مقالات

محمد الشبراوي يكتب: أزمة “سد النهضة” عكست فشل النظام الأمني الجماعي

مع تعقد مسارات أزمة سد النهضة الإثيوبي، واللجوء لمجلس الأمن الدولي للمرة الثانية، وما أفرزته جلسة المجلس المنعقدة في الثامن من يوليو/تموز 2021، ثار تساؤل عن جدوى اللجوء لمجلس الأمن وفاعلية آليات المنظومة الدولية التي نشأت في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية، بما يقود إلى سؤال أكثر وضوحا وهو: هل يمثل تعاطي مجلس الأمن مع أزمة سد النهضة وغيرها من الأزمات مؤشرا لفشل النظام الدولي وأنه في حاجة للتغيير؟

يدفع إلى التساؤل عن فشل النظام الدولي تلك الإخفاقات المتتالية للأمم المتحدة على أصعدة مختلفة طوال العقود السابقة، ومأزق مجلس الأمن في ظل حق النقض (الفيتو) الممنوح للأعضاء الدائمين في المجلس (الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين).

مَثلَ اللجوء لمجلس الأمن بخصوص أزمة سد النهضة للمرة الثانية نقطة كاشفة بخصوص جدوى المجلس، وفارقة في مسار الأزمة التي تراوح مكانها منذ إعلان إثيوبيا تدشين مشروع إنشاء السد في أبريل/نيسان 2011.

لقد كان متوقعا فشل مجلس الأمن في تبني القضية، والبحث عن حل لها، حيث أعاد الكرة إلى الملعب الأفريقي ممثلا في الاتحاد الأفريقي، الذي لا يملك آليات ضغط لإنفاذ القرارات، إضافة إلى أن إثيوبيا تتمتع بنفوذ على الاتحاد الأفريقي بحكم كونها دولة المقر.

لقد كان واضحا أن مشروع القرار الذي وزعته تونس بخصوص أزمة سد النهضة لن يمر، فقد كانت الكلمات التي أُلقيت من الوفود لا تتفق مع الموقف المصري السوداني، وما حدث لم يكن سوى تعبيرعن مواقف دول، ولم يتطرق أحد إلى الدور المهم لمجلس الأمن في موضوع الأزمة، ولم يكن هناك ثمة ترحيب بمشروع القرار، الذي وزعته تونس على الدول الأعضاء.

كذلك لم يكن هناك حديث عن موضوع توسيع الوساطة، واقتصر الأمر على مجرد أمنيات لا أكثر، وأن يلعب المراقبون داخل الوساطة الأفريقي دورا أكبر من الدور الحالي وكونهم مراقبين.

ورغم أن إثيوبيا أعلنت بشكل أحادي منفرد البدء في الملء الثاني قبل ثلاثة أيام من اجتماع مجلس الأمن لبحث القضية، لم يصدر من أحد انتقاد واضح وحاد لهذا التصرف الأحادي المخالف لاتفاق المبادىء الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا.

إضافة إلى ما حدث فقد سبقت تصريحات مندوب فرنسا، رئيس مجلس الأمن (نيكولا دي ريفيير) في مؤتمر صحفي، الخميس الموافق الأول من يوليو 2021، حيث قال (ليس لدى المجلس الكثير للقيام به في أزمة سد النهضة، وإنه ليس لدى المجلس سوى جمع الأطراف معاً للتعبير عن مخاوفهم، ثم تشجيعهم للعودة إلى المفاوضات للوصول إلى حل).

ورغم خطورة أزمة سد النهضة، وتبعاتها التي أفاضت مصر والسودان في بيانها، وكونها تمثل تهديدا للأمن والسلم الدوليين، فإن هناك دولا لم تكن تريد بحث القضية، فالصين وروسيا العضوان الدائمان في مجلس الأمن لم يريدا لمثل هذه القضية أن تُبحث في المجلس، فالصين تخشى أن يمثل ذلك سابقة يُبنى عليها، خاصة أنها تشارك ست دول في حوض نهر (ميكونج)، وقد أقامت عددا من السدود في الجزء العلوي من النهر.

أما روسيا فلديها مصالح وتطلعات في القرن الأفريقي، وإن بدا موقفها حياديا، لكنه يحمل تأييدا مبطنا للرؤية الإثيوبية، بما يحقق لها ما تتطلع له من مصالح في القارة الأفريقية.

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فتاريخيا هي التي تقف وراء تبني إثيوبيا لاستراتيجية بناء السدود ومنها سد النهضة، ورغم أنها وعدت بتقديم الدعم السياسي اللازم لحل أزمة سد النهضة، إلا أنها على جانب آخر صنفت الأزمة على أنها صراع (جيو سياسي) بين مصر وإثيوبيا، متجاهلة الأبعاد القانونية والآثار الإنسانية، والتهديد الوجودي الذي يطال ما يقارب 150 مليون نسمة في مصر والسودان.

بعد أكثر من سبعة عقود على إنشاء الأمم المتحدة وأجهزتها الرئيسية الستة المتمثلة في ( الجمعية العامة، ومجلس الأمن، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوصاية، والأمانة العامة، ومحكمة العدل الدولية) يبدو واضحا أنه لم يتحقق الغرض الذي من أجله أنشات، بل تحولت إلى مظلة للاحتماء من حرارة الاشتباكات حول العالم، وأصبحت وسيلة في يد القوى الكبرى المهيمنة لإدارة المشكلات الدولية لمصلحهتا بدلا من البحث عن حلول لها.

منذ تأسيس الأمم المتحدة في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1945 كبديل لعصبة الأمم، والواقع يشهد أنه لم يتحقق السلم والهدوء المنشودين، بل أصبح العالم أكثر توترا، وإن لم تتواجه الدول الكبرى مباشرة فإنها تدير حروبا بالوكالة في مناطق مختلفة في العالم، وما يحدث في المنطقة العربية وأفريقيا وأماكن أخرى في العالم دليل واضح على ذلك.

لقد شهد العالم  انتهاكا لحقوق شعوب واغتصابا لأرضهم، وإسقاطا لحكومات، وزعزعة لاستقرار دول لا تتماشى مع سياسات وأهداف الدول المهيمنة على الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

إن القضية الفلسطينية وموقف المنظومة الدولية منها دليل واضح على إخفاقات الأمم المتحدة، إضافة إلى مجازر وإبادات جماعية نفذتها هذه القوى الكبرى المهيمنة على مجلس الأمن، أو أسهمت ودعمت وكلاء في تنفيذها في أنحاء متفرقة في العالم، فما حدث في فيتنام، وكمبوديا، وأفغانستان، وسريبرينيتسا في البوسنة والهرسك، ورواندا، والعراق، وسوريا، وغيرهم لا يدع مجالا للشك في أن الأمم المتحدة فشلت في القيام بما اقتضاه ميثاق إنشائها.

عندما لجأت مصر والسودان لمجلس الأمن بعد انسداد الأفق أمامهما في الحوار مع إثيوبيا، فقد كان ذلك أمرا طبيعيا في إطار اللجوء إلى أشكال الوساطات المختلفة، ومن بينها الآليات الدولية المتوفرة، ورغم أن النتيجة المتوقعة قد تجسدت على أرض الواقع برد القضية للاتحاد الأفريقي منزوع الصلاحيات، إلا أن مصر والسودان قد استطاعتا أن يبرءا ذمتهما في حال تطور الأزمة، وتصاعد التوتر في منطقة حساسة، تشمل القرن الأفريقي وحوص النيل والبحر الأحمر، ولها تأثيرها على المصالح الدولية، ومن ثم فقد وضعا المجتمع الدولي ممثلا في مجلس الأمن أمام مسؤولياته الأصيلة.

لقد فشل مجلس الأمن في التعاطي مع هذه الأزمة كما فشل في وسوابق أخرى غيرها رغم ما تحمله من مخاطر واضحة على السلم والأمن الدوليين، وتهديد واضح لشعوب مستقرة منذ آلاف السنين.

إن العالم اليوم في ظل المنظومة الدولية الحاكمة يواجه  تحديات جديدة متفاقمة، تلقى بظلالها على جميع القضايا الملحة في أرجاء المعمورة، ومنها بطيعة الحال قضية سد النهضة الأثيوبي، فهناك توترات كبرى جديدة في الجغرافيا السياسية العالمية، حيث تشهد العلاقات توترا بين قوى رئيسية من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن وهي: الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا.

لقد أسهم حق النقض الممنوح للدول الخمس الكبرى دائمي العضوية في مجلس الأمن في تنامي الإحباطات الدولية، ووقف حجر عثرة أمام إيجاد حلول لجل المشكلات الدولية.

فالوضع القائم في ظل تضارب المصالح السياسية، والاقتصادية للدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن، والتي تملك وقف أي قرار تجعل من غير المتصور أن يقوم المجلس بإجراء يمس أو يقترب من مصالح هذه الدول والدول التي تدعمها، مما يعني حالة شلل دائم في وظيفة مجلس الأمن، وتسخير له في الاتجاه الموافق لمصالح هذه الدول.

إن مجلس الأمن بتركيبته الحالية لم يكن يُتوقع منه أن يسهم في تحقيق السلام العالمي، أو أن ينظر بجدية في قضية كقضية سد النهضة، التي تمثل تهديدا وجوديا لمصر والسودان لأن الدول المهيمنة هي المصدر الأساسي لتجارة السلاح العالمي، ومن مصلحتها أن تمسك بأطراف الأزمات وتطيل أمدها لتوجهها نحو ما يحقق مصالحها وينعش تجارتها.

إن أزمة سد النهضة بعد أن بلغت عتبات مجلس الأمن الدولي لمرتين، ولم يستشعر المجلس وأعضاؤه حجم خطورة الأمر، تضيف رصيدا مؤكدا إلى إخفاقات المنظومة الدولية، وتؤكد أن الهدف الذي من أجله أُنشأت الأمم المتحدة والمتمثل في (المحافظة على السلم والأمن الدولى باتخاذ التدابير الجماعية الكفيلة بمنع وإزالة أى تهديد للسلم، والقضاء على جميع صور العدوان) لم يتحقق وأن نظام الأمن الجماعي قد فشل.

إن واقع أزمة سد النهضة يؤشر إلى أن هناك دولا أعضاء  في مجلس الأمن أسهمت في تفاقم هذه الأزمة، ومن الواضح أن أي دولة تنجح في ربط مصالح القوى الكبرى معها يمكنها أن تعصف بحقوق ثابتة لدول أخرى، وتتلاعب بالأمن والسلم الدوليين.

إن تعاطي مجلس الأمن مع قضية سد النهضة وغيرها القضايا على مدار أكثر من سبعة عقود منذ تأسيس الأمم المتحدة يؤكد أن هناك انكسارا في آليات النظام الدولي، وأن هذا النظام قد فشل في تحقيق الاستقرار والحماية للعالم من نشوب الصراعات، وأعطى امتيازات لدول على حساب باقي دول العالم، بما يعني أن منطق الأقوياء هو الذي يسود على منطق الحق، وهذا يؤكد أن النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية قد بات في حاجة ملحة للتغيير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: