حوارات

خالد القاضي لـ”الحقيقة بوست”: اهتمام طالبان بالعنصر المخابراتي أسهم في نجاحها والحفاظ على قادتها

حاوره – عبد الحميد قطب 

=طالبان ستحظى باعتراف دولي لو استمرت بنفس النسق

=الاقتصاد والتعليم والقبول الدولي أبرز تحديات تواجه الحركة

=أمريكا تخطط لإحداث قلق في الصين عبر أفغانستان

=انتصار طالبان سينعكس إيجابًا على الساحة السورية

=طالبان تختلف عن حركات المنطقة من الناحية العقدية وبنيتها الجبلية

=عودة طالبان يمثل إحراجًا للسعودية المنفتحة على الثقافة الغربية

=وجود دولة سنية قوية بجوار إيران يؤرقها ويشجع الحركات السنية للصدام معها 

=الشعب الأفغاني في حاجة لمعرفة الشريعة قبل تطبيقها عليه

أكد خالد القاضي الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، أن أحد أسباب انتصار طالبان وعودتها هو اهتمام الحركة بالجانب المخابراتي، لافتًا إلى أن هذا الأمر أسهم في نجاحها والحفاظ على قادتها.

وتوقع القاضي في حواره مع “الحقيقة بوست”، أن تحظى الحركة باعتراف دولي في حال استمرت بنفس النسق، مؤكدًا أن الاقتصاد والتعليم والقبول الدولي أبرز التحديات التي تواجه الحركة.

ولفت القاضي إلى أن عودة طالبان يحرج السعودية المنفتحة حاليا على الثقافة الغربية، مشيرًا إلى أن وجود دولة سنية قوية بجوار إيران يؤرقها ويشجع الحركات السنية على الصدام مع نظامها.

وإلى نص الحوار..

ـ: كيف ترى الوضع في أفغانستان وما الذي أدى إلى تسارع الانتصار الدراماتيكي لطالبان والسيطرة على كابل؟

ـ الوضع في أفغانستان يشبه ما جري في فيتنام سنة 1975 بعد انسحاب الولايات المتحدة منها، مع الفارق أن فيتنام كانت مدعومة بجسور من الإمدادات من الصين والاتحاد السوفيتي في ذلك الحين، أما حكومة طالبان فهي غير مدعومة من أي أنظمة.
وفي تقديري أن طالبان ستنجح في السيطرة الإدارية على كافة البلاد في غضون أشهر معدودة، خاصة أنها ترفع شعار السلام قبل الحرب، والعفو قبل المحاسبة، والتعاون الدولي الدبلوماسي قبل التصادم، وقد استوعبت التجربة السابقة بكل تفاصيلها.
واليوم نحن أمام حكومة جديدة أكثر وعيًا من الناحية السياسية والعسكرية، وتتعامل بمبدأ التعاون مع النظام العالمي، ولهذا فمن المتوقع أن تحظى الحركة باعتراف دولي، لو استمرت بنفس النسق وعلى هذا المسار الواعي.
أما التسارع الدراماتيكي فهو أمر متوقع، خاصة أن الحكومة السابقة لم تمثل الشعب، وكانت حكومة مصالح، ولم تبسط سيطرتها إلا على المدن فقط، وتحالف المعارضة لم يكن له وجود لولا التحالف الدولي الذي ساندها لآخر لحظة.
فكان مشهد الاستسلام والانسحاب أمر طبيعي لحكومة غير مدعومة شعبيًا، وغير متجانسة حتى عقديًا، وليس لها أي رابط غير خدمة التحالف الدولي والإثراء على حساب الشعب.
وللحقيقة طالبان على مدار أكثر من 20 عامًا لم تنفصل عن المدن، وكانت توجيهات قادتها تُعلق في شوارعها أسبوعيًا، وتغلغلت في نسيج المجتمع الرافض بحكم العقيدة والعادة للوجود الأجنبي، فكانت هذه النتيجة طبيعية بل ومتوقعة.

عوامل الانتصار

ـ: لكن ما العوامل التي أدت لانتصار طالبان في فترة وجيزة؟

ـ هناك عدة عوامل أدت لانتصار الحركة أهمها:
1- العامل العقدي، إذ أن الحركة كونها حركة إسلامية وفر لها قبولًا عقديًا حتى لدى أعدائها، فكثير من الجنود الذين يستسلمون يصرحون بأنهم لا يريدون قتال لمسلمين مثلهم، كما أن طالبان حركة ملتزمة دينيًا، وما يربط الحركة بالشعب هو قوة النسيج العقدي أولًا.
2- التطور الحركي لطالبان، فبعد دخول قوات التحالف تحولت طالبان من حركة مركزية الإدارة إلى لامركزية، مما سهل للقادة الميدانيين سهولة التعامل مع المواقف وسرعتها، بل ان بعض القادة الميدانيين عقد تحالفات مع قوات تتواجد في منطقة نفوذهم (عهود أمان)، تتضمن عدم التعرض للطرفين، نظير بقاء الحركة مسيطرة إداريًا، وهذا أكسب الحركة سرعة في اتخاذ القرار، واستمرارية على أرض الواقع.
3- اهتمام الحركة بالجانب الأمني المخابراتي، أسهم في نجاحها في الحفاظ على قادتها وتحريرهم، ولك أن تتصور خبر وفاة زعيم الحركة (الملا محمد عمر)، تم اخفاؤه لمدة عامين أو أكثر، ولم يتسرب رغم تواجد أعتى الأجهزة المخابراتية، بل إن الحركة سيطرت على بعض المقاطعات مخابرتيًا قبل دخولها عسكريًا، ولهذا كانوا حريصين في السيطرة الأولى على الاستيلاء على أبنية أجهزة المخابرات والاستيلاء على الوثائق، وهذا مهّد لهم معرفة الأرض التي يسيرون عليها.
4- اهتمام الحركة بمخاطبة الشعب، عبر دعاتها المنتشرين في كل نواحي أفغانستان، واستخدامها خطابًا دينيًا عاطفيًا وعقلانيًا، بصورة جعلتها مقبولة لدى الشعب، مع ضمان استمراريتها في المشهد طوال السنوات التي غابت فيها عن الحكم.
5- فهم الحركة للنظام الدولي، ولهذا كان استخدام المفاوضات والحلول الدبلوماسية يتم كترجمة للسيطرة الفعلية على البلاد، والتوظيف السياسي لخدمة الحركة العسكرية.
هذه أبرز العوامل، ناهيك عن طبيعة الشعب الأفغاني الرافض للتدخل الأجنبي، وتفكك الحكومة البديلة، وضعف تحالف المعارضة القائم على المصالح الآنية، وعدم وجود خطة إصلاح جادة لدى الحكومة السابقة.

ـ: برأيك.. ما أبرز التحديات التي يمكن أن تواجه طالبان في المرحلة المقبلة؟

ـ لا شك أن أبرزها الجانب الاقتصادي والتعليمي المنهار، والذي من الممكن أن تلعب عليه القوى المضادة للحركة. كذلك القبول الدولي لحركة إسلامية مسلحة واضحة المعالم، تريد تطبيق الشريعة ولها سمعة دولية غير جيدة بسبب علاقاتها السابقة بتنظيم القاعدة، وإن شئت فقل (عصرنة الحركة) مشكلة كبرى.
ناهيك عن المؤامرات التي تحاك لتوريط الحركة في صراعات إقليمية، والتهديد لقادتها من بقايا النظام القديم وقوى المعارضة التي لم تتفق معها لا سابقًا ولا حاليًا.

ـ: هل تعتقد أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان “فخ” واستدراج لطالبان؟

ـ لا يتصور أحد قدوم النظام الأول عالميًا من حيث الفكر والاستراتيجية والقوة على الإقدام على خطوة غير مدروسة، أما تبسيط الفعل الأمريكي في (فخ) أمر غير مستساغ، فأمريكا تعد المسرح العالمي لحدث جديد، قد يكون هذا الحدث هو مواجهة النظام الصيني، وليس هناك أصلح من الحديقة الخلفية للصين (أفغانستان) لإحداث قلق لها، خاصة أن الصين تضطهد مسلميي الإيغور، والوضع في شمال الصين قابل للاشتعال إذا توافرت له الأسباب، والأيام حُبلى.

سوريا وأفغانستان

ـ: هل تعتقد أن هذا الانتصار الطالباني سينعكس على دول أخرى كسوريا مثلا؟

ـ بالتأكيد، فالمقاتلين الأجانب في حال انسحابهم من سوريا سيجدوا مأوى لهم في أفغانستان، وهذا ما تم تداوله في الأشهر الأخيرة، ناهيك عن الاستفادة من التجربة الحركية لطالبان.

ـ: ما الفارق بين طالبان والحركات الثورية الأخرى في المنطقة؟

ـ الفرق الأساسي يكمن في كون حركة طالبان حركة إقليمية محلية، ذات طابعٍ فقهي حنفي صوفي خاص، وغالب الحركات الثورية في المنطقة سلفية حنبلية، هذا من الناحية العقدية، علاوة على بنية الحركة التي تتوائم مع الطبيعة الأفغانية الجبلية، وكونها حركة نشأت مسلحة وحكمت دولة لمدة 3 سنوات، ولم تُنحى عن الحكم بانقلاب داخلي أو ثورة شعبية (مصطنعه)، ولم تقحم نفسها في التنظير الفكري، لكون بنيتها قائمة على فقه عتيق وثابت.

ـ: كيف ترى استعداد طالبان لإعلان الإمارة الإسلامية؟

ـ تقصد لاستعادة إمارتها الإسلامية؟ إذ إن الإعلان عن الإمارة تجاوز 20 عامًا، وما سيتم هو إعلان عودة حكومة الإمارة، وهم في جاهزية لهذا، لأن بنية الحكومة الخاصة بهم لم يتم حلها، بل ظلت في فترة الغياب تسيطر على مناطقها، والأمر لا يعد إلا توسيع نفوذ، والحصول على اعتراف دولي، وعودة للتعامل مع النظام العالمي بصورة أكثر وعيًا.

السعودية وطالبان

ـ: ألا يمثل هذا الانتصار الطالباني إحراجًا للسعودية خاصة أن الحركة تصر على إقامة الشريعة الإسلامية ومنع الغناء بينما السعودية تحاول الابتعاد عن الإسلام وقيمه؟

ـ أنا أظن أن المملكة العربية السعودية أمام أمرين: إما التعاون مع النظام الجديد واستيعابه، إذ أن القوى الناعمة للسعودية في مرجعيتها الإسلامية، أو عداء النظام الجديد بصفته نظام حنفي صوفي مغاير تمامًا للنظام والفكر السلفي السعودي، والشريعة مقامة في السعودية، وما تقوم به المملكة من انفتاح على الثقافة الغربية تم بصورة (فجة) نوعًا ما، سبب إحراجًا لها داخليًا وخارجيًا، وطبيعة الشعب الأفغاني وطريقته في الحياة مخالفة لطبيعة الشعب السعودي، بل إن نشأة الأنظمة متباينة، وفكرها مختلف، وهذا موضع لا يقارن في نظري.

ـ: من أكثر الدول تضرراً بانتصار طالبان خاصة المجاورة .. إيران روسيا الصين؟

ـ أكثر الدول تضررًا الصين ثم إيران تليها روسيا، فالصين حدوده الشمالية ملتهبة بسبب إضطهادها الإيغور، ووجود حركة إسلامية ناجحة يشجع مسلمي شمال الصين على الدخول في حركة مقاومة شبيهة لطالبان، والبيئة متوفرة، والعوامل تؤدي لذلك، أما إيران فوجود دولة سنية قوية على حدودها سيؤرقها كذلك.
فأوضاع أهل السنة المضطهدين في إيران مسكوت عنها، والحركات السنية داخل إيران قد تخوض صدامًا مع النظام الإيراني مقتدية بطالبان للحصول على حقها المنهوب من قبل سلطة طائفية، أما روسيا، فدول الاتحاد السوفياتي المسلمة القديمة، تتطلع لتطبيق الشريعة الإسلامية، وتنتظر التجربة الأفغانية التي لو نجحت لتغيرت خارطة هذه الدول الداخلية.

دروس الماضي

ـ: أخيرًا ما الذي تتمنى أن تفعله حكومة طالبان الجديدة؟

ـ أتمنى أن تعي الحركة دروس الماضي وتعي جيدًا روح الشريعة، فلا يمكن أن تطبق الشريعة على من يجهلون مقاصدها وحكمتها، والشعب الأفغاني في حاجة لمعرفة الشريعة قبل تطبيقها عليه، وأرجو أن لا تساهم الحركة بتصرفاتها في تشويه صورة الإسلام خاصة من ناحية حقوق المرأة وتعليمها، وأن لا يقتصر تعليم المرأة في أفغانستان على التعليم الديني فقط، بل الحاجة ماسة لتخصصات عدة تساهم فيه المرأة المسلمة.
وعلى دولة طالبان الجديدة الإستفادة من النظم السياسية المعاصرة من تعدد الأحزاب، وإتاحة الفرصة لقوى المعارضة بالمشاركة السياسية، طبقًا لآليات تتوافق مع الديموقراطية ولا تعارض الشريعة الإسلامية بصورة تطور الشكل السياسي للحكومة الجديدة، مع مراعاة عدم التورط في (قاعدة) جديدة، ومراعاة النظام العالمي وللطرق الدبلوماسية للتعاون معه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: