منوعات

الآثار المصرية أكبر مستوطنة إدارية وصناعية في عصر الإمبراطورية المصرية

الحقيقة بوست  –

عثرت البعثة المصرية للتنقيب عن الآثار، على أول وأكبر مدينة سكنية تعود لعصر القدماء المصرية تعكس الحياة اليومية لهم، وذلك في محافظة الأقصر بمدينة هابو (منطقه اثرية تقع جنوب جبانة طيبة، على الضفة الغربية لنهر النيل).

وفي التفاصيل، أكدت البعثة المصرية أن “المدينة الذهبية المفقودة تحت الرمال” والتي عُثر عليها، تعود لنحو 3 آلاف عامًا مضت، وتتألف من بيوت من الطوب اللبن تراصت إلى جوار بعضها البعض يصل ارتفاع مجموعة منها لـ  3 أمتار، إضافة إلى شوارع وأزقة ومحال وأسواق وغرف مليئة بأدوات الحياة اليومية.

وحسب المصادر ومنها موقع “مصر العربية”، فإن رجال الآثار وأثناء وجودهم في قلب “مدينة الموتى” -كما يطلق عليها البعض منهم-؛ بالبر الغربي في محافظة الأقصر بمدينة هابو، بحثًا عن المعبد الجنائزي الخاص بالملك توت عنخ آمون، أن يكون في انتظارهم مفاجأة أخرى لم تكن على البال، فتلك المرة لم يعثروا على توابيت أو جثامين لموتى وإنما اكتشفوا أن المكان يضم أول وأكبر مدينة سكنية تعود لعصر القدماء المصرية تعكس الحياة اليومية لهم.

وكانت المدينة المفقودة مختبئة تحت الرمال، وتحمل اسم “صعود آتون”، ويعود تاريخها إلى عهد الملك امنحتب الثالث، واستمر استخدام المدينة من قبل الملك توت عنخ آمون، اي منذ 3 آلاف سنة، بحسب البعثة المصرية برئاسة الدكتور زاهي حواس وزير الآثار الأسبق، والمشتركة بين مركز الدكتور زاهي حواس للمصريات التابع لمكتبة الإسكندرية والمجلس الأعلى للآثار..

بدأت أعمال التنقيب في سبتمبر 2020، وفي غضون أسابيع، بدأت تشكيلات من الطوب اللبن بالظهور في جميع الاتجاهات، وكانت دهشة البعثة الكبيرة، حينما اكتشفت أن الموقع هو مدينة كبيرة في حالة جيدة من الحفظ، بجدران شبه مكتملة، وغرف مليئة بأدوات الحياة اليومية، وقد بقيت الطبقات الأثرية على حالها منذ آلاف السنين، وتركها السكان القدماء كما لو كانت بالأمس.

ومن أغرب ما عثُر عليه في تلك المدينة: إناء يحتوي على جالونين من اللحم المجفف أو المسلوق يزن (حوالي 10 كغ) ويحمل نقوش قيمة تحمل كتابات منها: “السنة 37، لحوم مسلوقة لعيد حب سد الثالث من جزارة حظيرة (خع) التي صنعها الجزار إيوي”.

وهذه المعلومات -بحسب وزارة الآثار- لا تعطينا فقط اسمي شخصين كانا يعيشان ويعملان في المدينة، بل يؤكدان أنه كانت هناك انشطة وتحدد زمن مشاركة الملك أمنحتب الثالث مع ابنه أخناتون.

وتعتبر هذه المدينة بأنها أكبر مدينة على الإطلاق في مصر، أسسها  الملك “أمنحتب الثالث” الملك التاسع من الأسرة الثامنة عشر، الذي حكم مصر من عام 1391 حتى 1353 ق.م، وقد شاركه ابنه ووريث العرش المستقبلي أمنحتب الرابع ” أخناتون” آخر ثمان سنوات من عهده، وفقًا لحواس.

ففي الجزء الجنوبي من تلك المدينة عُثر على مخبز ومنطقة الطهي وأماكن إعداد الطعام كاملة مع الأفران وأواني التخزين الفخارية، وكانت هذه المنطقة تخدم عددًا كبيرًا من العمال والموظفين، وفي مكان آخر بالمدينة ذاته؛ ظهرت منطقة ثانية مسيجة بجدار متعرج مع نقطة دخول واحدة فقط تؤدي إلى ممرات داخلية ومناطق سكنية، حيث بدت كمدخل أمني لـ “كومباوند سكني”، من أجل التحكم في الدخول والخروج إلى المناطق المغلقة.

وتعد هذه المنطقة، الثانية التي تم الكشف عنها جزئيًا، وتمثل الحي الإداري والسكني، حيث تضم وحدات أكبر ذات تنظيم جيد، وتعتبر الجدران المتعرجة من العناصر المعمارية النادرة في العمارة المصرية القديمة، وقد استخدمت بشكل أساسي في نهاية الأسرة الثامنة عشر.

أما المنطقة الثالثة بتلك المدينة فهي ورشة العمل، حيث تضم بإحدى جهاتها منطقة إنتاج الطوب اللبن المستخدم لبناء المعابد والملحقات، ويحتوي الطوب على أختام تحمل خرطوش الملك أمنحتب الثالث (نب ماعت رع)، وتم اكتشاف عدد كبير من قوالب الصب الخاصة بإنتاج التمائم والعناصر الزخرفية الدقيقة، وهذا دليل آخر على النشاط الواسع في المدينة لإنتاج زخارف كل من المعابد والمقابر، وفقًا للآثار.

وعثرت البعثة في جميع أنحاء مناطق الحفائر على العديد من الأدوات المستخدمة في النشاط الصناعي مثل أعمال الغزل والنسيج، كما تم اكتشاف ركام المعادن والزجاج، لكن المنطقة الرئيسية لمثل هذا النشاط لم يتم اكتشافها بعد.

ومن بين الأشياء الغريبة ايضًا؛ عُثر على دفنتين غير مألوفتين لبقرة أو ثور داخل إحدى الغرف، ومازال البحث جار لتحديد طبيعة والغرض من هذه الدفنات، كما تم العثور على دفنة لشخص ما بذراعيه ممدودتين إلى جانبه، وبقايا حبل ملفوف حول ركبتيه، ويعد موقع ووضع هذا الهيكل العظمي غريب نوعًا ما، وهناك المزيد من البحث حول هذا الأمر.

كما عثرت البعثة ايضًا على نص منقوش على طبعة ختم مكتوب عليه: “جم با أتون” أي مقاطعة أتون الساطع، وهذا اسم معبد قد بناه الملك أخناتون بالكرنك، واكتشفت مقبرة كبيرة لم يتم تحديد مداها بعد، ومجموعة من المقابر المنحوتة في الصخور بأحجام مختلفة والتي يمكن الوصول إليها من خلال سلالم منحوتة في الصخر، وهناك سمة مشتركة لبناء المقابر في وادي الملوك ووادي النبلاء، ومازال العمل جار وتتوقع البعثة الكشف عن مقابر لم تمسها يد مليئة بالكنوز.

وتقع منطقة الحفائر هذه بين معبد رمسيس الثالث في مدينة هابو ومعبد أمنحتب الثالث في ممنون، وقد بدأت البعثة المصرية العمل في هذه المنطقة بحثا عن معبد توت عنخ آمون الجنائزي، وكان الملك آي، خليفة توت عنخ آمون هو من قام ببناء معبده على موقع تم تجاوره لاحقًا على جانبه الجنوبي بمعبد رمسيس الثالث في مدينة هابو.

وكان الهدف الأول للبعثة هو تحديد تاريخ هذه المدينة، حيث تم العثور على نقوش هيروغليفية على أغطية خزفية لأواني النبيذ، وتشير المراجع التاريخية أن المدينة كانت تتألف من ثلاثة قصور ملكية للملك أمنحتب الثالث، بالإضافة إلى المركز الإداري والصناعي للإمبراطورية.

وقد أكد عدد كبير من الاكتشافات الأثرية على تاريخ المدينة، مثل الخواتم والجعارين والأواني الفخارية الملونة والطوب اللبن الذي يحمل أختام خرطوش الملك أمنحتب الثالث، وبعد سبعة أشهر فقط من التنقيب، تم الكشف عن عدة مناطق أو أحياء بتلك المدينة.

تلك المدينة المفقودة يتوقع حواس، أنها ستكشف النقاب عن معلومات من شأنها تغير التاريخ، حيث ستعطي نظرة فريدة عن عائلة توت عنخ آمون، وايضًا  فهمًا أعمق للحياة اليومية للمصريين القدماء من حيث أسلوب بناء وديكورات المنازل والأدوات التي استخدموها وكيفية تنظيم العمل، وقد تم الكشف عن ثلث المنطقة فقط حتى الآن، ومن المنتظر أن تواصل البعثة أعمال التنقيب، بما في ذلك المنطقة التي تم تحديدها على أنها الموقع المحتمل لمعبد توت عنخ آمون الجنائزي.

يقول الدكتور زاهي حواس إن “العمل بدأ في هذه المنطقة للبحث عن المعبد الجنائزي الخاص بالملك توت عنخ آمون، لأنه تم العثور على معبدي كل من (حورمحب) و(آي) من قبل”.

وتابع أن “هذه المدينة هي أكبر مستوطنة إدارية وصناعية في عصر الإمبراطورية المصرية على الضفة الغربية للأقصر، حيث عُثر بالمدينة على منازل يصل ارتفاع بعض جدرانها إلى نحو 3 أمتار، ومقسمة إلى شوارع”، مضيفًا “لقد كشفنا عن جزء من المدينة يمتد غربا، بينما يعد دير المدينة جزء من مدينتنا”.

واختتم “لدينا الكثير من المعلومات حول المقابر والمعابد ولكن هذه هي المرة الأولى التي تكشف أسرارًا عن حياة ملوك العصر الذهبي لمصر”.

أما الدكتورة بيتسي بريان، أستاذة علم المصريات بجامعة جون هوبكنز، فقالت إن اكتشاف هذه المدينة المفقودة هو ثاني اكتشاف أثري مهم بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.

وترى وزارة الآثار أن اكتشاف هذه المدينة، لم يمنحنا فقط لمحة نادرة عن حياة قدماء المصريين في عصر الامبراطورية، ولكنه أيضًا سيساعدنا في إلقاء الضوء على أحد أعظم الألغاز في التاريخ ولماذا قرر إخناتون ونفرتيتي الانتقال إلى العمارنة؟!

وقال الدكتور ماجد شاكر، كبير الآثريين بوزارة الآثار، إن “ترجع أهمية اكتشاف تلك المدينة نظرًا لأن كل ما كان يتم العثورعليه ذا طابع جنائزي بمعنى يقتصر على المقابر والمعابد والأهرامات، ولم يسبق لنا أن عثرنا من قبل على أشياء تخص الحياة البشرية للقدماء المصريين”.

وتابع قائلا إن “الأمر الثاني هو أن البر الغربي الذي تم اكتشاف تلك المدينة السكنية به كان يسمى بمدينة الموتى، ولكن الجديد هو العثور على تلك المدينة الأشبه بكومباند سكني حيث يحيطها سور يضم أحياء،  مقسمة وفقًا للطبقات الاجتماعية، فهو يعد أكبر مجمع سكني كامل بمصر القديمة، فما اريد قوله هو أن منحنا تلك المنطقة لقب مدينة الموتي ليس صحيحًا”.

وأضاف “كان اغرب شئ هو عثورنا على 10 كيلو لحمة مجففة ومدون عليها اسم الجزار، وهو ما يعني أن في مصر القديمة كان يوجد محال وجزار وطعام يباع في الأسواق، ووجدنا مكان للعبادة حيث تم دفن بقرة وإنسان، فيوجد مناطق دينية وعسكرية وسكنية وأخرى لصناعة الفخار، فنحن لدينا مدينة متكاملة بكل ما تعنيه كلمة المدينة، فهي تمتد لنحو 20 كم، وتلك المساحة تمثل ثلث ما تم  اكتشافه فقط منها”.

وزاد قائلا “كما عثرنا على بعض من الأثاث الذي كانوا يستخدمونه، فضلًا عن شوارع منظمة، ومناطق صناعية وأخرى للصرف الصحي، وتحوي المدينة 3 قصور”.

واختتم “سنعيد إعادة ترميم وبناء  تلك المدينة نظرًا لأننا عثرنا على بقاياها فجميعها بنيت من الطوب اللبن، و حتى تكون فيما بعد بمثابة مزارًا سياحيًا، ويستطيع الزائر تخيل شكل الحياة قبل 3 آلاف عام بمجرد التجول فيها”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: