مقالات

ياسر عبد العزيز يكتب: قمة جزائرية تركية تونسية لإخراج سعيد من ورطته

على طاولة اجتماعات فخمة في خلفيتها مكتبة كتب كبيرة تعج بكتب لا يمكن رؤية عناوينها، لكنها تؤدي الغرض المطلوب فمن يجلس على رأس الطاولة سيتكلم لا بصفته رئيسا للجمهورية بل أيضا “كفقيه” دستوري فالمشهد يحتاج هذا الديكور الموحي، كما يحتاج أيضا بعض الممثلين المجاميع الصامتين، كبار السن ويرتدون بذات فخمة ومنهم من يرتدي الزي العسكري، فالمشهد تاريخي وأداء الممثل الأول في المشهد يتوافق مع تاريخية المشهد.

في عيد الجمهورية قرر قيس سعيد أن ينقلب على الجمهورية بقرارات عطل فيها الدستور وجمد البرلمان وأقال رئيس الوزراء، لكن المشهد الفعلي والقرارات التي طبخت فيه لم تكن لتصور أمام الكاميرات وإنما في غرف مغلقة لا كاميرات فيها ولا تسجيلات، والفاعلون الحقيقيون والممثلون الفعليون لم يظهروا في المشهد الرئيسي من فيلم الانقلاب العظيم في تونس، فالحقيقة أن بطل المشهد الذي خرج للعلن ما هو إلا ممثل ثانوي حفظ الدور ليؤديه نيابة عن المخرج، والمخرج معروف وكشفت عنه الأحداث وشهود العيان، فوجود الضباط الإماراتيين والمصريين في قصر قرطاج، دليل على البعير، كما قالت الأعرابية، وإن كان في الإليزيه من كان يدير المشهد عن بعد، وفي الرياض من أسهم في نفقات إنتاج الفيلم.

لكن على الطرف النقيض ووقوفا مع الشرعية وإرادة الشعب كانت جبهة أخرى تتشكل بسرعة قادتها تركيا وتماهت معها كل من ليبيا والجزائر ومن قبلهما قطر، ومن خلفهم الولايات المتحدة الأمريكية لكن ليس كما فرنسا بل أخذت زمام المبادرة وأرسلت سفيرها في تونس كي يشتبك.

هؤلاء الفاعلين لكل منهم غاية تدخل من أجلها، ولعل الفريق الأول هو من أخذ ضربة البداية وبدأ بالهجمة الأولى، لكن الفريق الثاني اعتمد على الهجمة المرتدة، ولعل المرتدات تنهي المباريات، وهو ما يتوقعه المحللون.

مقادير الخلطة وفشل الطبخة

في مقالنا الذي تسألنا فيه “خلطة كنتاكي الإماراتية.. هل تطيح بثورة تونس؟” كشفنا عن مقادير الخلطة الإماراتية لإفشال الثورة التونسية، والغريب أن نفس الخلطة ومن دون إضافات استخدمت على يد قيس سعيد لكن السؤال يكمن في لماذا فشلت الطبخة على الأقل حتى الآن ولم تحقق أهدافها، هل لفشل الطباخ أم لعيب في المقادير؟

والحقيقة أن الطباخ فاشل، وأداؤه كان باهتا من ناحية، لكن العامل الأهم لفشل الطبخة حتى الآن هو ما راهنا عليه في مقالنا المذكور عاليه، وهو الرهان على الشعب التونسي وفطنته، وتعلمه من أخطاء الآخرين، ولعل نجاح الخلطة في مصر، دفعت أغلب الشعب التونسي ومؤسساته الوطنية في الوقوف ضد الانقلاب، فموقف الأحزاب ومجلس القضاء ومنظمات المجتمع المدني بما فيها الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يرى البعض موقفه متأرجحا، لم يبعد عن ثوابت الديمقراطية بالمطالبة بآليات سريعة لضمان عدم الانحراف عن مطالب الثورة التونسية، وهو بالطبع ما أحرج الطباخ حتى الآن، وهو أيضا، ما كشف حقيقة الانقلاب ومضمونه، فتفسير الفصل 80 على غير واقعية من مضمونه ولا العمل بمقتضى ما جاء فيه بل على العكس تم الانقلاب على نصوصه أكد أن ما حدث انقلاب، كما أن خارطة الطريق التي طالب بها الاتحاد العام التونسي للشغل لم تظهر حتى اليوم وهو ما لا يدع مجالا للشك أن الطباخ أراد الاستئثار وفقط ولا رؤية له ومن يقف وراءه لم يحسن الطهي على نار هادئة وتوقعوا فرض أمر واقع كما حدث في مصر، والفارق أن الجيش والشرطة لم يكونا على قدر “المسئولية” التي ظنوها، فخربت المقادير وفشلت الطبخة، حتى الآن.

تونس مربع في رقعة لعب الكبار   

لكن ما خرب المقادير وأفشل الطبخة، حتى الآن، أيضا هو دخول الفاعل الدولي على الخط، وهي ردود الفعل التي كان من الواجب وضعها في خطة البحث عند وضع اللمسات الأخيرة للانقلاب، وهو فيما يبدو ما لم يحدث، لقد ظن الفاعلون الحقيقيون في مشهد الانقلاب في تونس أن اتفاق براميل النفط مع فتوة المنطقة واليد الباطشة يمكن أن يمرر الأمر، وأن شراء بعض الذمم يمكن أن يرسم صورة سياسية تؤيد القرارات الانقلابية من خلال بعض الشخصيات السياسية القادمة من الماضي وغير المؤمنة بالثورة وأهدافها، كما أن وجود بعض الضباط من الصف الثاني يعني أن الدولة بمؤسساتها مع الانقلاب، لكن تناسى هؤلاء بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستبعد الولايات المتحدة الأمريكية من أي مخطط انقلابي في العالم، ونشوة الانتصار في مصر بتمكين الانقلاب أنستهم أن المحرك الحقيقي لانقلاب مصر كانت آن وودز باترسون سفير أمريكا في القاهرة، وأن لولا رضا واشنطن لما كان الانقلاب قد نجح، فلا جبهة الإنقاذ (عبير موسي – مصر) ولا الضباط الذين جلسوا أثناء تلاوة بيان الانقلاب ولا الأموال التي دفعت لشراء الذمم كانت جميعا لتحقق ما وصلوا إليه في مصر.

ولضحالة فكر من خطط استبعد الصراع الخفي بين فرنسا التي حادت عن جادة الولايات المتحدة منذ عهد ترامب ومستمرة في ذلك، وبين واشنطن، ومن ثم انساقت لطموحات ماكرون المستعد للتضحية بكل شيء من اجل أن يبقى في الإليزيه، بعد مسلسل الفشل الذي لا ينتهي منذ توليه منصب الرئيس في فرنسا، ولعل تونس هي أحد مربعات اللعب بين أمريكا الراغبة في إرث شمال إفريقيا وصولا لوسط وغرب إفريقيا وبين فرنسا التي أضاعت مستعمراتها ويحلم ماكرون بعودتها، فبعد أن خسر الجزائر والمغرب، يحلم ماكرون بأن تكون تونس منطلقه نحو إفريقيا السمراء، وهو ما سبقته إليه أمريكا بتحصين الجيش التونسي من خلال تدريبه وتمويله، لذا فإن اللعب الآن ليس بين نادي الثورات المضادة وبين شعوب الربيع العربي، وإنما وجود الفاعل الدولي له أثر في كتابة مشهد الختام في فيلم انقلاب تونس.

قمة أردوغان – سعيد في الجزائر هروب إلى الأمام

ولعل القمة الثلاثية التي ستجمع الرئيس التركي أردوغان بقيس سعيد في ضيافة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بحسب ما أوردته الرئاسة الجزائرية اليوم، سيكون مخرج للتفاهم الدولي لإيجاد مخرج للورطة التي وقع فيها سعيد من قبل أعضاء نادي الثورات المضادة، ولعله أيضا إفشال لمخططات ماكرون لاختراق تونس، فلم يكن ثناء سعيد عندما زار الإليزيه على ماكرون والدور الذي تلعبه باريس، لم يكن مفهوما في حينها، لكنه الآن يعد كاشفا لما كان يبيت في حينها، سعيد الرجل المهووس بالسلطة والانفراد بها، يبدو كسيرا بعدما وافق على هذه القمة، فالرئيس التركي أعلن موقف بلاده بعد ساعات قليلة من الانقلاب وسماه باسمه، والرئيس تبون أظهر عدم رضا لما يجري في تونس في إشارة إلى أن الجارة الكبيرة لن تكون عونا لسعيد في انقلابه، ولعل موقف ليبيا أضاع فرصة إيجاد حل للأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس، ما يعني أن البدائل المتاحة تغلق أبوابها أمام سعيد، أما رسائل الشكر والتمجيد التي أرسلها سعيد للدول الداعمة كانت فيما يبدو على بياض، إذ أن لا الإمارات ولا السعودية وعدتا بأي دعم حقيقي حتى الآن وشحنات اللقاحات لن تخرج التونسيون من البطالة التي يعيشون فيها ولن تحسن الحالة المعيشية.

في السياسة تتبدل المواقف، وعمليات الاختراق تتم عبر مواقف أكثر مرونة، وأظن هذا ما تفعله كل من تركيا والجزائر الآن من خلال القمة المرتقبة، ولعلي أعتقد أن أمريكا تقف من وراء ستار لتعيد ترتيب الأوراق في تونس، وهو ما يمكن تفسير بيان النهضة الأخير، والذي أثار جدلا واسعا حتى بين أنصاره، لا يهم من ينتصر بالضربة القاضية، لكن الأهم أن تظل الثورة تتنفس حرية، ومن ثم تحقق إنجازات على المدى المتوسط والبعيد ولن يحدث ذلك إلا بمراجعة حقيقية من الجميع، ووضع المواطن التونسي نصب أعين الجميع، أما عن سعيد، فإن الفرصة متاحة أمامه للهروب من حساب ينتظره، فالحكمة تقول أن أترك للقط مساحة للهرب حتى لا يخربشك، وهاهي قمة الجزائر قد فتحت المساحة وعلى سعيد أن يستغلها لأن الأيام الماضية كشفت عن أن أظافره أقصر من أن يخربش بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: