اخبارعربي

خبراء تونسيون يناقشون قرار “النهضة” وقف التصعيد ضد قيس سعيد

أحمد خالد –

مساء 26 يوليو/تموز الجاري، وَجَّه راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة التونسية ورئيس البرلمان، دعوة إلى أنصاره لمغادرة موقع اعتصامهم أمام البرلمان، حيث كانوا يحتجون على “تدابير استثنائية” اتخذها الرئيس قيس سعيّد، في اليوم التالي.

وبدا خيار “النهضة” (53 نائباً من 217) مختلفاً عن خيارات حركة الإخوان المسلمين في مصر، عقب الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013 على الرئيس الشرعي محمد مرسي، بعد عام واحد له في الرئاسة.

كما بدا مختلفاً عن خيار الشعب التركي، الذي تصدى لمحاولة انقلابية فاشلة، في 15 يوليو/تموز 2016، عبر إلقاء أنفسهم أمام الدبابات والاعتصام في الشوارع، ما حمى الديمقراطية التركية من الانهيار.

وإثر اجتماع طارئ مع قيادات عسكرية وأمنية في 25 يوليو الجاري، أعلن سعيّد قرارات انقلابية على السلطات الشرعية تشمل إقالة رئيس الحكومة، هشام المشيشي، على أن يتولى هو بنفسه السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة يعين رئيسها، وتجميد اختصاصات البرلمان لمدة 30 يوماً، ورفع الحصانة عن النواب، وترؤسه النيابة العامة.

ورفضت غالبية الأحزاب هذه التدابير، واعتبروها انقلاباً على الدستور، وبحسب خبراء، توجد دوافع عديدة وراء خيار حركة “النهضة” بالتهدئة حتى الآن، في مواجهة التدابير التي يشدد سعيّد على أنها ليست انقلاباً، وأنه اتخذها بهدف”إنقاذ الدولة” على حد وصفه، في ظل أزمات سياسية واقتصادية وصحية تضرب البلاد وهي جائحة كورونا.

تجنب الاحتكام للشارع

وقال أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية، مهدي مبروك، إن سلوك “النهضة” بالتهدئة “ناجم عن قراءة سريعة للأحداث وتطوراتها وانعكاساتها”.

وأضاف أن “تجنب التصعيد والاحتكام إلى الشارع يتم، لأن التصعيد سيخرج بالخلاف السياسي إلى مآلات منها توريط الجيش بالتدخل لوقف التحركات”.

وتابع: “الاحتكام إلى الشارع قد يولّد قوة اجتماعية جديدة مؤيدة للرئيس، أي إلى شرخ مجتمعي قد يؤدي إلى العنف ورأينا بدايات ذلك أمام البرلمان، رغم أن الأمن كان محايداً، رغم دعوات كثيرة من داخل خصوم النهضة من دوائر محيطة برئيس الجمهورية على أساس المحاسبة الآن، وهنا وخارج مجال دولة القانون”.

 

ووفق مبروك، فإن “النهضة بهذا القرار الحكيم استطاعت أن تسحب البساط من كل دعاوى الضغائن، وأعادت الخلاف إلى المربع السياسي عوض مربع الشارع، وهي بذلك تسحب أي ذريعة للرئيس للذهاب إلى أقصى السيناريوهات الممكنة التي تنسف ليس الدستور فقط، بل تجربة الانتقال الديمقراطي على تعثرها”.

ويُنظر إلى تونس على أنها الدولة العربية الوحيدة التي نجحت في إجراء عملية انتقال ديمقراطي من بين دول عربية أخرى شهدت أيضاً ثورات شعبية أطاحت بالأنظمة الحاكمة فيها، ومنها مصر وليبيا واليمن.

جبهة الرافضين

والأمر الثاني الذي يدفع “النهضة” إلى هذه الاختيارات، بحسب مبروك، هو أن “هذا يجعل الذين يختلفون مع قرارات سعيّد في صف واحد، هو صف الدفاع عن الدستور والانتقال الديمقراطي إذا لم تتصدر النهضة ذلك”.

وأردف: “رأينا موقف سناء بن عاشور (أستاذة قانون دستوري بالجامعة) ولفيف مهم من أساتذة القانون الدستوري، الذين اعتبروا ما قام به سعيّد خرقاً للدستور أو محاولة للسيطرة على السلطة، وقد استولى الرئيس على السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بجعل الأوامر الترتيبية من مهامه، عوض أنها من مهام رئيس الحكومة”.

وأكد أن “هذا الأمر لا يجعل النهضة وكأنها هي الناطق الرسمي الوحيد باسم المحافظة على الشرعية، بل هي معركة اجتماعية تخوضها كل النخب”.

قيس

ورأى أنه “كلما انسحبت النهضة من قيادة هذه الجبهة (المناهضة لقرارات سعيّد) تعزز مخيم المدافعين عن الدستور والرافضين لإجراءات سعيّد الاستثنائية”.

واستطرد: “لذلك رأينا موقف حزب العمال (أقصى اليسار) وأطراف عديدة بقطع النظر عن اختلافهم الجذري مع النهضة، فهم يريدون إعادة ترتيب الأمور للدفاع عن الجمهورية الديمقراطية خارج النزعات الشعبوية والنزعات الاستبدادية والدفاع عن مدنية الدولة، وهذا لا يكون بتصدر النهضة، بل بالظهور أنها فاعل من الفاعلين فقط”.

ورأى مبروك أن “تصدر النهضة واستحواذها الرمزي على هذه الجبهة سيفرغ الجبهة تماماً، وهذه الجبهة ستتوسع كلما ذهب الرئيس في إجراءات استثنائية جديدة”.

معركة دستورية

في الاتجاه ذاته، ذهب بولبابة سالم، محلل سياسي، بقوله للأناضول، إن “الرغبة موجودة (لدى النهضة) في تشريك الجميع في الدفاع عن الديمقراطية”.

وأضاف: “مؤكد أن هناك أحزاباً يسارية، مثل حزب العمال والتكتل والجمهوري وائتلاف الكرامة، ومنظمات وطنية، ترفض العودة إلى مربع الاستبداد، ويريدون التمسك بالدستور والشرعية”.

ورأى أن “النهضة لا تريد أن تظهر أن المعركة بين الغنوشي وسعيّد أو النهضة وسعيّد. تريد أن تكون المعركة دستورية يشارك فيها كل من يدافع عن الدستور”.

مآزق الرئيس مع حلفائه

واعتبر سالم أن “الرئيس يواجه مآزق عديدة دستورية وقانونية واقتصادية اجتماعية حتى مع حلفائه”.

وتساءل: “كيف يمكن لحكومة الرئيس أن تذهب للتفاوض مع صندوق النقد الدولي وهي مجبرة على اتخاذ قرارات يبدو أنها إجراءات ستعيد الخلاف الحاد بين الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر نقابة عمالية) والرئاسة”.

ورأى سالم أنه “تمّ كبح جماح أي مسعى تسلطي بضغط خارجي قوي وبضغط داخلي أيضاً”.

وأوضح أنه “لم يكن هناك ترحيب من شخصيات وطنية معروفة بدفاعها ضد الاستبداد منذ عهد (الرئيسين الحبيب) بورقيبة (1957-1987) و(زين العابدين) بن علي (1987-2011)، ولا يمكن أن نقول إن هؤلاء يدافعون عن النهضة، بل هم يدافعون عن الديمقراطية”.

قيس

وتابع: “كذلك هناك ضغط خارجي، وخاصة بيان الاتحاد الأوروبي، وبالخصوص الولايات المتحدة الحريصة على دعم المسار الديمقراطي في تونس”.

وزاد بأنه “لأول مرّة أمريكا تصدر بلاغين (بيانين) حول بلد صغير مثل تونس، ووزير خارجيتها يهاتف الرئيس (سعيّد)، وهذا لا يتم مع الدول الصغرى”.

ورأى أن “هناك حرصاً من القوى الخارجية المؤثرة، لذلك الأمور تتجه نحو الانفراج على عكس ما نراه في وسائل التواصل الاجتماعي”.

مزاج الشارع ضد “النهضة”

ووفق سالم، فإن “ميل النهضة إلى التهدئة إلى حد الآن لا يُفسر فقط بالرغبة في تجنب التصعيد وتشريك كل القوى في الدفاع عن الدستور ومسار الانتقال الديمقراطي المهدد بالقرارات الرئاسية الأخيرة”.

واستطرد: “النهضة تعرف أن قسماً كبيراً من الشارع ليس معها والدفع بأنصارها إلى الشارع لن يجد أي استجابة، خاصة أمام تنامي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والأزمة الصحية”.

وأردف: “هناك أصوات داخل النهضة تعرف أن مزاج الشارع التونسي ليس معها”.

وزاد بأن “المزاج الشعبي ليس في صالحها، والقرارات الأخيرة للحكومة (في المجال الصحي) جعلت النهضة تتحمل أوزار الحكم وهي لا تحكم، لكن عليها تحمل المسؤولية في النهاية، بالإضافة إلى البروباغندا (الدعاية) الإعلامية التي تعمل ضدها”.

واتفق سالم ومبروك في اعتقادهما بأن الشارع فقد الثقة في “النهضة” بعد سنوات المشاركة في الحكم والضعف الداخلي.

“نمر من ورق”

اعتبر مبروك أن “النهضة نمر من ورق وفزاعة عاش على وقعها الرأي العام بينما ليس لها فكر استراتيجي قادر على التوقع والتقاط الذبذبات في الأيام الأخيرة حول أزمة صحة المواطن وتنامي حركات احتجاجية في الأحياء الشعبية والمجال الريفي”.

والعامل الثاني في ضعف “النهضة”، وفق مبروك، هو غياب الفطنة السياسية حيث تمثل في “إثارة قضية جبر الضرر (لمتضرري انتهاكات نظام زين العابدين بن علي ومنهم نهضويون)، على نبلها، في ظرف الوباء (كورونا)، مما جعل الرأي العام الشعبي يرى أن النهضة أنانية وتفكر فقط في مصلحتها”.

وتابع: “وهذا أدى إلى ردة فعل شعبية من السابق لأوانه معرفة من حشدها ومن يقف وراءها وكيف تتم تغذيتها”.

الغنوشي وانصاره

وفي أكثر من مناسبة اتهمت شخصيات تونسية أطرافاَ داخلية ودولاً عربية (لم تسمها)، لا سيما خليجية، بقيادة “ثورة مضادة” لإجهاض عملية الانتقال الديمقراطي في تونس، خوفاً على مصير الأنظمة الحاكمة في تلك الدول.

ورأى مبروك أن “النهضة لن تستطيع الدفاع عن فكرة أن هذا انقلاب، وهي تعرف أن عليها نوعاً من عدم القبول الشعبي، ولذلك ربما حتى قواعدها شُلت على المستوى النفسي والعصبي، ولم تستطع رد الفعل”.

واستطرد: “يبدو أن عدم حضور النهضويين إلى مقر الحزب وإلى البرلمان، رغم دعوات الرئيس (الغنوشي) هو مقياس لغضب داخلي في النهضة.. هناك من يقول إن النهضويين حمّلوا الرئيس خياراته في التحالف مع نبيل القروي (رئيس حزب قلب تونس- 29 نائباً)”.

وخلص إلى أنه “ربما هذا ما دفع النهضة إلى إعادة قراءة موازين القوى في الشارع، وبالتالي ركنت إلى الحلول السلمية السياسية (…) ومراجعة القرارات الاستثنائية واعتبارها انقلاباً، ولكن سيُواجه داخل الدستور”.

اتجاه نحو التهدئة

توقع سالم الاتجاه نحو الانفراج بالقول: “ليس وارداً الدخول في مناكفات سياسية، فالنهضة تتجنب المواجهة حتى تظهر أنها حزب يريد حل المشاكل بطريقة سلمية مدنية”.

وأضاف: “نبرة خطاب الرئيس (سعيّد) الحالية تراجعت عن 25 يوليو، ويبدو أنه تراجع في مسألة النيابة العمومية التي أعلن أنه سيكون رئيسها وهي ستعود إلى القضاء، خاصة بعد بيان المجلس الأعلى للقضاء (مستقل) المشدّد على استقلالية القضاء”.

وتابع أن “الرئيس صرح بأنه ليس انقلابياً، بل هو مع الحرية وليس مستبداً”.

التهدئة ليست نهائية

وبشأن التهدئة الراهنة من جانب “النهضة”، قال رياض الشعيبي، المستشار السياسي للغنوشي، إن “هذا ليس أمراً نهائياً.. إذا تطور الوضع يمكن أن تدعو النهضة إلى مسيرات كبرى”.

وأضاف الشعيبي للأناضول أن “النهضة التجأت إلى أسلوبها التقليدي في التعامل مع الأزمات السياسية لدعوة كل الفرقاء للجلوس على طاولة واحدة للحوار”.

وتابع: “اعتبرنا أن الأزمة يمكن حلّها بالحوار، لأن إجراءات الرئيس أحدثت كسراً اجتماعياً حاداً، والنهضة لا تغرب في المغامرة بالسلم الأهلي ووحدة المجتمع”.

وأردف: “ليس هناك استثناء مطلق للنزول إلى الشارع، الذي له مناسباته وليس رد فعل آلي”.

وأوضح: “في البداية نزلنا إلى الشارع للاحتجاج على إجراءات اخترق بها الرئيس الدستور، ولكن أمام التراجعات المتتالية للرئيس تفاعلت النهضة بإيجابية، ومازالت تنتظر وتراقب تطور الأوضاع لتشكيل موقفها النهائي من الأوضاع”.

 

(عربي بوست)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: