مقالات

د. ياسين أقطاي يكتب: تركيا لن تتآمر على أفغانستان أو أي شعب مسلم

على الرغم من أن الولايات المتحدة استخدمت حلف الناتو كغطاء من أجل احتلال أفغانستان قبل 20 عامًا، إلا أن آليات صنع القرار داخل الحلف كانت معطلة إلى حد كبير خلال عزم الولايات المتحدة احتلال أفغانستان. ولو رجعنا قليلًا إلى الوراء سنتذكر كيف خلقت الولايات المتحدة عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول على الفور أمرًا واقعًا من خلال ذريعة نفسية سوّقت لها على المستوى الدولي، من أجل احتلال أفغانستان أولًا ومن ثم العراق.

بيد أن كلا الاحتلالين لم يكن لهما علاقة مباشرة بهجمات 11 سبتمبر ذاتها، إلا أن خطورة تلك الهجمات جعلتها تتصرف دون منطق عقلي. ولسوء الحظ لم يكن أحد في ذلك الوقت يملك رفاهية سؤال؛ من الذي نفذ هجوم 11 سبتمبر؟ ولماذا اختارت الولايات المتحدة هذين الهدفين (أفغانستان والعراق) على وجه الخصوص، للانتصار لضحايا هجمات 11 سبتمبر؟

في واقع الأمر لم تكن هجمات 11 سبتمبر إلا ذريعة للولايات المتحدة الأمريكية من أجل السيطرة على نقاط استراتيجية معينة. ولقد كانت رغبة السيطرة هذه إحدى برامج اللوبيات داخل الولايات المتحدة، إلا أن حساباتهم لهذه الرغبة فيما لو كانت دقيقة أم لا فهو أمر آخر.

نتيجة لذلك، دخلت الولايات المتحدة مغامرة كبيرة لم تنتصر فيها في أي وقت كان، لكن في النهاية وجدت نفسها مجبرة على الانسحاب من كلا الاحتلالين دون الشعور بأي فخر أو نصر. حتى على صعيد الانسحاب، كان من الطبيعي للغاية أن تكون هي في الطليعة قبل الناتو.

في الحقيقة خرجت مؤخرًا متحدثة البيت الأبيض، جين ساكي، في تصريحات أوضحت خلالها أن الولايات المتحدة “لن تعلن نصرًا” مع انتهاء سحب قواتها من أفغانستان.

وذكرت أيضًا، أن”هذه حرب لم تحقق نصرًا عسكريًّا على مدار 20 عامًا”. كما توقعت أن يكون الوضع في أفغانستان صعبًا للغاية بعد الانسحاب الأمريكي، لكنها استدركت ذلك بالقول “لو لم نتخذ قرار الانسحاب اليوم فيمكن أن تكون العواقب أكثر خطورة”.

بقيت الولايات المتحدة في أفغانستان طيلة 20 عامًا تحت مظلة حلف الناتو، إلا أن الجميع يعلم بأن الناتو كان هناك في الأصل بسبب الولايات المتحدة. ولأجل ذلك نجد أن قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من أفغانستان فرض على الناتو الانسحاب أيضًا، حيث انتهى سبب وجوده هناك.

إن الواقع الفعلي الذي دفع الولايات المتحدة للانسحاب من أفغانستان هو التفاني الاستثنائي الذي جسده الشعب الأفغاني في سبيل نيل استقلاله وكرامته، ومقاومته الثابتة والصبورة والحازمة في سبيل قضيته.

لقد أعطى الشعب الأفغاني إشارة واضحة إلى عزمه على مواصلة المقاومة بصبر وثبات، وأن لا خيار آخر لهذه المقاومة سوى النصر. تمامًا كما أظهر الشعب الفلسطيني مؤخرًا هذه الحقيقة خلال مقاومته للمحتل الصهيوني.

عندما أعلنت الولايات المتحدة قرار انسحابها من أفغانستان، كانت هناك قضية تتعلق بأمن المطار تشغل بالها. وإن تعليق مخاوفها بهذه النقطة بالذات عقب انسحابها أظهر أنه لم يعد لها هناك أي نصيب من التدخل في مستقبل أفغانستان.

أما عن المفاوضات التي جرت مع تركيا حول هذا الخصوص، فقد وصلت حتى الآن إلى قرار معين، دون الاتفاق على نقطة معينة. تكمن في عدم الحاجة لوجود قوة مسلحة تابعة لحلف الناتو أو حتى لتركيا من أجل تشغيل المطار وتوفير الحماية له.

لقد أكدت تركيا بوضوح خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة في هذا الصدد، أنها لن تكون في أي صيغة مستقبلية تقوم على التدخل في الشؤون الداخلية للشعب الأفغاني. وأن مسألة بقاء تركيا في أفغانستان أو رحيلها من هناك، لن يتم إلا من خلال مصادقة أو طلب الممثلين الشرعيين للشعب الأفغاني. ولا يمكن لتركيا على الإطلاق أن تسلك نهجًا من شأنه إكمال أو إنجاح مهمة الناتو التي لم تكتمل أو تنجح، رغمًا عن الشعب الأفغاني.

ما يمكن قوله الآن هو أن تركيا بالفعل هي الأجدر بتشغيل مطار أفغانستان، وذلك بسبب تجربتها الحالية التراكمية وصداقتها التاريخية مع الشعب الأفغاني وقربها منه. لكن تركيا أكدت بوضوح أنها لن تتولى هذه المهمة ما لم تُستوفى الشروط المعينة التي وضعتها، ولا تزال المفاوضات تجري في هذا الصدد. وعلى الرغم من أن ذلك سيكون مصدر راحة لجميع الأطراف، إلا أن من أهم تلك الشروط هو ضمان أن يكون الشعب الأفغاني راضيًا عن ذلك.

ولأجل ذلك يبدو أن الإعلان الذي أصدرته حركة طالبان، الإثنين، يظهر وجود فجوة اتصال خطيرة بشأن هذه القضية.

لقد كتبت سابقًا، حول أن حركة طالبان هي الواقع الأهم في أفغانستان في الوقت الراهن. وهي في نهاية المطاف القوة الوحيدة التي أجبرت الولايات المتحدة على الانسحاب من أفغانستان بعد 20 عامًا من المقاومة الحازمة. فضلًا عن أنها تسيطر الآن على معظم أفغانستان. وما تريده طالبان وتؤكد عليه هو أنّ أفغانستان ملك للشعب الأفغاني ولا يستطيع أي أحد أن يقول شيئًا غير ذلك.

بالطبع لا يوجد لتركيا أي نهج مختلف. لكن مع ذلك يبدو أن الإعلان الصادر عن طالبان كتب على عجل شديد وبأسلوب يتجاهل النهج الودّي الذي جسدته تركيا طيلة وجودها في أفغانستان، على مدار 20 عامًا.

لا يمكن على الإطلاق أن تتواجد تركيا في أي مؤامرة مع أي أحد ضد الشعب الأفغاني أو ضد أي شعب مسلم آخر.

يني شفق التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: