مقالات

د. حازم حسني يكتب: الجيش لا يرحل أبداً برحيل الرئيس

أحاول جاهداً ألا أبدد وقتى وطاقتى فى التعليق على ما هو عابر من الأحداث التى تمر ببلادنا، رغم كونها أحداثاً تغرى أى مهتم بالشأن العام بالتعليق عليها … لكننى لا أملك القدرة على الصمت حين يتعلق الأمر بوجودية الدولة المصرية، أو حين يتعلق قبل وجودية الدولة بوجودية مصر الوطن والأمة والحضارة والتاريخ؛ فوجود مصر بكل مفردات وجودها هو “خط أحمر” لا يجوز أن نسمح لأحد – كائناً من كان – بالاستخفاف به، ولا أن نسمح لأنفسنا بتجاهله والتغاضى عنه.
فقد شهدت مصر يوم الخميس الماضى احتفالية لا أجد لها مناسبة سوى إشاعة حالة من الانتصار الوهمى على التحديات الوجودية التى تواجه مصر، وبث أجواء الطمأنينة الوهمية على مستقبل لا تدعو مقدماته لأى اطمئنان … هى احتفالية تستدعى إلى الذاكرة المعرفية ما كتبه “ڇان ڇاك روسو” عن الأضواء التى تلهينا عن أعراض النهاية، وما كتبه من قبله عبد الرحمن ابن خلدون عن “إيماضة الخمود” عندما عرض لنظريته عن “الذبال المشتعل”!!
لن أعلق على كل عناصر هذا المشهد الاحتفالى بإيجابياته الدعائية وسلبياته الوجودية، وإنما سأقصر حديثى هنا على تناول بعض ما جاء فى كلمتىّ الرئيس المكتوبة والمرتجلة، مما أراه ذا صلة بمستقبل مصر، بل بوجودها الذى صار هو “الخط الأحمر” الحقيقى الذى يتقدم على كل ما عداه من الخطوط الحمراء! … ولا أعرف إن كان رجال الرئيس سيقرأون هذه الكلمات باعتبارها مظهراً من مظاهر ما وصفه الرئيس فى خطابه المكتوب بجهد العلماء التنويرى، أم باعتبارها مجرد “هرى” كما جاء فى كلمته المرتجلة تعليقاً على ما ينتاب المصريين من قلق على المستقبل يراه الرئيس قلقاً لا يليق بمصر ولا يليق بالمصريين!!!
هذه المعانى الوجودية التى صارت ضاغطة على العقل وعلى الضمير، فأثارت مشاعر القلق لدى أكثر المصريين، إنما أتناولها هنا فى نقاط محددة أرجو أن تكون واضحة المعالم لمن يريد أن يرى الواقع بعقله لا بمشاعره، وبعيداً عن أى اعتبارات أخرى غير اعتبار الحرص على وجودية الدولة المصرية، ومن قبل وجودية الدولة – كما أسلفت – وجودية مصر نفسها : مصر الوطن والأمة والحضارة والتاريخ.
أولاً : أتفق مع السيد الرئيس بطبيعة الحال فيما ذهب إليه من أن الأمن القومى المصرى – ومن أهم عناصره “أمن مصر المائى” – هو “خط أحمر”، وهو ليس موقفاً مجاملاً للسيد الرئيس، ولا هو موقف تأييد له ولسياساته، بل هو موقف مبدئى وبديهى؛ فمن الطبيعى أن يصطف كل المصريين أياًً كانت انتماءاتهم السياسية دفاعاً عن هذا “الخط الأحمر”؛ فليس فى حديث الرئيس عن هذا “الخط الأحمر” أى جديد نندهش له، أو أى إعجاز أو إنجاز نحتفى به أو أن نهلل له؛ فكل الدول – قديمها وحديثها – ترى أن أمنها القومى هو “خط أحمر”، ولم نسمع فى أى يوم من الأيام أن دولة ما قد رأت أن أمنها القومى هو خط أصفر أو خط أخضر! … الفرق الوحيد بين دولة وأخرى هو فى تعريفها لعناصر وحدود أمنها القومى، وما تستعد به كل دولة للدفاع عن هذه الحدود التى تعتبرها خطوطاً حمراء!
ثانياً : قد أختلف مع السيد الرئيس فيما ذهب إليه بقوله للمصريين “انتم مش ائتمنتونى عليها؟!”؛ فمثل هذا الحديث عن أن الشعب المصرى قد ائتمنه على إدارة شؤون البلاد قد صدر عن الرئيس ولغة جسده تقول إنه لا داعى لأن ينشغل الشعب إذن بقضايا الأمن القومى، ولا لأن يقلق على مستقبله ومستقبل بلاده!! … فبافتراض صحة هذا الذى ذهب إليه الرئيس من أنه بانتخاب الشعب إياه قد ائتمنه على أمن مصر القومى، فإن ائتمان الشعب له، كما هو ائتمان أى شعب آخر لقيادته السياسية، إنما يخضع لاعتبارات دستورية لا تجعل من المؤتمَن وصياً على الدولة، ولا محتكراً لتعريف عناصر وحدود أمنها القومى، وصاحب الحق الحصرى فى وضع معايير الحكم على نجاح أو فشل ما يطبقه على الأرض من سياسات، ولا هو بمثابة تفويض له باتخاذ ما يراه للحفاظ على الأمن القومى للبلاد بعيداً عن أى مساءلة أو محاسبة!!
ثالثاً : عناصر وحدود الأمن القومى لأى دولة لا تقررها القيادة السياسية مكتفيةً بذاتها، ولا هى يقررها الجيش ولا حتى الشعب، وإنما هى عناصر وحدود تصنعها الجغرافيا، كما يصنعها التاريخ، ويفرضها على كل أمة ما تواجهه من تحديات وجودية لا تتعامل معها أى دولة بالاحتفالات الصاخبة، ولا بحشد الأنصار الذين يصفقون ويهللون، ولا بالخطب التى تدغدغ المشاعر وتستدعى الغيبيات الدينية، ولا بمجرد كلمات تطمئن الشعب على مستقبله دون تقديم أى مبررات موضوعية لهذا الاطمئنان المنشود سوى الإيحاء بأن الثقة العمياء فى القيادة السياسية، والاصطفاف غير المشروط وراءها، والإيمان الغيبى بتواصلها مع الله سبحانه وتعالى، والتسليم اللاإرادى بصدقها وأمانتها وشرفها وإخلاصها، هى وحدها ضمانات قدرة الدولة على مواجهة أزماتها الوجودية!!
رابعاً : التحديات الوجودية التى تواجهها مصر هى تحديات متشعبة، والأزمة الوجودية – التى تمكنت من مصر نتيجة استخفافنا بهذه التحديات على امتداد القرون الماضية – هى أزمة مركبة ومعقدة؛ فهى ليست وليدة إنشاء سد النهضة، ولا هى بدأت مع تعنت أديس أبابا فى ملف نهر النيل؛ بل هى أزمة قديمة لازمتنا زمناً طويلاً دون أن نشعر بوجودها؛ لذا ظلت تتنامى هذه الأزمة وتتفاقم بمرور الأيام التى فقدنا الإحساس بها حين فقدنا عقلنا التاريخى، وحين انفصلنا عن واقعنا الحضارى، وحين تم تغييب وعى المصريين بوجودهم على خريطة الوجود الإنسانى! … هذه الأزمة الوجودية المزمنة لها أبعادها الجغرافية والتاريخية والبيئية والحضارية والسياسية والاقتصادية، والقائمة تطول … وما نراه اليوم من أزمة سد النهضة الذى تلاعبنا به أديس أبابا ليس إلا الجزء الطافى فوق سطح الماء من جبل الجليد الغاطس أكثره تحت السطح … وحتى إذا اعتبرنا أن أزمتنا الوجودية ليست لها أى أبعاد أخرى غير تلك التى نراها فى أزمتنا مع أديس أبابا، فإن سد النهضة لن يكون بدوره إلا الجزء الظاهر من هذه الأزمة الوجودية، لأن أزمتنا مع أديس أبابا تبقى أكبر وأعمق بكثير من قضية سد النهضة ومن كل هذا الذى نراه طافياً من جبل الجليد ونحسبه يلخص كل جوانب الأزمة!!
خامساً : لم ألمح فى كلمتىّ الرئيس المكتوبة والمرتجلة ولو طيف إشارة لهذه الأبعاد التى ذكرتها عاليه لأزمة مصر الوجودية، ولا أنا استمعت منه لأى خطط تتعلق بالمستقبل أكثر من حديث عن تبطين الترع، وعن تحلية المياه وترشيد استخدامها، وجميعها حلول تتعامل مع التحديات الوجودية بمنطق التكيف الوقتى لا بمنطق الإمساك بزمام توجيه المسارات نحو العلاج الحاسم للأزمة! … بالطبع فإن رئيس الدولة لا يمكنه الإفصاح عن كل ما تفكر فيه مؤسسات الدولة للتعامل مع التحديات التى نواجهها، وليس هناك أدنى مؤاخذة له إن هو احتفظ الرئيس بما يراه من أسرار الدولة التى لا يمكن له الإفصاح عنها، لكن الاحتفاظ بهذه الأسرار لا يمكنه أن يتحول إلى ساتر يحجب عن المصريين الحقائق التى صار يراها العالم كله، ولا أن يكون مبرراً لتجاهل حق المصريين فى المعرفة بالحد الأدنى من عقيدة الدولة، ومن مسارات خريطة الطريق التى تسير عليها فى تعاملها مع الأزمة!
سادساً : اكتفى السيد الرئيس لطمأنة المصريين بالتأكيد على أن مصر دولة كبرى، وهذا صحيح لا أراجعه فيه، وأنها تمتلك من عناصر القوة ما لا يليق بنا تجاهله، وهذا صحيح أيضاً ولا أشكك فيه، لكنه لم يقدم رؤية متماسكة لعناصر قوة الدولة المصرية، ولا هو بيّن كيف سيمكن لمصر توظيف عناصر قوتها هذه للتغلب على التحديات الوجودية التى تواجهها … حصر سيادته عناصر هذه القوة فى ثلاثة فقط هى القوة الاقتصادية والقوة السياسية والقوة العسكرية، دون أى ربط بين عناصر القوة الثلاث هذه وبين باقى عناصر قوة الدولة، ودون بيانٍ لكيف يرى سيادته حدود الحركة والتأثير لكل قوة من هذه القوى الثلاث!!
سابعاً : لا أعرف بالطبع كيف يمكن اعتبار مصر – فى أوضاعها الراهنة – قوة اقتصادية يمكنها التأثير باقتصادها “القوى” فى توجيه مسارات التعامل الدولى مع الأزمة، اللهم إلا إذا كان يرى السيد الرئيس أن النشاط الاستثمارى وعقد الصفقات التجارية يصنعان بذاتهما قوة اقتصادية للدولة قادرة على التأثير الڇيوستراتيڇى، وهى فرضية تحتاج بالتأكيد لتحليل معمق لبيان صحتها من عدمها! … أيضاً لا أعرف ماذا كان يقصد الرئيس بقوة مصر السياسية، وهل هو يقصد بقوتها السياسية فقط قوة علاقاتها الدولية؟ وما هو تقديره لقوة علاقاتنا الدولية؟ ولماذا لم تعمل هذه القوة السياسية كما هو منتظر منها فى جلسة مجلس الأمن أو فى جلسات الاتحاد الأفريقى؟! … تبقى إذن قوة مصر العسكرية، وهى قوة حقيقية بمعايير التسليح وقوة النيران التى يملكها الجيش المصرى، ولكن هل هى قوة يمكن توظيفها فى الظرف الدولى والإقليمى الحالى؟! وكيف؟! … ما يقلقنى فعلاً فى حديث السيد الرئيس عن عناصر القوة المصرية هو إحساسى بأنه ينظر لهذه العناصر نظرةً تقليدية لا تعترف بقوة الدولة المصرية التى هى أكبر من مجموع أجزائها، فضلاً عن أن كثيراً من أجزائها بدا لى مبتوراً وغائباً عن الصورة الكلية لما يمكن أن نسميه قوة الدولة الشاملة، ناهينا عن أن بعض ما يعتبره السيد الرئيس ضمنياً من عناصر القوة للدولة المصرية قد يكون – فى حقيقته – من عناصر ضعفها لا قوتها!!
ثامناً : يعرف الجميع أن مخزون المياه فى بحيرة ناصر وراء السد العالى، مضافاً إليه ما سيرد لمصر من إيرادات النيل الأبيض، وما ستتفضل به أديس أبابا علينا خلال السنوات القادمة من فائض مياه النيل الأزرق بعد التخزين – طال أمد عملية التخزين أو قصر – إنما سيكفينا كى لا نشعر بأزمة نقص المياه لخمس سنوات، بل وربما لأكثر من هذه السنوات الخمس، وربما كان هذا ما كان يقصده الوزير سامح شكرى حين قال إن الملء الثانى لخزان سد النهضة لن يؤثر فى ذاته سلباً على مصر! … لكن المشكلة تبقى قائمة لما بعد السنوات الخمس أو العشر أو العشرين أو حتى المئة أو الألف سنة القادمة … نحن نتحدث عن “وجود” وطن وأمة ودولة وحضارة – أو ما بقى من كل هذا – لا عن وجود عابر لبضع سنين، ولا حتى عن وجود الجيل الحالى أو جيلين أو بضعة أجيال من بعده! … غياب الحديث عن أى خطط مستقبلية جادة وحاسمة وجودياً إنما يثير القلق، ولا يكفى لطرد هذا القلق أن يدعونا الرئيس لألا نقلق، وبأن “نعيش حياتنا” دون “هرى”، أى دون أن ينفتح الفضاء العام لمناقشة أبعاد الأزمة وسبل التعامل معها، ودون أى تناول نقدى لنجاعة السياسات القائمة التى يثق السيد الرئيس بقدرتها على التغلب على الأزمة، وكأننا نستدعى ضمنياً التعبير الشعبى – شديد العدمية – الذى يقول : “احيينى النهارده وموتنى بكره”!!
تاسعاً : “بكره” هذا سيأتى يوماً ما، إن آجلاً أو عاجلاً، ولا توجد أمة تعى وجودها، وتعى التحديات التى تهدد هذا الوجود، يمكن أن ترهن مستقبل أيامها لثقة عاطفية فى قيادتها السياسية إذا لم تقدم هذه القيادة السياسية خريطة طريق واضحة المعالم تخضع للنقاش العام الذى يديره العقل الجمعى للمصريين، كما تديره كل مؤسسات الدولة التى عليها أن تجيب عن كل الأسئلة الوجودية التى توجه إليها، دونما إكراه لهذه المؤسسات بأن تتبنى وجهة نظر الرئيس لمجرد أنه الرئيس!!
عاشراً : ما ذكره السيد الرئيس عن رحيله هو ومؤسسة الجيش حال انتهاك “الخط الأحمر” للأمن القومى المصرى هو حديث خطير لا يجوز أن يمر بغير وقفة حاسمة مع مضمونه الوجودى … فالجيش هو جيش مصر لا جيش السيد الرئيس، وهو عنصر أساسى من عناصر بنائية الدولة المصرية، ولا يجوز التلاعب به لتوريطه فى تحمل مسؤوليات فشل القيادة السياسية فى التعامل مع التحديات الوجودية التى تواجه الدولة … قد يرحل الرئيس، حال فشله فى تحمل مسؤولياته، أو حال خطئه فى قراءة خريطة التحديات الوجودية التى تواجه الدولة، لكن الجيش لا يرحل أبداً برحيل الرئيس، ولا هو يجب التعامل معه باعتباره شريكاً فى إدارة الأزمة إلا فى حدود اختصاصه العسكرى المشروط بإرادة الأمة أو بصدور أوامر واضحة من القائد الأعلى للقوات المسلحة للقيام بمهام عسكرية محددة، وهو أمر لا أراه مطروحاً، ولا أنا أتحمس له ولا أنصح به.
كلمة أخيرة : مصائر الأمم والدول والأوطان لا يجوز التعامل معها بكل هذا الاستخفاف الاحتفالى الذى تدار به أزمات مصر الوجودية، ولا توجد أزمة وجودية يمكن التعامل معها بتغييب الوعى أو بتخدير العقل … ليرحل من يرحل، وليبقى من يبقى، وليكن المعيار الوحيد للرحيل أو للبقاء هو القدرة على مواجهة الواقع والتعامل معه، لا بترحيل الأزمات للمستقبل القريب أو البعيد، ولا بخلط أوراق ما هو وجودى بما هو احتفالى أو خيرى أو استثمارى أو تعبوى!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: