مقالات

د. ياسين أقطاي يكتب: هل يتبع أحفاد ألب أرسلان حفنة من السياسيين تغذيهم الاستخبارات الأمريكية؟!

ماذا لو اقترحنا ذلك على أولئك الذين يبدون متحمسين للغاية في معارضتهم لقضية المهاجرين، والذين يودّون بشدة إرسال المهاجرين إلى حيث أتوا، عبر أكثر الوسائل راديكالية دون أية رحمة؟

ماذا لو طبقنا هذا الاختبار ليس على المهاجرين الذين وصلوا إلى تركيا خلال السنوات العشر الأخيرة، لا، بل على كل من هاجر إليها بشكل او بآخر خلال آخر 100 أو 130 عامًا الفائتة. ماذا لو قلنا أنه يجب إعادة كلّ من هاجر إلى تركيا خلال آخر 100 أو 130 عامًا، إلى المكان الذي جاء منه؟

بالطبع ستقولون إنه اقتراح مستحيل. نعم هو محال طبعًا، إلا أنه في بعض الأحيان يتعذر رؤية الحقائق إلا من خلال أكثر الطرق عبثية واستحالة. في تلك الحالة وفي لحظة ما يمكنك رؤية أبعاد الهذيان والعبث الذي نحن فيه. لأن أولئك الذين يبدون الأكثر عداء للمهاجرين هم أنفسهم هاجروا إلى تركيا خلال القرن الأخير أو ما قبل ذلك بقليل.

عدد كبير من هؤلاء الباغضين للأجانب ليسوا أتراك بالأصل وليس لديهم أصول تركية حتى، إلا أنهم يمارسون عنصريتهم باسم هذا البلد والشعب. أليس هذا بحد ذاته غريبًا ومأساويًّا بما فيه الكفاية؟

خلال مقالتي الأخيرة تعرضت لهذا التناقض الغريب مستخدمًا إحدى الجمل في هذا الغرض. واكتشفت أن الكلمات كلما كانت عميقة وواقعية كلما أصابت أولئك العنصريين بانزعاج. لدرجة أن تصريحاتي تلك خلال المقال الأخير تصدرت عناوين الصحف وتحولت إلى هدف لا يصدق لتجسيد الحقد والكراهية والقتل خارج نطاق القانون عبر منصات التواصل الاجتماعي. من الواضح أن الذي غذّى هذا الشعور المقزز أعدّّ كل شيء على أصوله منذ البداية، فقام بإنتاج عبارة مبتذلة ومن ثمّ أطلق العنان لها كي يتداولها ذبابه عبر منصات التواصل، على هيئة سؤال مبتذل؛ “نحن جئنا من ملاذكرد وأقمنا وطنًا هنا، كيف تقارن بيننا وبين هؤلاء المهاجرين الجبناء الذين فرّوا من الحرب؟”.

من هو العقل الخارق الذي أنتج هذا السؤال المحيّر للألباب! في الحقيقة إن العقول هي من تطرح الأسئلة عادة، إلا أن هذا السؤال لا يوجد فيه ذرة عقل، ولا ذرة شعور، ولا عاطفة تاريخية، فضلًا عن خلوّه من الضمير والوجدان.

إن الهدف ممّا تطرحه منصات التواصل في الأصل ليس العقل، بل العاطفة. لا أحد يكتب بدافع العقل، بل يكتب دون تفكير بردود الفعل حتى.

لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في الواقع إلى مجال لعمليات الإعدام غير القانوني والأحكام المسبقة دون مساءلة أو نظر، وساحة كبيرة لمؤيدي الهمجية والشغب. لا أحد منهم ينتظر منك ردًّا أو توضيحًا، حتى وإن جرّبت ذلك ستشعر أنك تضرب في ظلام.

المشكلة هو أن داخل هذه المشكلة لا يوجد منطق وعقل، بل ألف نوع ونوع من الجهل.

أليس من الممكن أن يخرج علينا أي أحد لا يعرف سوى جدّه الرابع أو الخامس على أبعد تقدير، ليدعي أن أجداده كانوا في جيش ألب أرسلان العظيم، مستخدمًا ذلك بطريقة عدائية ضد الآخرين؟ نعم من الإيجابي أن يحمل الإنسان مشاعر الانتساب للقيم التي كان يمثلها القائد العظيم ألب أرسلان، إلا أن الأهم من ذلك هو محاولة اتباع تلك القيم التي كان يمثّلها ألب أرسلان وجيشه خير تمثيل، أليس من الأفضل أن يتخلقوا بهذه القيم؟

هل أولاد أو أحفاد ألب أرسلان هم أولئك الذين يتبعون حفنة من السياسيين المحرّضين الذين يتغذون من منظمة الاستخبارات الأمريكية، ويوجهون الناس نحو قتل وإيذاء مهاجرين عزّل مضطهدين وفقراء فرّوا من جرائم ومجازر مورست بحقهم؟ هل يمكن أن يمنح هذا النوع الخسيس من الأعمال صاحبه أي شعور بالبطولة والشجاعة؟ ألا يخجل يا ترى من تلك الطفلة الصغيرة الملطخة بالدماء؟ أي حفيد لألب أرسلان يمكن أن يقوم بهذا العمل الدنيء؟

هل أنتم متأكدون بالفعل من أنكم أحفاد ألب أرسلان؟ اذهبوا وتعرفوا قليلًا على ألب أرسلان؟ اقرؤوه، واعرفوه ما الذي قرأه وبأي شيء قد تأثر به، وانظروا حينها هل يمكن أن يكون بينكما أي علاقة؟ فهو قد تأثر بالدرجة الأولى بالقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم.

إن القرآن يأمر الإنسان بأن لا يظلم الآخرين، بل أن يعاملهم برحمة وعدل، وأن يتشارك الناس ما في أيديهم فيما بينهم، وأن يدافعوا عن المظلوم، وان يشكروا ويقنعوا بما في أيديهم، وأن يتحركوا وهم يوقنون بأنهم سيموتون يوما ما، وحينما يموتون سيسألون عمّا فعلوه أو ما لم يفعلوه وكانوا قادرين على فعله.

ولذلك فإن من يحمل هذه المشاعر العنصرية بعيد عن ألب أرسلان، وعلى فرَض أنه كان في زمن ألب أرسلان أو العكس، فمن المؤكد أنه لن يقف إلى جانب ألب أرسلان، بل ستجدونه في الجبهة الأخرى بالتأكيد.

وفي المناسبة، من الجدير بي أن أطرح هذا السؤال على من يقول بإصرار بـ”أننا جئنا إلى الأناضول مع ألب أرسلان عام 1071؟”؛ هل أنتم متأكدون من ذلك؟ ما الذي أدراكم فيما لو كان أجدادكم آنذاك يقاتلون مع ألب أرسلان، أو أنهم كانوا ضده ويحيكون له المآمرات؟ لو طلبنا منهم إثبات ذلك فمن ذا الذي يستطيع؟

لم يكن جميع من كان في تلك الحقبة تابعًا لألب أرسلان بالتأكيد. بل جزء مهم في المجتمع إما كان ضدّه، أو في صف النظام القائم آنذاك أو من ذوي الفتن الباطنية.

لكن يبدو من السهولة بمكان أن يقوم الجميع بنسب أنفسهم إلى بطل فذّ وعظيم له تاريخ مشرّف ونبيل.

من الواجب أن نذكّر بقيم الإسلام التي تنص على أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فلا يمكن أن يتحمل الجميع أخطاء أو حسنات غيرهم، بل من أصلح فإنما أصلح لنفسه، ومن أفسد فوزره على نفسه.

دعونا نخبر أولئك الذين تُفرحهم التفاخرات الجاهلة والخادعة، أن البطولة الحقيقية لا تعني أن تتشبث بذكرى بطل عظيم وكأنك مغمور ونكرة، بل البطولة الحقيقية هي أن تجسّد اليوم الشجاعة والقيم التي كان يجسّدها هو قبل ألف عام.

لو عاد ألب أرسلان اليوم إلى الحياة، لرأيت أولئك الذين يتفاخرون به أول من سيقف ضده.

حينما ذكرت في مقالي السابق تعبير “الذي قدموا أولًا” ألم يكن من الواضح بشكل لا لبس فيه أن المقصود من هذه الجملة أولئك الذين هاجروا إلى تركيا سابقًا؟ لا يوجد جدل بالطبع حول الأراضي التي يتشكل منها هذا الوطن، بل كنا نناقش حركات الهجرة عبر التاريخ. إلا أنهم حرّفوا ذلك تمامًا، وخرجوا عن المقصود، أي نوع من التبجح خيّل لهم أن النقاش حول تراب الوطن؟ معظمهم لا يملكون أدنى ذرة حول مفهوم الوطن.

كيف يمكنكم معرفة ذلك الشيء الذي يجعل التراب وطنًا بالفعل؟ كيف يمكنكم فهم ألب أرسلان، أو الفاتح الذي أثنى عليه نبينا لفتحه إسطنبول، أو أرطغرل، أو المؤسس عثمان، أو القائد صلاح الدين الأيوبي الذي كان يتحرك بوعي يرى أن كل يوم يتأخر فيه عن فتح القدس هو وبال على جميع المسلمين؟

إن الوطن الذي في مخيلتكم ليس سوى الحدود الضيقة التي رسمها الإمبرياليون قبل مئة عام.

عيشوا في حدود هذا السجن كما تريدون، لكنى توقفوا عن حصر هذه الأمة داخل تلك الحدود الضيقة، فلن تتمكنوا من ذلك.
يني شفق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: