مقالات

د. علي الصّلابيّ يكتب: عماد الدين زنكي.. نشر العدل بين رعيته وكرّس حياته للوقوف بوجه الخطر الصليبي

كان عماد الدين زنكي حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين، معتدل الطول، وخط الشيب رأسهُ في سنين حكمه الأخيرة، وكان ذا شخصية قوية، شديدة الهيبة على رعيته وجنده، جاداً في معظم الأحيان، وكان جدُّه الصارم يمنعه من الاستسلام للراحة، أو الترف، ويدفعهُ إلى مواصلة كفاحهِ من أجل أهدافه، ويجعل أصوات السلاح ألذ في سمعهِ من غناء القينات، وإليكَ تفصيل أهم صفاته.( المقدسي، عيون الروضتين، (1/108)

 شجاعته:  فقد ورث الشجاعة عن أبيه الذي تقدم في جيش ملكشاه، وقد مرَّ معنا شيءٌ من سيرته وقوله لتتش المنتصر وهو الأسير بين يديه: لو ظفرت بك لقتلتك، ويلقى نتيجة جرأته، فيقتله تتش صبراً. (ابن واصل، مفرج الكروب (1/26). وقد تقدم عماد الدين عند أمراء الموصل بشجاعته، وظهرت شجاعته في القتال في زمن مبكر، فقد سار مع مودود في غزوته ضدَّ الإفرنج، وخرج إفرنج طبرية للدفاع عنها، فحمل عليهم، وانهزم الإفرنج من أمامه، وطعن بباب سور طبرية طعنة أثرت فيهِ وكان أصحابهُ قد تأخروا عنه، لما قرب من الأسوار ومع ذلكَ قاتل متراجعاً، فعجب الناسُ من شجاعتهِ ونجاته. وقال أبو شامة في شجاعته: «وأما شجاعتهُ وإقدامهُ فإليهِ النِّهايةُ فيهما، وبه كانت تضرب الأمثال، ويكفي في معرفة ذلكَ جملةً: أن ولايته أحدق بها الأعداء والمنازعون من كل جانب: الخليفة المسترشد، والسلطان مسعود، وأصحاب أرمينية وأعمالها، وبيت سُكمان، وركن الدولة داود صاحب صحن كيفا، وابن عمه صاحب ماردين، ثم الفرنج، ثم صاحب دمشق، و كان ينتصف منهم، ويغزو كُلاًّ منهم في عقر دارهِ، ويفتح بلادهم، ما عدا السلطان مسعود فإنه كان لا يباشر قصده، بل كان يحمل أصحاب الأطراف على الخروج عليه، فإذا فعلوا عاد السلطان محتاجاً إليه، وطلب منه أن يجمعهم على طاعته، فيصير كالحاكم على الجميع، وكلٌّ يداريه، ويخضع له، ويطلب منهُ ما تستقر القواعد على يديه» وحمل على قلعة عقر الحميدية في جبال الموصل، وأهلها أكراد، وهي على جبال عالية، فوصلت طعنتهُ إلى سورها، وفي حصار الرُّها، جمع أمراءهُ عنده، ومد السماط، وقال: لا يأكلْ معي على مائدتي هذه إلا من يطعن معي غداً في باب الرُّها، فلم يتقدم إليهِ غير أمير واحد، وصبي واحد لا يعرفه، لما يعرفون من إقدامه وشجاعته وأن أحداً لا يقدرُ على مساواته في الحرب. فقال الأمير لذلكَ الصبي: ما أنت وهذا المقام، فقال عماد الدين: دعه، فإني أرى واللهِ وجهاً لا يتخلف عني .(ابن واصل مفرج الكروب (1/93)..وكان يقدر الشجعان، وكان لا يضطرب أمام أي خطر.

ذو دهاء ومكر وحيلة: كان ذا دهاءٍ، ومكرٍ، وحيلة، وذكاء نافذ في مجابهة المشاكل الحربية، والسياسية، وقد مكَّنهُ ذلكَ من اجتياز كثير من الصعوبات، وتحقيق مزيد من الانتصارات، فمن مناوراته البارعة ضدَّ التحالف البيزنطي الصليبي عام 532 هـ أن أرسل إلى قادته، يقول: إنكم قد تحصنتم بهذه الجبال، فاخرجوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي، وتكون الغلبة لأحدِ الطرفين، فظن الروم والصليبيون أن وراءه قوات ضخمة أتاحت لهُ أن يطرح تحديه، فتجنبوا لقاءهُ وهو ما كان زنكي يرجوه، ثم راحَ بعد ذلكَ يراسل إمبراطور الروم، ويوهمهُ: أن الصليبيين متفقون مع المسلمين سراً وبالعكس، واستطاع بذلكَ أن يبذر بذور الانشقاق في الجبهة المسيحية مما اضطر قواتها إلى الانسحاب هذا إلى أنه فتح الرُّها وهو أكبر نصر حققه في حياتهِ، معتمداً على الحيلة والمكر؛ إذ اتجه إلى امد موهماً الصليبيين: أنه يسعى لحصارها، وما إن رحل أمير الرُّها عن حاضرته مطمئناً إلى انهماك زنكي بمشاكله في ديار بكر حتى انقضَّ الأخيرُ عليها، وتمكن من اجتياحها.(الجزري، الباهر ص 55 ـ 56) 3 ـ

ذكاؤه: من ذكائه: أنه لم يظهر أنه مستقل عن السلاطين السلاجقة، بل أظهر: أنه يحكم بأمرهم، فقد كان معهُ ولدان من أولاد السلطان محمود بن محمد السلجوقي، وهما: ألب أرسلان، وفرخ شاه ويعرف بالخفاجي، وكان يظهر: أنَّ الحكم له في بلاده، وأنه نائب عنه، وكان إذا أرسلَ رسولاً أو أجاب عن رسالة يقول: قال الملك كذا وكذا، وكان ينتظر موت السلطان مسعود، ليجمع العساكر باسم ألب أرسلان، ويخرج الأموال، ويطلب السلطنة، فعاجلته المنية قبل ذلك، وكان ابنه سيف الدين غازي عند السلطان مسعود ليثق بطاعته وكان يثير الأطراف على السلطان مسعود حتى يحتاجه ويجمعهم عليه مرة ثانية ليشتغل بهم عنه.

قدرته على اختيار الأكفاء من الرجال:  وكان يختار الرجال الأكفاء، الذين أخلصوا له، وكانوا دعائم دولته، ودولة أبنائه من بعده، فقد كانت له همَّةٌ عالية، ورغبة في الرجال ذوي الرأي والعقل، ويرغبهم ويخطبهم، ويوفر لـهم العطاء. وقـال ابن الأثير: «حكى لي والدي: قيل للشهيد: إنَّ هذا كمال الدين، ويحصل له في كل سنة ما يزيد على عشرة آلاف دينار أميرية، وغيره يقنع منه بخمسمئة دينار. فقال لهم: بهذا العقل، والرأي تدبرون دولتي؟! إنَّ كمال الدين يقل له هذا القدر، وغيره يكثر له خمسمئة دينار، إن شغلاً واحداً يقوم به كمال الدين خير من مئة ألف دينار، وكان كما قال ـ رحمه الله ـ».(المقدسي، الروضتين (1/159، 160). وكان يتعهد أصحابه، ويمتحنهم، فقد أعطى يوماً خُشكُنانكه إلى طشت دار له وقال: احفظ هذه.

فبقي نحو سنة لا يفارقه خوفاً أن يطلبها منه، فلما كان بعد سنة سأله عنها، فأخرجها من منديل كان لا يفارقه خوفاً من أن يطلب منه، فاستحسن ذلك، وجعله داراً لقلعة كواشي ـ وهي قلعة حصينة في الجبال الواقعة شرقي الموصل، وكان يخطب الرجال ذوي الهمم والآراء الصائبة، والأنفس الأبية ويوسع في الأرزاق، فيسهل عليهم فعل الجميل، واصطناع الرجال، ومن أسباب توفيقه: أنه كان نقاداً للرجال، يعرف كيف يختار الأكفاء الصالحين منهم، ويوليهم ثقته، فمن هؤلاء:

أ ـ بهاء الدين الشهرزوري الذي يقول عنه ابن القلانسي: وكان صاحب عزيمة وهمة نافذة ويقظة ثابتة.

ب ـ ومنهم وزيره ضياء الدين أبو سعيد ابن الكفرتوثي، وكان على ما حكي عنه: حسن الطريقة جميل العقل كريم النفس مرضي السياسة مشهوراً للنفاسة والرئاسة.

ج ـ ومنهم نصير الدين جقر، وقد كان لنصير الدين أخبار في العدل والإنصاف وتجنب الجور والاعتساف، أخباره متداولة بين التجار والمسافرين، ومتناقلة بين الواردين، والصادرين من السفار، وقد كان رأيه جمع الأموال من غير جهة حرام، لكنه يتناولها بألطف مقال، وأحسن فعال، وأرفق توصل واحتيال، فهذا محمود من ولاة الأمور وقصد سديد في سياسة الجمهور، وهذه هي الغاية في مرضيِّ السياسة، والنهاية في قوانين الرياسة.

عدله:  حرص عماد الدين زنكي على نشر العدل بين رعيته، فقد أوصى عُمَّاله بأهل حران، ونهى عن الكلف والسخر والتثقيل على الرعية، هذا ما حكاه أهل حران، وأما فلاَّحو حلب فإنهم يذكرون ضد ذلك؛ لأنه كان يلزم الناس ويجمع الرجال للقتال والحصار، (ابن العديم، زبدة حلب (2/290 ـ 291) . وكان من أحسن الملوك سيرة وأكثرها حزماً وضبطاً للأمور، وكانت رعيته في أمنٍ شامل، يعجز القوي من ظلم الضعيف. ومما رواه أبو شامة: أن الشهيد كان بجزيرة في الشتاء، فدخل الأمير عز الدين أبو بكر الدبيسي وهو من أكابر أمرائه، ومن ذوي الرأي عنده، ونزل بدار يهودي، وأخرجه منها، فاشتكى اليهودي، والشهيد راكب، وبجانبه عز الدين أبو بكر الدبيسي، ليس فوقه أحد، فلما سمع أتابك الخبر، نظر إلى أبي بكر الدبيسي نظرة غضب، ولم يكلمه كلمة واحدة، فتأخر القهقرى، ودخل البلد، فأخرج خيامه، وأمر بنصبها خارج البلد، ولم تكن الأرض تحتمل نصب الخيام، فوضعوا عليها التبن، وخرج إليها من ساعته.

وكان ينهى أصحابه عن اقتناء الأراضي، والاكتفاء بالإقطاعات؛ لأن الأملاك متى صارت لأصحاب السلطان، ظلموا الرعية، وتعدوا عليهم، وغصبوهم أملاكهم، ولحسن سيرته قصده الناس يتخذون بلاده داراً للإقامة. ومن عدله: أنه لما فتح المعرَّة وأخذها من الفرنج جاءه الناس يطلبون أملاكهم، وكان عماد الدين حنفي المذهب ومن مَذهب أبي حنيفة ـ أن الكفار إذا استولوا على بلد؛ وفيه أملاك المسلمين خرجت تلك الأموال عن أصحابها لصيرورة البلد دار حرب، فإذا عاد البلد بعد ذلك إلى المسلمين كانت تلك الأملاك لبيت المال ـ ولما طلب الناس منه أملاكهم استفتى عماد الدين الفقهاء، فأفتوه بما يقتضيه مذهبهم، وهو أن الأملاك لبيت المال، ولا حظَّ لأصحابها فيها، فقال: «رحمه الله: إذا كان الفرنج يأخذون أملاكهم، ونحن نأخذ أملاكهم؛ فأيُّ فرق بيننا وبين الفرنج؟! كلُّ من أتى بكتاب يدل على أنه مالك لأرض؛ فليأخذها. فرد إلى الناس جميع أملاكهم، ولم يتعرَّض لشيء منها».

عبادته:  كان عماد الدين زنكي يشعر بمسؤوليته كمسلم سواء في سياسته وعلاقاته العامة أم في سلوكه الشخصي فقد كرّس حياته وطاقاته في سبيل (الجهاد) ضد الصليبيين، والجهاد من أفضل أركان العبادة، واعتبر نفسه قائد المسلمين الأول في الوقوف بوجه الخطر الصليبي معتقداً أن مركزه ـ كأقوى أمير في المنطقة ـ يحتم عليه ذلك، ولعلَّ موقفه من التحالف البيزنطي الصليبي ضد المسلمين 532هـ يوضح طبيعة نظرته في هذا المجال. فعندما قرر الاستنجاد بالسلطان السلجوقي، واعترض قاضيه بأن ذلك ربما أدى إلى تمهيد الطريق أمام سيطرة السلاجقة على بلاده؛ ردَّ قائلاً: «إن هذا العدو قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار».(الجزري، الباهر ص 62)

وكان كلما قرر التوجه لقتال الصليبيين استثار في المسلمين تعشقهم للجهاد ففي عام 524هـ  على سبيل المثال ـ اتجه إلى الشام وصمم العزم على الجهاد… وإعلاء كلمة الله. وفي عام 532هـ سار إلى بعرين الخاضعة للصليبيين، وجمع عساكره وحثهم على الجهاد، وعندما عزم على فتح الرُّها عام 539هـ تبعته العساكر… عازمين على أن يؤدوا فريضة الجهاد.وقد لاقى فتحه للرُّها استبشاراً عاماً لدى المسلمين في كل مكان: فامتلأت به المحافل في الآفاق، واعتبروه نصراً حاسماً للإسلام ضد الصليبية، ومن ثم فإن مفهوم الجهاد خلع على عماد الدين زنكي صفة إسلامية في نظر المسلمين إلى الحد الذي دفع العماد الأصفهاني إلى القول: «بأنه كان قطباً يدور عليه فلك الإسلام»، كما ذكر رنسيمان أن زنكي اعتبر نفسه «حامي الإسلام» ضد الصليبيين.(البنداري، تاريخ دولة ال سلجوق ص 185)

وتتضح نزعة زنكي الدينية في سياسته الداخلية وفي سلوكه الشخصي كذلك، وهناك العديد من الأمثلة التي تبين إلى أيِّ مدىً بلغ الحسَّ الديني لدى هذا الأمير المسؤول، فعندما قام عام 534هـ  على سبيل المثال ـ بتولية هبة الله بن أبي جرادة قضاء حلب قال له: هذا الأمر قد نزعته من عنقي وقلدتك إيَّاه، فينبغي أن تتقي الله. وكان يتصدق كل جمعة بمئة دينار جهراً، ويتصدق بما عداها من الأيام سرَّاً. كما كان يستفتي الفقهاء والقضاة قبل إقدامه على كثير من الأعمال، وقد أقام الحدود الشرعية في أنحاء بلاده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: