مقالات

د. محمد هنيد يكتب: المنطقة العربية ودولها “فاسدة”

أولا ـ لا يختلف اثنان اليوم في أن المنطقة العربية ودولها فاسدة، وأنّ الفساد هو الجامع المشترك الأبرز بين هذه المقاطعات وإنِ اختلفت نسبه وصوره من بلد إلى آخر.

ثانيا ـ لا يكاد ينجو قطاع واحد من طاعون الفساد سواء في الاقتصاد أو السياسية أو الدين أو المجتمع على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة أي أنّ الورم السرطانيّ قد تمكّن من كامل الجسد وهو منتشر أفقيا وعموديا ومبثوث في كل مكان.

ثالثا ـ الجميع في بلاد العرب من سياسيين ومفكرين ومسؤولين يتحدّثون عن الفساد ويرفعون عاليا لواء الحرب على الفساد.

الخلاصة هي أن البلاد العربية فاسدة وأن الفساد في كل مكان لكنّ الجميع يتحدث عن الفساد ويُدينه والكل يرفع شعار الحرب على الفساد والفساد باق ويتمدّد. أين الخلل إذن؟ كيف يكون الشيء في كلّ مكان والجميع يدّعي محاربته؟ هل من مصلحة السلطة العربية محاربة الفساد؟ ماذا تستفيد الدولة العربية من القضاء على الفساد؟ أليس الفساد في الحقيقة هو شرط وجود الدولة العربية نفسها؟

الفساد كيانٌ هلاميّ

لا أحد تقريبا يستطيع تعريف الفساد بحدّ جامع مانع فما هو الفساد؟ هل يجيب المُعجم؟ قطعا لا يستطيع ذلك. يكتفي المعجم بسرد بعض المرادفات مثل الجدب والقحط والخراب أو التلف والعطب والخلل. لقد تجاوزت مجالات الفساد وتطبيقاته كل امكانيات اللغة وكل حدود المعجم حتى صار عصيّا على التعريف مثل مصطلح الإرهاب وهو مؤشر لساني معجمي على تفشى الظاهرة وانتشارها بشكل تحوّلت معه إلى مكوّن مصاحبٍ لكل مجالات الاجتماع البشري.

يكون الفساد فرديا ويكون جماعيا يكون عموديا من السلطة إلى المجتمع ويكون أفقيا من المجتمع إلى المجتمع. هناك الفساد الأكبر فساد الدولة وفساد العصابات المرتبطة بها وهناك الفساد الأصغر وهو فساد الأفراد عبر سلوكات الغش والتحيل والسرقة والتزوير والانحراف والإجرام. يكون التعليم فاسدا والقانون فاسدا والتربية فاسدة والإعلام فاسدا وكل الحقول الرمزية كذلك.

مجالات الفساد ومستوياته وأطواره ونتائجه وأسبابه أكثر من أن تُحصى في مقال أو حتى في كتاب لكنها تؤشر جميعها على خطورة هذه الظاهرة التي تفتك بالأمم والأفراد والجماعات فتكا. الفساد لم يعد ظاهرة خارجية بل صار مكوّنا ثقافيا وسلوكيا وهي أخطر أطواره وأشدّها فتكا لأن التطبيع مع الفساد باعتباره تحصيل حاصل وبأنه سلوك اجتماعي مقبول هو آخر أطوار الأمم والشعوب قبل الخروج من التاريخ.

الفساد في بلاد العرب

قد لا يختلف إثنان بما فيهم أشد الفاسدين فسادا في أنّ الدول العربية اليوم تتربع على عرش الفساد عالميا وهي مرتبة لا تنافسها عليها إلا بعض الدول الإفريقية المتخلفة.  الفساد في كل مكان بل هو الحاكم الحقيقي في كل قطاعات الحياة العربية ولا تكاد تفلت منه قطعة من قطع الوطن الكبير فليس الفساد في بلادنا جزءا من الكل كما هو الحال في بقية دول العالم بل هو الكل في الكل وإن لم يعترضك الفساد في قطاع ما فهذا استثناء لا يكسر القاعدة.

لقائل أن يقول: لكنّ الفساد موجود في أعتى الديمقراطيات ولا تكاد تخلو منه دولة من الدول.. هذا صحيح لكنّه هناك مُطارد بسلطة القانون أما في بلاد العرب فإنه ينتشر بسلطة القانون نفسه. لا ينتشر الفساد ولا تتمدّد دولته وتقوى شوكته وسلطانه إلا إذا كان الحاكم ساهرا على نشره والتمكين له بل يمكن القول دون مبالغة أنّ السلطة السياسية العربية لم تأتِ ولم تُنصّب إلا لتمكّن للفساد الذي سيخلف الاحتلال العسكري المباشر. كيف ذلك؟

لم تُغادر جيوش المحتلين بلاد العرب منذ أواسط الخمسينيات من القرن الماضي إلا بعد أن وضعت أسس دولة الفساد في بلادنا وعلى رأسها تقسيمات سايكس بيكو نفسها بما هي رأس رؤوس الفساد. تحوّلت محميات الاحتلال إلى دول ثمّ نصّب على رأس كل دولة أكثر الأنظمة فسادا بدءا بالأنظمة القومية التي لم تخلّف إلى اليوم غير الخراب والدمار والانقلابات.

عملت الدولة الوطنية على تكريس مبدأ الفساد في توزيع الثروات والسياسة الخارجية والمغامرات العسكرية حتى وصل الوباء إلى الثقافة والصحة والتعليم والعقيدة نفسها. إن بلوغ الفساد المستوى الرمزي للدولة بعد أن أطاح بالبنية التحتية المادية هو أخطر المؤشرات على بلوغ الأمة أخطر أطوارها التاريخية وأكثرها حرجا.

تتجلى هذه الخطورة في فساد أدوات محاربة الفساد. ليس دور الدين والتعليم والتربية وكل أشكال البينة الثقافية للمجتمع إلا بناء الإنسان السويّ بشكل يجعله الأقدر على الابتعاد عن الفساد وعلى مقاومته بما هو وباء المجتمعات والشعوب. وهو نفس الدور المنوط بالقضاء وكل المنظومات الرقابية في الدولة فإذا فسدت الأدوات وأصابها الفساد فإن عملية الإصلاح تصبح حينئذ شبه مستحيلة.

اليوم تكون الدول العربية قد بلغت هذا الطور الخطير في نماذج عديدة كمصر وتونس ولبنان والسودان واليمن والجزائر وأغلب الأقطار العربية بشكل جعل منها دولا عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة المادية لمواطنيها. هذا الطور من الانحدار والتردّي هو تاريخيا آخر أطوار النظام الرسمي العربي وهو الطور الذي حاولت ثورات الربيع تداركه ومنعه.

لن تكون أمام المنطقة العربية من مخارج ممكنة بعد إجهاض الربيع العربي الذي جاء ثورة على الفساد وحربا عليه. فإمّا أن تتجدد الموجة الثورية لتصحح المسار وتقضي على الفساد فتمنع السقوط في الهاوية أو أن تقضي دولة الفساد على الأمة من الداخل فتنهار وتسقط في هوة لا خروج منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: