مقالات

السفير عبدالله الأشعل يكتب: مشروع سد الثغرات المعرفية عند المصريين والعرب

علاقة الحاكم بالمحكوم فى مصر علاقة غير سوية منذ العصر الفرعونى، نتج عنها أن كرسى الحاكم بلغ حد التقديس والحاكم الإله، أما المحكوم فهو يعبد الحاكم بلا تحتفظ. فنتج عن ذلك دكتاتورية الحاكم وعبودية المحكوم. حتى انتهى العصر الفرعونى بالاحتلال الأجنبى الذى استمر منذ 320 قبل الميلاد حين وفد الاسكندر الأكبر مرورا بعام 31 ق.م حين جاء الرومان وطردوا الإغريق (الأسكندر وخلفائه) وسادوا العالم ومكثوا فى مصر ستة قرون حتى طردهم العرب المسلمون، فاندمج المصريون مع الفاتح الجديد لغة ودينا وصارت مصر عربية إسلامية منذ عام 639 فى خلافة عمر أبن الخطاب. وخضعت مصر بعد ذلك للأتراك والمماليك وانتهى الحكم الأجنبى عام 1952 بانتهاء حكم الأتراك ممثلا فى آخر احفاد محمد على باشا وهو الملك فاروق.

خلال الحكم الأجنبى ظل الغازى الأجنبى يقهر الغازى القديم ويحل محله على عرش مصر، فاتخذ المصريون جانبا لأنه صراع الغزاه فلا فرق عندهم فى الخضوع لأى منهم وكانت النتيجة أنه لم يدافع المصريون مع أى غاز ولم يتشكل جيش لهم. وقد انتشر فى التراث المصرى الكثير من الأمثال الشعبية التى تكرس هذه الثقافة (اللى يجوز أمى أقله يا عمى) كما تكرست قيم النفاق والانتهازية والوصولية والتضامن بين أبناء الحارة الواحدة بل وسكان البيت الواحد، فغاب الولاء للوطن لأكثر من ألفى عام. وبصرف النظر عن ملابسات وصول الحاكم الوطنى إلى السلطة وبصرف النظر عن تقييمنا السلبى للتجربة، إلا أن الاحتكاك بين الحاكم والمحكوم بدأ منذ عام 1952، فقد أراد عبدالناصر أن يوحد المصريين على شعاراته واعتبر المعترض عدوا للوطن، وساعده على ذلك ظلال الفرعونية فى الحاكم والعبودية فى المحكوم حتى وصلنا إلى ثورة يناير التى فشلت فى تحقيق شعاراتها المشروعة لأسباب لا مجال لسردها لأنها خلافية. المهم أن إحباط المحكوم واستبداد الحاكم لا يمكن أن تزول بالثورات والانفجارات الشعبية العنيفة لأن الحاكم تمسك بالسلطة وأغلق أبواب تداول السلطة والتغيير السلمى. فازداد المحكوم سخطا وبؤسا. والنتيجة أن الحاكم والمحكوم كليهما مشكلة، ولذلك هجرنا الصيغة القديمة التى تقول إذا صلح الحاكم صلحت الرعية. وصار ممكنا أن نعود إلى الصيغة المقابلة وهى أن الشعب وعاء إذا فسد الوعاء تسلط عليه أسوأ ما فيه وإذا صلح الوعاء أنتج أفضل من فيه حاكما وإذا كان الوعاء صالحا وفسد الحاكم بأن حاول أن يتمسك بالسلطة ويخرج على القواعد فإن هذا الوعاء يرده إلى الصواب ردا جميلا، والحاكم فى هذه الحالة لا يستطيع أن يحكم بالقوة شعبا يكرهه ويعرف مدى تمسكه بالسلطة وبالقوة وإخضاعه فيتعاون الحاكم المسؤول والمحكوم المستنير على تقدم الوطن واستقلاله وازدهاره.

وهنا يظهر أصل المشكلة وهى إصلاح الوعاء بالثقافة فيتحقق الإصلاح السياسى المنشود ويتفق الحاكم والمحكوم على الصيغة المناسبة دون إكراه الحاكم أو للمحكوم فى ظل دولة القانون الذى يسمو على كل الرؤوس دون استثناء.

وهذه المهمة الثقافية يعجز فرد عن القيام بها، كما تعجز أجهزة الدولة المترهلة عن إنجازها خاصة إذا كانت الثقافة ليست قيمة عليا فى المجتمع الذى يتجه إلى المادية. ويتصور أن الأجهزة الثقافية الأهلية الموازية لأجهزة الدولة سوف تدخل فى حرب شديدة معها وتحاول الأجهزة الرسمية احتواءها وتطويعها وصرفها عن مهمتها. والأصح أن يتعاون المنتدى المصرى للتنمية الثقافية مع أجهزة الدولة خاصة وزارة الثقافة والإعلام والجامعات فى مهمة قومية مقدسة وهى سد الثغرات المعرفية عند المصريين وهى مهمة حضارية غير سياسية لا علاقة لها بالسلطة وإنما بإعادة بناء الإنسان واستعادة عقله وإنسانيته وبالتالى استعادة الشعور بالإنتماء إلى وطن لا تقف عقبات بين الوطن والمواطن ويتفاضل أمامه الناس لا بالأغانى والشعارات ولكن بالفهم والعمل الخلاق. ولذلك فإن هذه المهمة بعيدة المدى ولا يتوقع أن نجى ثمارها فى جيل واحد وإنما هى مهمة مستمرة لاترتبط بشخص معين ولا علاقة لها بالسلطة لأن السلطة هى المحظور الوحيد فى الدول العربية والصراع عليها يدمر المجتمع ويضر بالوطن. فأولى ثمار هذه الاستراتيجية هى أن يتوقف المحكوم عن افتراض الخطأ فى الحاكم ويساعده على إنجاز مهمته وبالتالى يطالبه بالشفافية فى تحديد هذه المهمة التى يريد حشد المحكومين لاعانته على إنجازها.

وبالطبع فإن المنتدى يلزمه مجلس أمناء من شخصيات تحظى بالمصداقية والخبرة والاحترام، ثم يقرر مجلس الأمناء أدوات تنفيذ مهمة المنتدى وفى هذا الصدد قد يفكر المجلس فى إنشاء معهد للتنمية المجتمعية والمهنية ويحقق أهدافه من خلال التدريب والتأهيل والبحوث والدراسات والتعاون مع مراكز البحوث والتدريب والصالونات الثقافية ثم تكوين كتيبة من المتطوعين على امتداد مصر كلها كل يساهم بمحاضرة واحدة عن المبادئ والمعلومات الأساسية فى تخصصه ثم تسجل وتذاع على مواقع المنتدى وفى أجهزة الإعلام الرسمية. والثغرات المعرفية كثيرة يصعب حصرها، فهناك ثغرات معرفية فى المجال الطبى والصحي والمسرح والفن ومختلف العلوم، وكنت قد اقترحت على وزير الثقافة عام 2009 وأعدت طرحه العام التالى أمام المرحوم الدكتور سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب بمناسبة مرور عشرة أعوام على برنامج القراءة للجميع فى جامعة المنيا وانتهزت فرصة تكريمى بهذه المناسبة وشرحت الاقتراح وهو الثقافة القانونية للمجتمع المصري ولكن لم أجد له حماسا ولكن الحماس له لم يفارقنى وبعد أن كان المقترح هو الثقافة القانونية للمجتمع المصرى أى الحد الأدنى من الثقافة القانونية تمهيدا لتطبيق التجربة على كافة لجان المجلس ثم كتبت الاقتراح الخاص بسد الثغرات المعرفية عند المصريين والعرب وخاطبت فى محاضرة عامة كوادر حزب الأحرار عام 2017 وطالبت النخب الثقافية بالتضافر لتنفيذ المشروع فى قصور الثقافة. ولكنى عاودت الاهتمام بالمشروع وقررت أن أسجل المنتدى المصرى للتنمية المجتمعية بوزارة التضامن بحيث تقوم بالمشروع مؤسسة لا تنتمى إلى فرد وتتعاون مع أجهزة الدولة فى تكريس مفاهيم المشروع ولن أتوانى فى رعاية المشروع وحشد الشباب له لأنه يخدم نظام الحكم الرشيد الذى يتفق فيه الحاكم المسؤول مع المحكوم المستنير على إقامته ورعايته لخدمة مصر العزيزة دون تشنجات أو صراعات.

ولا شك أن التعليم يساعد على الوعى ولكنه ليس بديلا عن المشروع. صحيح أن جيلى حصل معارفه جميعا على هامش التعليم، لكن كانت القراءة العامة أجدى فى الوعى من المقررات الدراسية وإن كنا قد أجدنا فى الطريقين معا يوم كانت الثقافة قيمة عليا والمثقفون يشار إليهم بالبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: