مقالات

إسماعيل ياشا يكتب: 5 سنوات على محاولة “الكيان الموازي” القضاء على الديمقراطية

تحل بعد ساعات الذكرى الخامسة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها ضباط موالون للكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة غولن، في 15 يوليو/ تموز 2016، لإسقاط الحكومة التركية المنتخبة. وكادت تلك المحاولة الدموية تنجح في القضاء على الديمقراطية والإرادة الشعبية في تركيا لولا فضل الله وحمايته أولا، ثم خروج الشعب التركي إلى الشوارع والساحات من أجل التصدي للانقلابيين والدفاع عن إرادته الحرة.

تركيا، شعبا وحكومة، نجحت قبل خمس سنوات في إفشال تلك المحاولة، كما أثبت الشعب التركي أنه على قدر كبير من الوعي واليقظة يجعل نجاح محاولات الانقلاب بطرق تقليدية شبه مستحيل، إلا أنه من الصعوبة بمكان القول بأن خطر الكيان الموازي على النظام الديمقراطي التركي زال تماما.

الحكومة التركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة أطلقت عملية لتطهير أجهزة الدولة من خلايا الكيان الموازي، وركزت العملية على الجيش وأجهزة الأمن والاستخبارات والقضاء، باعتبارها الأهم في حفظ الأمن والاستقرار، وضمان عدم تكرار محاولات مشابهة في المستقبل. إلا أن هناك أجهزة ومؤسسات أخرى تغلغلت فيها الخلايا السرطانية للكيان الموازي ما زالت تنشط بفعالية لصالح التنظيم السري، وتسعى جاهدة لعرقلة عملية التطهير.

الكيان الموازي الذي قام بتدريب أعضائه على إخفاء انتمائهم إلى التنظيم السري، والتأقلم التام مع البيئة التي يدخلونها، اتبع بعد فشل محاولة الانقلاب “سياسة التلون”، من خلال توزيع عناصره على أحزاب سياسية وجماعات دينية ووسائل إعلام معارضة وقوى مؤثرة في المجتمع، ليعمل كل واحد منهم في المكان الذي زُرع فيه، ويحرض الشارع التركي ضد الحكومة، ويشكك في نزاهة عملية التطهير التي تستهدف خلايا التنظيم. وما زالت الجامعات التركية مليئة بالأكاديميين المنتمين إلى الكيان الموازي.

أعضاء التنظيم السري الذين دخلوا تحت مظلات الأحزاب السياسية يشكلون عائقا كبيرا أمام مكافحة الكيان الموازي؛ لأنهم موجودون في معظم الأحزاب المعارضة، وبالتالي يصعب منع أنشطتهم لصالح التنظيم في صورة أنشطة سياسية، وإن قامت الحكومة التركية بأي تحرك ضدهم فسيقولون إنها تستهدفهم لكونهم سياسيين معارضين للحكومة.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ هذا السؤال: “ما المشكلة إن كانوا يمارسون أنشطة سياسية لإسقاط الحكومة عبر صناديق الاقتراع؟”. الجواب أن معارضة الحكومة وممارسة السياسة ليست مشكلة، كما أن المعارضة في الأنظمة الديمقراطية تسعى إلى إسقاط الحكومة من خلال الحصول على أصوات الناخبين. ولكن الخطورة تكمن في خطة هؤلاء لما بعد إسقاط الحكومة الحالية عبر الطرق الديمقراطية، وهي إعادة خلايا الكيان الموازي إلى أجهزة الدولة وتمكين التنظيم السري من فرض وصايته على النظام الديمقراطي.

المدافعون عن الإرادة الشعبية والرافضون لأي نوع من الوصاية على النظام الديمقراطي قلقون من احتمال عودة الكيان الموازي عبر بوابة المعارضة، ويقول كثير منهم إن مكافحة التنظيم السري الانقلابي لم تتم كما ينبغي، بل يرون أن هناك تساهلا في التعامل مع خطر هذا التنظيم قد تدفع البلاد ثمنه غاليا.

الاستخبارات التركية تقوم بين الحين والآخر بإلقاء القبض على كبار أعضاء الكيان الموازي الهاربين إلى الخارج في دول مختلفة، بالتنسيق مع سلطات تلك الدول، وجلبهم إلى تركيا ليحاكموا. ويعطي هؤلاء أثناء التحقيق معهم معلومات جديدة تؤدي إلى كشف خلايا نائمة، وتنفذ قوات الأمن عمليات بناء على تلك المعلومات لتفكيك تلك الخلايا.

ويثير اعتقال مسؤولين كبار في الكيان الموازي موجة من الخوف والقلق في صفوف أعضائه، إلا أن التنظيم ما زال يحافظ على تماسكه، رغم كل الضربات التي تلقاها، لأسباب عديدة أهمها أن قادة الكيان الموازي وأعضاءه لم يفقدوا آمالهم في السيطرة على الحكم في البلاد، وأنهم ما زالوا يؤمنون بأنهم سيسترجعون نفوذهم يوما ما بعد إسقاط رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان وحكومته.

هناك فعاليات سيتم تنظيمها داخل تركيا وخارجها بمناسبة الذكرى الخامسة لمحاولة الانقلاب الفاشلة. ويأمل الكيان الموازي أن ينسى الأتراك ما جرى في صيف 2016 لتسهل عودة خلاياه إلى التغلغل في شريان أجهزة الدولة. ولذلك، من الضروري أن تبقى أحداث تلك الليلة التاريخية في الذاكرة حية، لأن الشعب التركي سطر فيها أروع أنواع البطولات في التصدي للانقلابيين، وقدَّم عشرات الشهداء، كما ظهرت فيها خيانة الكيان الموازي جلية بكل بشاعتها، وانكشف الوجه الحقيقي للتنظيم السري الذي كان يتستر وراء قناع جماعة دينية وتربوية معتدلة.

عربي 21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: