شاه مسعود.
وأرى أنّ الولايات المتحدة إذا استمرتْ في مُناكفة طالبان بدعم جماعات عِرقية فإنّ ذلك سيدفع طالبان لأن تكون أكثر راديكاليّة، وأن تدعم حركات جهاديّة كالقاعدة وغيره.

ـ: كيف ترى مستقبل طالبان وعلاقاتها بدول الجوار كإيران والصين وروسيا؟

ـ بالنسبة لإيران أعتقد أنّها مضطرّة للتعامل مع طالبان، وهناك تقارير تتحدث عن دعمها مالياً بـ”نصف مليار دولار” وتسليحها في السابق.
واعتقد أنّ إيران جربتْ في السابق مُعاداة طالبان، ولا تريد تكرار الخطأ مرة ثانية، لأنّها تعلم أنّ هناك أقليّة شيعيّة في أفغانستان “الهزارة” ومن مصلحتها الحفاظ على حقوقهم، وأن لا تكون أفغانستان بحدودها الكبيرة معها مصدر قلق لها.
أما روسيا فاعتقد أنّها تواصلتْ مع الحركة وهناك تفاهمات بينهما، وما يهمّ موسكو هو ألا يُحدث الانتصار الطالباني ارتدادات في الدول الحليفة لها كطاجكستان وأوزباكستان، خوفاً من امتداد ذلك إلى القوقاز، لذا فمن مصلحة روسيا مساعدة طالبان لاعتبارات كثيرة.
الصين من جهتها تحرص على إقامة علاقات جيدة مع طالبان، وهذا ما صرّح به وزير خارجيتها فَور دخول الحركة كابل. ومن المتوقع أن يكون هناك تبادل سفارات بين البلدين، واتفاقات اقتصادية واستثمارية، ولا ننسى أنّ أفغانستان جزء من مشروع الصين “طريق الحرير” كما بكّين تحتاج للكم الهائل من المعادن الموجودة في باطن الأرض الأفغانية.
والأهمّ أنّها لا تريد مزيداً من الاضطرابات في إقليم شينجيانغ الإيغوري، وتريد أيضاً كسب باكستان المتحالفة مع طالبان في مواجهة الحلف الهندي الأمريكي.

حماس وطالبان

ـ: نشرت حركة حماس صوراً للقاء سابق جمع الملا عبد الغني برادار مع إسماعيل هنيّة عقب انتصار عمليّة “سيف القدس” .. ما تفسيرك لنشر حماس هذه الصورة بعد انتصار طالبان؟

ـ المشهد غير مُستغرب ومتوقع، فهناك تشابه بين الحركتين اللتين تخضعان لاحتلال كولونيالي. فطالبان واجهتْ الاحتلال الأمريكي، وحماس أيضاً واجهتْ الاحتلال الإسرائيلي المدعوم أمريكيّاً، والحركتان حققتا اختراقاً كبيراً، واستطاعتا الانتصار على الاحتلالين.
جدير بالذكر أنّ مجلة طالبان “الصمود” لا يخلو عدد منها على ذكر القضية الفلسطينيّة، وهذا يعني أنّ الحركة تنظر للقضية كنظرة أيّ مسلم للقدس والأقصى.
وفي تقديري أنّ الصورة كانت رسالة واضحة إلى الجميع أنّ “العالم لا يفهم إلا لغة القوة”.

ـ: هل يعكس مشهد منع طالبان هبوط طائرة إماراتية في مطار كابل لإجلاء رعاياها خلافاً بين الحركة وأبوظبي؟

ـ طبعاً، الخلاف موجود بين الحركة والإمارات والسعودية التابعتين للولايات المتحدة في حربها ضدّ طالبان، وبالتالي الخلاف طبيعي وواضح.
لكن من غير المستبعد في حال أقامت أمريكا علاقات دبلوماسيّة مع طالبان أن تذهب الدولتين حَبواً إلى كابل لإعادة العلاقات كما كانت سابقاً، عِلماً أنّ أبوظبي والرياض أول من اعترف بطالبان، لكنهما انتهجتا مقاربة أكثر راديكاليّة تجاه الحركة بعد ذلك.
والاعتراف بطالبان من قبل أبو ظبي والرياض سينسحب أيضاً على باقي الدول العربية التي تتبع واشنطن.

السعودية وطالبان

ـ: أخيراً، هل يمثل النموذج الطالباني إحراجاً للسعودية التي تحاول الابتعاد عن قيم ومفاهيم الإسلام؟.

نعم، هو أكبر حرج للسعوديّة، وهذا ما قاله ديفيد هريست، بأنّ انتصار طالبان شكّل حَرجاً للسعوديّة باعتبارها الدولة التي تُطبّق الشريعة الإسلاميّة، تريد حالياً التخلّي والانسلاخ عن ذلك شيئاً فشيئاً، بل وتذهب إلى مُعاداة الحركات الإسلاميّة المعتدلة منها وغير المعتدلة.
لكن في تقديري، أن انتصار طالبان وإقامة “الإمارة الإسلاميّة” في هذا التوقيت سيشكّل حرجاً للقيادة السعوديّة، ليس خارجياً وإنّما داخلياً أكثر.
لأنّ الشعب السعودي شعب مُحافظ ومتدين، ورؤيته أقرب إلى طالبان، وفي حال عدم دعم القيادة السعودية لطالبان سوف يخلقُ مشاكلَ داخليّة نظراً لخصوصيّة الدولة التي قامتْ في الأساس على التحالف بين الشريعة والسياسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: