حوارات

د. أحمد زيدان لـ “الحقيقة بوست”: الوضع الميداني الأفغاني يؤشر لحسم طالبان الصراع وقرب عودتها للحكم

واشنطن خسرت أكثر من 3 تريليونات دولار في أطول حرب تخوضها

= كتابي “صيف أفغانستان” فريد من نوعه لاستناده لشهادات صناع القرار الأفغاني

= واشنطن تخلّت عن الحكومة الأفغانية بعد استبعادها من مفاوضات الدوحة

= القوات الأمريكية انسحبت من قاعدة باجرام دون إخطار الحكومة الأفغانية

= روسيا لن تصمت على تقدم طالبان وهزيمة حلفائها في الحكم

= الانسحاب الأمريكي يعوق مشروع الصين الماريشال العالمي الاقتصادي

= طالبان لن تقبل باقتسام السلطة بعد هزيمتها 38 دولة تقودهم أمريكا

= تركيا لاعب جديد في أفغانستان.. لكن الأمر مرهون بالتوافق مع طالبان

= إيران حسمت أمرها بدعم الحكومة الأفغانية.. وصدامها مع طالبان قادم 

= مفاوضات الدوحة بين طالبان والأمريكان أنموذج يحتذى به في التفاوض الدولي

حاوره : عبد الحميد قطب 

قال الدكتور أحمد موفق زيدان، الخبير المختص في شؤون أفغانستان، إن الوضع الميداني الأفغاني الحالي يؤشر لحسم طالبان الصراع وقرب عودتها للحكم، لافتاً إلى أن واشنطن تخلّت عن الحكومة الأفغانية بعد استبعادها من مفاوضات الدوحة.
وأوضح في حواره مع “الحقيقة بوست” أن الانسحاب الأمريكي يعوق مشروع الصين الماريشال العالمي الاقتصادي، مشدداً على أن مفاوضات الدوحة بين طالبان والأمريكان أنموذج يحتذى به في التفاوض الدولي.
وفيما يخص الأطراف المعنية بالقضية الأفغانية بعد الانسحاب الأمريكي، أوضح الدكتور زيدان أن روسيا لن تصمت على تقدم طالبان، وإيران ستنشغل كثيراً بأفغانستان، مضيفاً “طهران حسمت أمرها بدعم الحكومة الأفغانية، وصدامها مع طالبان قادم قادم”.

وإلى نص الحوار..

ـ: دكتور أحمد.. بعد انسحاب القوات الأمريكية وفي ضوء سيطرة طالبان على مناطق واسعة في البلاد.. كيف ترى مستقبل الحركة، وهل يمكن أن تعود لحكم أفغانستان مرة ثانية؟

ـ لا شك في أن التوسع الطالباني الأخير مع بدء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في مايو/ أيار الماضي، فاجأ الكثيرين، حتى طالبان نفسها، فنحن نتحدث الآن عن أكثر من ثلث مديريات أفغانستان باتت تحت سيطرة الحركة. لكن من الصعب أن نقرر إذا كانت طالبان تستطيع تحقيق النصر السياسي بعد الحسم العسكري، لا سيما في ظل توافق دولي منذ وقت ليس بالقصير على عدم السماح بالحسم العسكري للأطراف، وهو ما لمسناه في عدد من المناطق الساخنة، لكن بالتأكيد النموذج الأفغاني مختلف، وإلا فمن كان يصدق أن طالبان قادرة على هزيمة تحالف دولي هو الأضخم منذ الحرب العالمية الثانية.
وبالتالي، الخيارات مفتوحة وإمكانية العودة الطالبانية لا تزال ممكنة في ظل انهيار قوات الخصم، وتخلي حليفه عنه، مع قيادة طالبانية مركزية متحكمة بالقرار والقيادة بحيث تستطيع فرضها على أتباعها بشكل كامل.

قوات من طالبان تستعيد مناطق جديدة

ـ: هل تخلت واشنطن عن الحكومة الأفغانية كما تخلى الروس عن حلفائهم من قبل؟

ـ من الواضح أن واشنطن تخلت عن الحكومة الأفغانية، فهي استبعدتها من مفاوضات الدوحة أولاً، وثانياً سحبت منها الدعم الجوي، وكلنا يعلم دون الغطاء الجوي للاحتلال لا تستطيع القوات السيطرة على الأرض، فضلاً عن أن تتقدم، وهو ما لمسناه في سوريا. والآن نرى الفضيحة في طريقة الانسحاب من قاعدة بغرام، حيث سحبت واشنطن قواتها منها دون إعلام قوات الحليف، فقد أطفأت أضواء القاعدة بعد 20 دقيقة من مغادرة آخر طائرة أمريكية، بعدها اقتحمها  اللصوص، لتعرف قوات الحكومة الموجودة في الجزء الآخر من القاعدة ما حصل من خلال الجلبة التي أحدثتها مجموعات اللصوص، فتدخل وتتفاجأ بالانسحاب، وتلك طبيعة الاحتلالات، فهم ينظرون إلى الحليف المحلي كعميل يمكن التخلي عنه حال أن يصبح عبئاً عليهم، أو لا يخدم أجنداتهم، وقد ظهر ذلك بتخلي واشنطن تقريباً عن عشرات الآلاف من المترجمين الذين خدموها في أفغانستان، لتلقي بهم في أفواه الأسد الطالباني.

أسباب الانسحاب

ـ: لكن ما تفسيرك لإقدام الولايات المتحدة على الانسحاب من أفغانستان بهذا الشكل المتسارع؟

ـ لقد قمت بإعداد ورقة لـ “مركز الجزيرة للدراسات” عن هذا الأمر، وباعتقادي هناك عوامل عدة أدت للانسحاب الأمريكي، فهي خسرت الكثير، وبحسب أوراق “الواشنطن بوست” المعروفة، فإن أمريكا خسرت خلال العقدين الماضيين في أفغانستان -أطول حروب أمريكا- أكثر من 3 تريليونات دولار. وقرار الانسحاب اتخذه أوباما وعمل عليه ترمب ثم بايدن، الذي كان نائباً لأوباما كما تعرف، لكن بالتأكيد الانسحاب كان متسرعاً كعادة الانسحابات الأمريكية في فيتنام من قبل 1972، والصومال 1993، والعراق 2006، والآن في أفغانستان، والأمر له علاقة باعتقادي برمي كرة النار الأفغانية الملتهبة بالملعب الإقليمي، بحيث تقوم الدول الإقليمية كإيران وروسيا والصين وباكستان والهند بالتعاطي مع هذه المسألة بعد أن دفعت واشنطن ثمناً كبيرا،ً وربما نيابة عن هذه الدول التي كان من المفترض أن تقوم بذلك. ولا ننسى أن الاستراتيجية الأمريكية لمحاصرة واحتواء الصين سيستخدمها هذا الانسحاب بحيث التوتر والفوضى التي قد تنشأ عن الانسحاب، يعني تعويق مشروع الصين الماريشال العالمي الاقتصادي المعروف بـ “حزام واحد.. طريق واحد”، ولذلك شبه البعض الانسحاب الأمريكي المتسرع بانسحاب الجيش العراقي من الموصل وسيطرة تنظيم الدولة.

ـ: بخبراتكم الطويلة في الشأن الأفغاني.. إلى أين تتجه الأوضاع في أفغانستان بشكل عام.. هل إلى الاستقرار أو لمزيد من الصراعات؟

ـ باعتقادي نحن الآن أمام حالة قد تكون شبيهة بانسحاب السوفييت عام 1989، وبدء حرب أهلية، وإن اختلف الأمر ربما اليوم من حيث إن الفاعل الأساسي والوحيد في المعارضة هو طالبان بخلاف ما كان عليه الأمر فيما بعد الانسحاب السوفياتي، حيث كانت هناك قوى جهادية عدة متصارعة، فنحن اليوم أمام قوة معارضة واحدة وهي طالبان تتحكم بالقيادة والسيطرة، في ظل قوات حكومية مختلفة سياسياً وعسكرياً ومليشياوياً… وبالتالي كل الخيارات مفتوحة، لكن بالتأكيد دول مثل إيران وروسيا لن تصمت على تقدم طالبان وهي ترى حلفاءها في الحكم ينهزمون، لذا أعتقد أن الانشغال الإيراني سيكون في المرحلة المقبلة كبيراً بأفغانستان، ودعوة وزير خارجية إيران جواد ظريف إلى إدماج لواء فاطميون الذي يقاتل في سوريا بالجيش الأفغاني دليل على ذلك.

النفسية الطالبانية

ـ: ما الذي يمنع طالبان من توقيع اتفاق مع الحكومة الأفغانية وتقاسم السلطة كما فعلت مع الأمريكان؟

ـ طالبان لن توقع اتفاق تقاسم سلطة، لأنها تريد السلطة كاملة، ومن خرج من الحرب منتصراً “برأيه” على 38 دولة تقودهم أقوى إمبراطورية عسكرية على مدى التاريخ وهي أمريكا، لماذا يقبل بالمشاركة مع طرف أفغاني تخلى عنه حماته؟! فلا النفسية الطالبانية، ولا الواقع والمنطق الطالباني، يبرر لها تقاسم السلطة.

ـ في ضوء إصرار حركة طالبان على اعتماد الشريعة الإسلامية كأساس لحكم البلاد.. هل تعتقد أن يقبل المجتمع الدولي بذلك؟

ـ المجتمع الدولي سيتعامل مع الواقع. وواقع طالبان تم فرضه على الأرض، وهذا الفرض تجلى بانسحاب قوات تحالف، وهو ما لم يكن يخطر على بال أحد منا، وبالتالي عشية السيطرة الطالبانية على كابول إن حصلت سيتعامل العالم مع الواقع كما تعامل من قبل مع وصولها إلى كابول.

الدور التركي 

ـ: كيف ترى الدور التركي في أفغانستان.. وهل تشغيل أنقرة لمطار كابول يمكن أن يسبب لها مشاكل مع طالبان؟

ـ أعتقد أن تركيا لاعب جديد في أفغانستان، لكن الأمر مرهون بتوافقها مع القوة الطالبانية الصاعدة، وكذلك بالتنسيق مع باكستان التي تعد بوابة أفغانستان إلى العالم وبوابة العالم لأفغانستان، لا سيما إن أخذنا بالاعتبار أن أفغانستان جيوبولوتيكياً بلد مغلق لا منفذ له على البحر إلا من خلال باكستان، ما يفرض عليها قهر الجغرافيا.

ـ: ما تقييمك لدور الفاعلين في أفغانستان وفي المقدمة إيران، التي أعلنت مؤخراً استضافتها لحوار أفغاني- أفغاني؟

ـ ربما تطرقت إلى الفاعلين الإقليميين، لكن الدور الإيراني محسوم باعتقادي، وهو دعم الحكومة الأفغانية التي في جوهرها خليط من التحالف الشمالي الأفغاني، لا سيما في الجوهر العسكري والأمني، ولذلك فهي ستقيم علاقات مع طالبان لمعرفة ما يفكرون ويخططون، لكن باعتقادي أن الصدام قادم.

ففي الوقت الذي كان فيه هناك لقاء أفغاني ـ طالباني مع الحكومة في إيران، كانت قوات طالبان تتقدم على الشمال الغربي وتسيطر على “بادغيس” قرب هيرات المجاورة للحدود الإيرانية، وفي ذلك رسالة واضحة لطهران.

اتفاق الدوحة

ـ: هل نستطيع القول إن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان ثمرة لاتفاق الدوحة.. وكيف ترى دور قطر في الملف الأفغاني؟

ـ بكل تأكيد، فإن ما حصل في الدوحة أنموذج يحتذى به في التفاوض الدولي، ولا ننسى أن المفاوض القطري مطلق بن ماجد القحطاني حصد جائزة أممية كأفضل مفاوض لعام 2020. فالمفاوضات الصامتة والهادئة أثمرت وقف نزيف عشرين عاماً، وهذا بالتأكيد نصر للمفاوض القطري الذي نجح فيما فشلت فيه الأمم المتحدة لعقود. فنجاحات المنظمة الأممية تنحصر فقط في بناء خيام ومخيمات، بينما نرى انتكاساتها في فلسطين وسوريا وليبيا واليمن، ومن قبل أفغانستان، والواضح أن قطر لم يكن لها همّ ومصلحة سياسية ونفعية من وراء هذا الاتفاق سوى ما فرضه الاتفاق من احترام وسمعة دولية لقطر، ولعل انتفاء المصلحة القطرية شجع الأطراف على الإنصات والتعامل بإيجابية مع الدوحة لسنوات.

دكتور أحمد يوقع كتابه “صيف أفغانستان الطويل من الجهاد إلى الإمارة”

ـ: صدر لكم مؤخراً كتاب “صيف أفغانستان”.. ما الذي يمكن أن يضيفه الكتاب للمهتمين بالشأن الأفغاني؟

ـ باعتقادي كتابي “صيف أفغانستان الطويل من الجهاد إلى الإمارة” فريد من نوعه في المكتبة الأفغانية وبكافة اللغات، فقد استند إلى شهادات حية ومباشرة لكل صناع القرار الأفغاني من باكستانيين وأفغان وغيرهم على مدى 4 عقود خلال تغطيتي الصحفية، فكما كتبت المسودة الأولى للتاريخ عبر التغطيات الصحافية، كتبت أخيراً المسودة الأخيرة، واستندت فيها على مقابلات مع كل صناع القرار من رؤساء ورؤساء وزراء وقادة جيوش ومديري مخابرات باكستانيين، وقادة أفغان وطالبانيين، وهذه المقابلات حصرية لساعات طويلة، وغطيت في الكتاب ما قبل ظهور الحركة الإسلامية الأفغانية وظروف الجهاد الأفغاني، ثم صعود طالبان الأول فانتكاستها فصعودها الثاني، وحتى عام 2020 حيث مفاوضات الدوحة، آمل أن يشكل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية فيما يتعلق بأفغانستان، وترجمته باللغات الحية الأخرى بإذن الله في الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: