مقالات

ياسر سعد الدين يكتب: هل باع اردوغان المعارضة المصرية؟

يحتفي الذباب الالكتروني في فضاء الإنترنت بما يعتبره انتصار السيسي على أردوغان من خلال رسائل الود والتي ترسلها أنقرة للقاهرة والذي يقابلها تمنعا مصريا ودلالا، بل ويذهب بعض المحسوبين على التيار الليكودي العربي خصوصا في الفضاء الإعلامي إلى أن أردوغان قد تراجع عن مواقفه السابقة والصارمة من الإنقلاب العسكري السيساوي على أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيا في التاريخ الحديث. ومع التضييق والذي أصاب قنوات فضائية إعلامية مصرية معارضة ليمتد بعد ذلك لإعلاميين انتقلوا من وسائل الإعلام إلى وسائل التواصل الإجتماعي، حاملين قضيتهم وهموم بلدهم المستنزف والمستباح، يرتفع الضجيج الإعلامي الليكودي العربي والذي يزداد إرجافا زاعما بأن أردوغان عاجلا أو آجلا سيسلم معارضين مصريين وغير مصريين للطغاة الذين يحكمون بلادهم.

قبل محاولة التعليق وقراءة المشهد السياسي التركي وتحليله، وبغض النظر عن الأسباب والدوافع فإن التضييق على الحريات والإعلام بشكل عام أمر مرفوض ومدان. فالإضطرار والذي يسمح الإسلام من خلاله للمسلم أن يأكل الميتة أو لحم الخنزير، لا يجعل الحرام حلالا ولكنه يقبله إستثناءا وفي ظروف مشددة ومقيدة وهو قبول مؤقت بظروف خاصة، يؤكد على الحرمة ولا يلغيها أو يخفف منها بل ويشدد عليها ويؤكدها. كما إن ما يجادل به البعض أن الديمقراطية التركية لم يشتد عودها ولم تترسخ جذورها، مستشهدا بأن الأمر لا يحدث في الديمقراطيات الغربية العتيدة (أن تأمر معارضا بالتوقف عن المعارضة القولية) قد يبدو هنا قولا مقبولا وحكما منصفا. مع التذكير بأن المواقف الغربية الرسمية إجمالا، هي مواقف داعمة للدكتاتوريات والإستبداد في دولنا العربية والإسلامية، وهي وإن قد تسمح للمعارضة بأن ترفع صوتها في عواصمها ولكنها في المقابل تمد أنظمة الإستبداد بكل مقومات القمع والبقاء وتدعمها في العلن والخفاء للبقاء في الحكم مقابل مصالح مادية لتلك الدول الغربية على حساب دولنا وشعوبنا. مع التذكير بأن تركيا وقفت وحيدة لسنوات في معارضة الانقلاب العسكري المصري الدموي في الوقت الذي فتحت عواصم أوربية عريقة أبوابها للسيسي وفرشت له السجاد الأحمر فيما كانت يداه وما تزال تقطران بدماء الأبرياء في رابعة والنهضة وحملات الإعدام المتواصلة ضمن قضاء فاسد ومسيس وظالم.

بعد نحو عشرين عاما في الحكم ومن خلال متابعة متواصلة له ولمواقفه السياسية مع الجميع، مع العسكر في عز جبروتهم، ومع الغرب ومع روسيا وغيرهم، لا يساورني أدنى شك في أن أردوغان، مخلص لشعبه ولبلده ولإمته ولدينه، ولكنه أيضا بارغماتي يقدم تنازلات تبدو صعبة أحيانا متراجعا للخلف ولكن ليحقق بعد ذلك تقدما راسخا وأحيانا كاسحا. تنازل أمام العسكر في بدايات حكمه وتراجع مرات ومرات عن مواجهتهم ليقصيهم عن السياسة وبطريقة راسخة مكينة. تنازل أمام الروس في ملفات ليسجل نقاط كاسحة في اذربيجان وواضحة في ليبيا. صعد مع واشنطن ثم تراجع ثم تقدم وناور وهكذا، تحركه مبادئه ولكن يرجع في قرارته وتحركاته إلى موازيين القوى ويرضى بالهزيمة في جولة لكي لا يخسر المعركة.

تركيا محاصرة وهي في حالة أشبه ما تكون في حرب، خصومها يتربصون بها من كل جانب. في سوريا تحديات كبيرة وفي ليبيا ضغوطات ورمال متحركة فيما محاولات ضرب الإقتصاد التركي لا تعرف التوقف ولا التقاط الإنفاس، والإرهاب الداخلي يلقى دعما دوليا وتبدو الإمارات ونيابة عن إسرائيل الخصم والذي يتحرك بخبث وحقد ولؤم ضد تركيا بل وضد الأمتين العربية والإسلامية. وتبدو تحديات البحر الأبيض المتوسط أيضا شاخصة أمام تركيا والتحالف الصهيوني الإماراتي اليوناني المصري لن يضر بمصالح تركيا فحسب بل وحتى بمصر والتي لا يبدو أن حكامها مشغولون بذلك أكثر من إنشغالهم بالبقاء في الحكم ولو في بلد تعطشه أثيوبيا وتحاصره الطموحات الصهيونية وتعبث به مجون الإمارات السياسي.

ضمن التصالحات الخليجية الأخيرة، تبدو الدوحة متصالحة مع القاهرة والرياض أكثر بكثير منها مع الإمارت، وتبدو أن هناك محاولات قطرية تركية لإبعاد القاهرة عن أبوظبي خصوصا وأن القاهرة شعرت بأن أبوظبي بعد تطبيعها مع تل أبيب، تريد محاصرة الدور المصري وأن الأمارات داعمة لإثيوبيا في حصار ها المائي لمصر. الاقتراب التركي من مصر قد ينقذ حتى مصر من المزيد من الضياع والمضي في طريق يصعب عليها أن تعود منه أو تنفك عنه، ليس حكما ولا نظاما بل شعبا وكيانا.

شخصيا لا أملك الإ أن أعبر عن حزني الشديد على التضييق وأتعاطف كثيرا مع المصريين ممن حرموا منابر التعبير عن أنفسهم وأرائهم. ولكن رب ضارة نافعة، ليذكرني الحصار والتضييق على المعارضين بظلال من صلح الحديبية حين رآى المسلمون بشرط إرجاع من أسلم من أهل قريش إلى المشركين فيما لا ينطبق الأمر على المسلمين إذا ارتدوا والتحقوا بالكفار، غبن على المسلمين. وإذا به يشكل نقطة تحول أعفت المسلمين الجدد من أي إلتزام ليقوموا بحرب عصابات استنزافية ضد قريش ومصالحها. ما يجري يظهره خشية القاهرة من أي صوت معارض وهو ما لا تخشاه انقرة، كما إن ما حصل أكسب المعارضين المصريين المقيمين في تركيا شعبية كبيرة وتعاطفا وزخما قد يكون له ما بعده.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: