مقالات

ياسر عبد العزيز يكتب: دروس مستفادة من تجربتي في Clubhouse

لعلك لا تعرفه 

دعني آخذ من وقتك ثواني ومن المقال أسطراً لأعرفك بماهية تطبيق Clubhouse لعلك لا تعرفه، تم إطلاق التطبيق من شركة “أندرسون هورويتز” الاستثمارية في شهر أبريل 2020، التي استثمرت فيه مبلغ 12 مليون دولار أمريكي، استغرق العمل على التطبيق قرابة أربعة أشهر قبل أن يخرج للتجارب الأولية، اكتسب التطبيق شعبية كبيرة خلال الأشهر الأولى من انطلاقه مستفيداً من عملية الإغلاق التي شهدها العالم إثر جائحة كورونا، واستطاع التطبيق كسب ثقة 600 ألف مستخدم خلال أشهر التجارب. التطبيق يصنف ضمن تطبيقات التواصل الاجتماعي ويتميز بأنه للدردشة الصوتية، تؤسس فيه غرف يمكن أن تستوعب مستخدمين حتى 5000 شخص، وهو ما لا تتيحه التطبيقات الأخرى، كما يتميز بأنه لا يسمح بتسجيل أو نسخ أو مشاركة المحادثات الدائرة داخل الغرف، وهو ما قد يفسّر منعه في بعض البلدان، كالأردن وعُمان والصين!

العرب وClubhouse 

 

التطبيق أكثر انتشاراً في الخليج العربي الأكثر ثراءً، بين شعوب الأمة مترامية الأطراف والأجساد، ويرجع السبب في أن الخليج العربي أخذ زمام السبق في التفاعل مع التطبيق لأنه كان في بداياته خاصاً بأجهزة وإصدارات شركة Apple فقط الأغلى ثمناً، ولعل دخول باقي العرب على خط استخدام التطبيق والانخراط في غرفة بعد أن تعطف ملاك التطبيق على شعب الأندرويد وسمحوا لهم بالولوج مع الأغنياء.

وفي رحلتي مع تطبيق Clubhouse رأيت العجب، فلقد كشف التطبيق أكثر ما كنا نعلمه، وللأسف، الآفات التي كشفها التطبيق لا يستثنى منها أحداً، وأهم هذه الآفات آداب الإنصات والحوار، فعلى الرغم من أن العرب قديماً هم أول من رتب آداباً للحوار، وكتب علماؤهم مؤلفات في ذلك، بل حتى المناظرة، وهي مرتبة ما بعد الحوار، كتب العرب في تأصيلها وتقعيد قواعدها، إلا أن أغلب الغرف التي قد تزورها أو تطلب الحديث فيها تصدمك عدم إدراك المضيف ولا الضيف تلك الآداب، ولم يحمل نفسه عناء القراءة في هذه الآداب، فالكل في واحد والحديث عن حرية الرأي متكرر، لكن انتهاكه دوماً ما يصاحب الحديث عنه، ولا يعلم من المتحاورين أن آداب الحوار والحديث ليس ترفاً، فبغيرها سينهار الحوار من قبل أن يبدأ، فلو يعلم من يفتح الغرفة أن الهدف من عنوانه لن يتحقق إلا بآداب الحوار لكان علقها على بابها، ولقال لا يدخلن أحدكم قبل أن يعلم أن للحوار آداباً، ولو كنت صاحب غرفة لكتبت لا يدخلنها عليكم اليوم إلا عالم بما يراد، صادق النية فيما يقول حتى الوصول إلى الحقيقة، وعليه أن ينصت إلى محدثه، لا أن يعطيه الكلمة كي يقطعه، ولعل المشهد الذي كان دوماً يخيل بين ناظري، ذلك المشهد من مسرحية الفنان محمد صبحي “تخاريف” وهو يمثل دور الزعيم الديكتاتور فيسأل المواطن: “هل أنت من مؤيديي أم والعياذ بالله من المعارضين؟ وهو يشير إلى نحره”، هكذا من يفتح الغرفة، يعطي الكلمة لمتحدث وينتظر منه إما أن يمدحه على واسع علمه أو يوافقه الرأي ويعضد ذلك الرأي، وهم في ذلك أشبه بحوار الطرشان، لا يسمع أحد أحداً ولا يصل السائل لإجابة ولا يوصل المسؤول للفكرة، فلا صبر ولا حلم ولا حرية للرأي، ولعل بعد ذلك تأتي القسوة والتقريع لكل ذي رأي مخالف، ناهيك عن السباب والتخوين فلا ميل للإقناع وطريق للالتقاء، فصاحب الغرفة يرى فيمن يخالفه الرأي، ولو على سبيل الاستهلال وصولاً للاتفاق، عدو يجب التخلص منه، فلا أريكم إلا ما أرى ولا أعطيك فرصة الحديث إلا لكي تمجّدون، وعلى ذكر التمجيد، فقد أوصى علماؤنا بالتواضع، وهي خلاصة قلما وجدتها في أصحاب الغرف، فتجد أحدهم يرى في غرفته ملكوتاً خاصاً يقضي فيه بين العباد، أحدهم قال لمتحدث: أنا أعطيتك الفرصة كي تعبر عن رأيك وهو ما أشكر عليه! ولا أظن أنه كان ليعرض على مخيلة العرب حين كتبوا آداب الحوار أن يأتي يوماً ليقال فيه بين متحاورين هذه العبارة، وفي الغالب تجد الحوار من غير مصطلحات محررة، ولا مفاهيم متفق عليها، ومحددات الحديث غائبة، وموجات الأفكار تتلاطم، تأخذ دفة الحديث حيث أرادت من غير محددات، فالكلام غايته الكلام، وعليه فلا دليل على ما يقال ولا سند لما يسرد، فالهدف انتصار الرأي فلا مانع من اختلاق الحوادث، أو استخدام أسلحة أخرى كالسخرية والتسفيه، لاسيما أن صاحب الغرفة غالباً يفتحها ومعه ثلة من مريديه أو مؤيدي رأيه.

جسور التواصل بين القطع والقصف 

 

في الحديث: (إذا رأيتَ شحاً مطاعاً، وهوى متبَعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فدع عنك أمر العامة، وعليك بخاصة نفسك)، صانعو تطبيقات التواصل الاجتماعي هدفوا إلى مد الجسور التي قطعتها ظروف الحياة، فلا ينفق المستخدمون من أوقاتهم وأموالهم الكثير للتواصل مع قريب أو صديق، لضيق الوقت وصعوبة الحياة، فيكفي أن تسرق من الوقت دقائق تتواصل مع أسرتك أو عائلتك أو أصدقائك، أو تفتح حواراً من أجل تبادل الخبرات العملية أو المهنية أو حتى العلمية، فالأصل من صنع هذه المنصات هو التواصل  من أجل أن التقارب، أما نحن العرب فاتخذنا من هذه المنصات فرصة لتطبيق الحديث المذكور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيما فيما يتعلق بإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهي آفة منبعها شهوة الكلام وهي مرض يسيطر على الإنسان، فيفقده أحبابه ويخلف له الأعداء وينزع أواصر المحبة، ويقطع الوشائج، فشهوة الكلام تجعل المبتلى بها يستأثر بالحديث دون النظر إلى الجالسين في المجلس وتنوعهم ومدى علمهم أو حاجاتهم لما يقول، فلا يدع لأحد مجالاً للحديث فالرأي ما يرى والوقت ملكه يقسمه على نفسه أو على الآخرين بمقدار ما يأخذ نفساً، أو يبلع ريقاً، في كتاب “كيف تكسب الأصدقاء، وتؤثر في الناس”، وأنا هنا أقتبس: (أن مِن حسن العلاقة مع الناس، إسماعهم كلاماً، يهم الحاضرين جميعاً، أو أكثرهم، أما الكلام الذي لا يهم، سوى صاحبه، في مجلس عام، فهو مُنافٍ للخلق والذوق، ويستثير المشاعر السلبية المختلفة لدى الحاضرين، تجاه المتكلّم).

بعد خمسة عشر يوماً من رحلتي إلى Clubhouse مستمعاً غير مشارك، مراقباً غير متفاعل، قررت أن آخذ بنصيحة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- في الحديث السابق ذكره في نصفه الأخير: (.. فدع عنك أمر العامة، وعليك بخاصة نفسك)، فإن كنت لن أترك الشأن العام فإنني قررت أن أدع شأن العامة بكلوب هوسهم وما فيه من جعجعة من دون طحين، وأعمل Uninstall للتطبيق وأعود من حيث بدأت لا هازم ولا مهزوم، فهذا العالم له ناسه وما لمثلي طاقة به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: