مقالات

ياسين اقطاي يكتب: تركيا الأقرب للشعب الأفغاني والأكثر موثوقية

لقد انتقلت العلاقات التركية-الأمريكية إلى مستوى إيجابي لم يكن يتوقعه أحد، وذلك إثر اللقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي جو بايدن، خلال قمة قادة حلف “الناتو” في بروكسل مؤخرًا.

لا يمكن إنكار ما يحوزه كلا الزعيمين من مهارات دبلوماسية ونُهُج واقعية. وبالطبع إلى جانب ذلك كان هناك الكثير ممن ربطوا بين ذلك وبين الدور المتوقع من تركيا في أفغانستان. ولقد انعكس ذلك حين تحويل التصريحات بهذا الخصوص إلى مادة خبرية، حيث أشار البعض إلى أن “تركيا هي الدولة الأكثر موثوقية لمهمة ما بعد الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان”، وفي المقابل كتب البعض أن “تركيا هي المقاول الجديد للولايات المتحدة”. وللأسف فإن استخدام هذا التعبير ينمّ عن عدم وجود استيعاب لفهم دور ورؤية تركيا في أفغانستان، أو دول أخرى مثل سوريا وليبيا والصومال.

ولذلك نجد أصحاب تلك العبارات، دائمًا ما يحاولون خلق اتهامات يقدحون خلالها الدور الذي تلعبه تركيا في العديد من المناطق. ومن الواضح أن هذه المقاربة التي تمارس إجحافًا بحق رؤية وموقع تركيا على حد سواء، ولا تستحقها تركيا على الإطلاق، هي في الأغلب مقاربة تعتمد على سوء ظن متعمد إزاء تركيا، وهي بأحسن الأحوال تحتاج إلى شيء من إعادة التأهيل كي تتعرف على تركيا الجديدة.

على الرغم من جميع هذه الاتهامات التي يوجهونها منذ البداية لتركيا في جميع عملياتها الخارجية، إلا أن تركيا برهنت على أنها تمتلك رؤيتها الخاصة فقط في جميع عملياتها الخارجية سواء في سوريا أو ليبيا أو الصومال وغيرها من مناطق تتواجد بها تركيا. ولهذا السبب بالتحديد نجد أن تركيا دائمًا ما تواجه خلال تلك العمليات فاعلين آخرين مغايرين لها، كالولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل ومقاولين من الخليج وما شابه. وحينما بدأ أولئك الفاعلون بمهاجمتها عبر وكلائهم مثل تنظيمات PYD/PKK وغولن وداعش، اضطرت تركيا لخوض حرب صارمة.

أما بالنسبة للولايات المتحدة التي أجرت تقييما واقعيًّا قدر المستطاع تلخصت فيه إلى فشلها الذريع في مهمتها بأفغانستان، فإنها في الأصل منذ العام 2015 كانت تضع خطط الانسحاب من هناك.

وفي المقابل لا أحد ينكر أن تركيا كعضو في حلف الناتو قدمت ولا تزال تقدم أكبر مساهمة في أفغانستان منذ البداية. إن الوجود التركي في أفغانستان لا يُنظر إليه على المستوى الشعبي بأفغانستان على أنه شبيه بالوجود الأمريكي، أو أي دولة أخرى بحلف الناتو. وعلى الرغم من أن تركيا تتواجد الآن هناك ضمن حلف الناتو، إلا أنها تعتبر الأقرب بالنسبة للشعب الأفغاني، والدولة الأكثر موثوقية أيضًا بالنسبة لهم.

ليت أن الناتو لم يتدخل منذ البداية ولم يحشر أنفه هناك، أو كان لتركيا في ذلك الوقت الإمكانيات الموجودة حاليا كي تمكنها من دخول أفغانستان عبر رؤيتها الخاصة وليس ضمن الناتو. حينئذ كان بإمكان تركيا أن تساهم بشكل أكبر بكثير في المصالحة بين المجموعات المتناحرة، كوسيط ضمن عملية التفاوض التي من شأنها أن تضمن استقرار البلاد.

إن تركيا بصفتها جهة فاعلة موثوقة يمكن أن تتمتع بمهمة الوساطة على المدى الطويل، وأن تحظى خلال ذلك بقبول إيجابي من جميع الجهات هناك حتى طالبان.

لا شك أن كلًّا من إيران وباكستان والولايات المتحدة تحظى بتأثير في تلك المنطقة، ولها مجموعات تخضع تحت تأثيرها كذلك، إلا أنّ تركيا كما أنها تحظى بقبول إيجابي من الأطراف الداخلية لكنها في الوقت ذاته على مسافة مفتوحة للتعاون الضروري مع الجهات الخارجية المؤثرة أيضًا.

إن تركيا من خلال مهمتها ورؤيتها القائمة على توفير السلام والعدالة والاستقرار والتنمية في العالم الإسلامي، قد يتداخل وجودها في أفغانستان أو يتعارض مع الجهات الخارجية والدولية هناك، لكن على أي حال لا ينبغي اتهام تركيا في هذا الخصوص بأنها وكيل أو مقاول لأي أحد.

تعتبر طالبان قوة مهمة في أفغانستان وتمثل جزءًا مهمًّا من الشعب الأفغاني. بل إنها تشكل الكيان الأكثر تنظيمًا بنظر عامة الشعب الأفغاني. ولقد رأت ذلك الولايات المتحدة بوضوح، وهو ما دفعها منذ العام 2015 للتعامل مع طالبان كطرف تحتاج للتفاوض معه وقدمت في سبيل ذلك تنازلات. ومن المهم جدًّا لتركيا أن تتبنى موقفًا يحتضن الجميع في أفغانستان، دون استبعاد طرف من أطراف النزاعات السياسية الموجودة هناك.

على الرغم من انسحاب الناتو وعلى رأسه الولايات المتحدة من الحرب ضد طالبان، فإن الوضع الداخلي الآن ينذر بإمكانية اندلاع حرب داخلية في أي لحظة. وفي ضوء ذلك يجب على تركيا أن لا تقف في الصراع الداخلي مع طرف ضد آخر، لا سيما حيال الصراع بين طالبان وتحالف الشمال، يجب أن لا تقف إلى جانب تحالف الشمال فحسب، ولا يبنغي أيضًا أن ترسخ وجودها هناك من أجل محاربة طالبان، بل كعنصر استقرار يحترم حقوق جميع المكونات سواء طالبان أو غيرها.

لا يوجد أي جدوى من مواصلة العداء الذي لا يزال حيًّا لدى الجماعات التي تم تنظيمها ودفعها ضد طالبان من قبل الولايات المتحدة. لا سيما وأن انسحاب الولايات المتحدة يعني بشكل أو بآخر ترك الأطراف الأفغانية وشأنها دون تدخل وتحريك. ومن المتوقع في هذا الصدد أن تلعب تركيا دورًا دقيقًا وعادلًا من أجل توفير جو للنقاش والحوار بين الأطراف الأفغانية، والتواصل فيما بنيها. وإذا نجحت تركيا في لعب هذا الدور، فستكون قد نجحت في دور تاريخي مفيد للغاية بما يتماشى مع مهمتها.

ما يجب التفكير به الآن بشكل أكبر هو النظر إلى التوازنات العرقية والسياسية الموجودة في أفغانستان، ودراسة الفرص والتهديدات أمام تركيا حيال تجاوبها مع ذلك.

وللحديث بقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: