مقالات

ياسر عبد العزيز يكتب: لماذا عاد حمدين صباحي الآن؟

في عام 2014 كان أخر ظهور حقيقي لحمدين صباحي بعد انتخابات الرئاسة التي خاضها أمام رأس النظام الحالي في مصر، إطلالات أو تصريحات من وقت لأخر خلال الأيام القليلة الماضية أغلبها فيما يتعلق بسد النهضة، حمدين الذي قرر الترشح “شعبيا” لرئاسة الجمهورية، لم يفتر عن تحقيق حلمه عندما حانت الفرصة في الانتخابات الرئاسية في عام 2012 على الرغم من محاولات بعض المخلصين لتوحيد جهود مرشحي الثورة والتوافق على مرشح واحد أمام مرشحي النظام السابق أو الجيش في حينها، لكن الرجل أصر وأصر باقي المرشحين لتفتت الأصوات بالنتيجة بين ثلاثة مرشحين بعد استبعاد حازم أبو إسماعيل، وفي 2014 دخل الرجل غمار المنافسة مرة أخرى أمام رأس النظام، ما رأه الكثيرون رده على قيم الثورة، وهي النظرة التي شملت حتى الكثير من الأربعة ملايين ونصف المليون الذين صوتوا له في انتخابات 2012 ليحصل على أقل من نصف مليون صوت في تلك الانتخابات في هزيمة مذلة ومقصودة من النظام، كما أنها رسالة لبداية عهد جديد بعد انقلاب الثالث من يوليو.

حلم حمدين الذي انهار على أعتاب تجربة انتخابات 2014 أعقبه محاولات للإضرار بسمعته وسمعة أسرته لإنهاء تاريخ واحد من رموز العمل السياسي في الأربعين سنة الماضية، اختلف معه من اختلف واتفق معي من اتفق.

حوار حمدين في كلوب هاوس

غرفة الحوار المجتمعي المصري التي تدار على منصة كلوب هوس من بعض المحسوبين على المعارضة المصرية وجلهم من خارج مصر كانت مسرحا للقاء حمدين صباحي بالعشرات من رواد التطبيق الجديد المنضم حديثا لمنصات التواصل الاجتماعي، استمر الحوار ما يقارب الساعتين ونصف، حضره متحدثا القليل ومستمعا العشرات، ولأن الغرف اتخذت عنوانا للحوار (حوار مع حمدين صباحي) فإن الكثيرون ممن أيدوا الرجل في السابق أو مازالوا، وكذا من اعترض على مواقفه حضروا الحوار للاستماع إلى قامة سياسية ولو اختلفنا، وأظن هذا هو الدافع وراء حضور العشرات، تحدث الرجل عن الناصرية ودافع واستقتل مؤكدا أنها لم تمت ولم تتراجع بل إن الحاضر يؤكد أن المستقبل لها، وتحدث وأفاض في أخطائه، وأكد على أنها كلها مكتوبة وسينشرها في وقت (يطمئن فيه على الأحباب) على حد تعبيره حرفا.

وأشار إلى أن الظروف الحالية لا تسمح لا لنشر مراجعاته ولا للحراك أصلا، وشدد على أن النظام الحالي لا يقبل أن يسمع أحد، وإن استشارنا سنشور عليه على حد وصفه، لكن النظام، والكلام لحمدين لا يسمع حتى لمؤسساته، وأضاف أن هذا البلد العظيم، يقصد مصر، لديه من الخبرات في مؤسساته ما إن سمع لهم لتغير الحال، لكن النظام لا يقبل إلا سماع نفسه، وبسؤاله عن الثلاثين من يونيو قال صباحي أن الزمان لو عاد لاختار نفس الطريق، ولما حُصر بأنه مهد لانقلاب الثالث من يوليو أجاب أن نتائج “ثورة” الثلاثين من يونيو كان مخيبة ولم تفرز ما أرادت كما هو الحال لثورة الخامس والعشرين من يناير، لكنه ومع ذلك اختار النزول للانتخابات الرئاسية تحت ضغط الشباب لمحاولة انتزاع مكتسبات “ثورة” 30 يونيو بعد أن سرقت على حد تعبيره.

وأكد حمدين أنه مع دخول أي انتخابات متاحة مبررا ذلك بأن فترة الترشح والانتخابات فرصة لقول ما لا يمكن قوله في غيرها من توقيتات، لذلك فسوف يدعو بل ويدفع باتجاه خوض أي استحقاق قادم من أجل استعادة الحراك في تلك الفترات ومن ثم الحصول على ما يمكن تحصيله من الانتخابات،
وعلى الرغم من أن حمدين الذي دخل البرلمان في دورة 2005 بتفاهمات مع الإخوان استمر على تحالفه معهم سواء برلمانيا أو سياسيا من خلال جبهات العمل الوطني المشترك ضد التوريث والتمديد الذي كان يسعى إليه مبارك، وظل على حلفه معهم بعد الثورة فدخل نواب حزب الكرامة برلمان الثورة بتحالفه مع الإخوان، إلا أن الرجل في حواره في كلوب هاوس قطع على نفسه كل العهود انه لو عاد لصدارة المشهد! لن يكون للإخوان مكان في الحياة السياسية. (علامة استفهام ثانية).

رسائل حمدين في لقاء كلوب هاوس

لعل رسائل حمدين صباحي من حواره الممتد إلى ما يقارب الساعتين سواء في كلمته أو الرد على الأسئلة التي جاءت من عدد قليل ممن أتيحت لهم الفرصة للسؤال في نقطتين على غالب فهمي، ورغم أن النقطتين إحداهما كانت متناقضة مع سرديته، إذ أنه أكد في أكثر من مرة في كلامه أو في رده على أسئلة السائلين حتى في غير معرض الرد أو موضوعه في شكل أثار الانتباه، بأن العودة للحياة السياسية وخوض الانتخابات القادمة وكل استحقاق مستقبلي فرض على كل معارض ومعارضة، قبل المواليين، ورأى الرجل كما ذكرت، أن دخول الانتخابات فرصة لقول ما لا يمكن قوله في غير فترة الانتخابات، ففي فترة الانتخابات يصبح متاحا للحديث، وأظن ذلك اعترافا صريحا بانسداد الحياة السياسية، كما أن إجابته بنشر مراجعاته عندما يطمئن على الأحباب تؤكد حالة الرعب الذي يعيشه في حال ما تكلم، مع ذلك فإن حمدين، يحث على دخول المعترك السياسي، ويحث على الكلام، كما مرر حمدين رسالة أخرى مفادها أن كل من يتكلم من الداخل يدفع الثمن أما من هم في الخارج فالثمن مؤجل لكنه قادم!

أما الرسالة الثالثة فكانت واضحة ولا تحتاج لجلاء، هي لا مكان للإخوان في مصر ثانية، وعندما حُصر بالأسئلة قال ولا الفلول ولو لمدة معينة، الكل له حق المواطنة والكل له حق العيش لكن هناك من يجب اخراجهم من الحياة السياسية ولو لفترة.

الرسالة الرابعة كانت عن المعتقلين، وتحديدا عن الأستاذ جمال الجمل، والذي تم لومه عليه بعد أن تم القبض على الرجل وإخفاؤه قبل أن يظهر في النيابة بعد أيام، إجابة حمدين عن الجمل أنه يتابعه ويعرف اخباره جيدا، وأن الرجل سيكون بخير، هذه الرسائل التي جاء بها حمدين في لقائه بالعشرات على منصة كلوب هوس، ووعد الرجل بأن يكرر لقاءاته خلال الأيام القادمة، رغم أنه في أغلب حديثه كان يشتم أنه يتكلم لكنه لا يأمن عواقب كلامه.

لماذا عاد حمدين صباحي الآن؟

لعل السؤال الجوهري الذي تبادر لأذهان كل من تابع اللقاء ومن سمع بها لاحقا ولم يحضرها ولعل نفس السؤال يدور في خلدك الآن وأنت تقرأ هذه السطور هو: (لماذا عاد حمدين صباحي الآن؟) وبهذا الشكل حاملا تلك الرسائل، ولعل وضع قطع البازل يمكن أن يجعلنا نقرأ المشهد ومن ثم نجيب عن سؤال المليون، وإن كانت الأسئلة المليونية ستتوالى أكثر في الأيام القادمة..

لعل وضع مصر في أزمة سد النهضة وتعنت أثيوبيا والموقف السوداني، والتعويل على أمريكا التي أسست للمفاوضات المحتملة بين الدول المتنازعة على النيل على أساس الاتفاقية الاطارية، سبب الأزمة، والتي تستند عليه اثيوبيا في كل ما تفعل منفردة سواء في الملء الثاني أو تعلية السد، واستهانة إثيوبيا بتلويح القاهرة بالعمل العسكري، وهو ما نفاه رأس النظام أخيرا، لتؤكده روسيا التي وقعت اتفاقيات عسكرية مع اديس أبابا تلاها رفض موسكو أي تلويح بالعنف تجاه اثيوبيا، وهو ما يخرج الأزمة البينية إلى الأفق الدولي بدخول أمريكا والصين على الخط لحماية مصالحهم في القرن الإفريقي.

لعل تلويح عدد من النواب في الكونغرس الأمريكي بقطع المعونة التي تدفع للجيش المصري بسبب ملف حقوق الإنسان في مصر، المحرج للرئيس بايدن الذي أعلن في برنامجه الانتخابي حماية الحقوق والحريات في العالم، وهو ما يعني أن جنرالات مصر سيحرمون مبدئيا من 300 مليون دولار من المعونة التي تصلهم سنويا.

لعل استدعاء مدير المخابرات المصرية عباس كامل إلى واشنطن وسؤاله عن ملف حقوق الإنسان والمعتقلين السياسيين، والحديث عن تورط القاهرة في حادثة الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ورد كامل بما ادعى أنه اتفاق بإكمال الناشط محمد سلطان مدة حبسه في أمريكا بعدما أطلق سراحه من السجون المصرية، وهي الورقة التي أراد بها عباس الضغط على واشنطن وإحراجها، وانقلبت عليه وعلى القاهرة، قبل أن يزيد عباس عرض خدماته من غزة التي يجول رجاله فيها الآن على حس إعادة الإعمار.

ولعل عملية الانفراجة التي شهدها قطاع السجون بإطلاق عدد من المعتقلين على ذمة قضايا من 2020 بناء على نصيحة أحد شركات العلاقات العامة، لتهيئة الأجواء لعلاقات أكثر دفأ مع القاهرة واستغلال اتصال بايدن برأس النظام أثناء العدوان الصهيوني على غزة، مع نصيحة أخرى بفتح أفق أكثر مصداقية في الحياة السياسية، وأظن أن ذلك مربط الفرس، ومغنم الفرص.

تأكيد حمدين صباحي على ضرورة خوض الاستحقاقات والإصرار على عدم تضييع الفرص والانخراط في العمل السياسي من الداخل سواء بالكيانات الموجودة على الأرض بعد الثورة، أو من خلال الانخراط في الكيانات المزروعة بعد الانقلاب في الجسد السياسي المصري، يمكن أن يفهم على النحو الذي استعرضته قطع البازل.

إطلاق سراح جمال الجمل بعد ساعات من لقاء حمدين، رغم إطلاق سراح ستين معتقلا من قبل لكن الفرق أن الستين لا يعرفهم أحد ولا يؤثرون إعلاميا، فكان مهما في هذا التوقيت لتقديم أوراق اعتماد جديدة للقطاع واسع من النواب الأمريكيين المطالبين بمعاقبة النظام في القاهرة، بإطلاق سراح قامة كبيرة، تتحدث عنها الصحف وتقارير المنظمات الحقوقية، فالأستاذ جمال الجمل قامة كبيرة أحدث ضجة حين عارض من مصر وأحدث ضجة حين خرج منها وأحدث ضجة أكبر حين عاد واختفى ثم اعتقل، فاستغلال قامة كهذه في إحداث دوي أكبر في جنبات الكونجرس أمر مهم ضمن روشتة شركة العلاقات العامة المتعاقد معها النظام.

خطة الإلهاء التي يمارسها النظام وأجهزته الأمنية، ولا يفوت مناسبة إلا ويستغلها، كما لا يألو جهدا في خلق المناسبات لصناعة الملهاة، فخطة الإلهاء هذه المرة لا تستهدف الشعب الذي طلب منه أن “يبطل هري” وإنما الخطة تستهدف القوى السياسية والشعبية التي بدأت تصطف من أجل الخطر الوجودي الذي يداهم مصر والذي لن يبقي على أحد، فالعطش لن يفرق بين ليبرالي ولا إسلامي ولا يساري من المعارضة ولن يرحم الموالي الذي صفق لمن طمنه وقال (بطمنكم وكل الأمور ماشية بخير وسلام وأمان).
خطة الإلهاء نجحت مبدئيا على الأقل خلال الساعات القلية بعد لقاء حمدين، إذ تبع خروج حمدين عقد لقاءات على غرف على نفس المنصة لتحليل لقائه، فأثار البعض ما يرونه أهم نقطة في لقائه وهو إقصاء الإخوان، وهو ما أراه مدبرا لضرب الاصطفاف وإعادة التلاسن ومن ثم العودة إلى المربع صفر.

يا سادة الشعب لا يريد إلا أن يرى إنجازات مبنية على مشاريع واعية تخلصها من وضعها الذي تعيش، ووقتها لن يهتم المواطن إن كان المشروع يساري أم يميني، إنقاذ مصر من العطش لا يحتاج تنظير بل يحتاج تمصير للقضية ورص الصفوف وتوحيد الجهود لوقف الخطر الداهم، ولن يكون ذلك ما دامت خطط الإلهاء تنفذ على قدم وساق في ظل مراهقة سياسية للمعارضة تزيد الفجوة بينها وبين الشارع، والمنتصر الوحيد هو العدو، ولكم في قصة أصحاب السفينة عبرة يا أولي النهى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: