مقالات

محمد خير موسى يكتب: المخرج الحقيقي لتخلص السوريين والفلسطينيين من عقدتي الهولوكوست والأستاذيّة

قبلَ أن ينبري أحدٌ لانتقاد هذا التّعميم فلا بدّ من التأكيد على أنّ المقصود هو شريحةٌ من السوريين غارقة في عقدة الهولوكوست وشريحةٌ من الفلسطينيّين مسكونة بعقدة الأستاذيّة؛ غير أنّهما شريحتان ظاهرتان تعلو أصواتهما في وسائل التّواصل الاجتماعيّ بين الفينة والأخرى حتّى يحسب النّاظر أنّ هاتين الشّريحتين كأنّهما الشّعب كلّه.

كما أنّ تسليط الضّوء على هاتين الشّريحتين يأتي كونهما من الأصوات ذات التّأثير التّراكمي في الوعي والأفكار والتوجهات الممتدّ زمنيًّا ومجتمعيًّا.

السّوريّون وعقدة الهولوكوست

والمقصود بعقدة الهولوكوست؛ عقدة فردانيّة الاضطهاد واحتكار المظلوميّة والنّظر إلى كلّ الأحداث المحيطة من ثقب المعاناة الذّاتيّة للقضيّة وتفسير كلّ الأفعال بناءً على هذه المعاناة.

وهذه العقدة تتجلّى في سلوكيّات عديدة تطفو على سطح وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وقد ظهرت بشكلٍ جليّ خلال الفترة الأخيرة في الحرب التي شنّها الصّهاينة على غزّة وما تلا تلك الحرب من مواقف، ومن تجليّات هذه العقدة:

أولًا: التّهوين من الجرائم المرتكبة في حقّ الآخرين من خلال عقد المفاضلة الدّائمة بين إجرام نظام بشّار الأسد وإجرام غيره من الأنظمة الاستبداديّة لا سيما المقارنة الكميّة والكيفيّة مع إجرام الكيان الصّهيوني من حيثُ أعداد الشّهداء والمعتقلين وأحوال المغيّبين في الزنازين وأقبية المخابرات، وتوصل هذه المقارنة الدّائمة إلى نتيجتين اثنتين بانتباهٍ أو بغير انتباهٍ من فاعلي ذلك وهما؛ تبييض صفحة الكيان الصّهيوني من خلال إظهار إنسانيّته أمام جرائم النّظام الأسديّ، والاستهتار بمعاناة الرّازحين تحت الاحتلال والتّهوين مما يجري بحقّهم من اضطهاد وإجرام ممنهج ممتدٍّ لأكثر من سبعين عامًا.

لتنبري للردّ عليهم شريحة مقابلة من الفلسطينيّين بمحاولة إثبات أنّ الصّهاينة أشدّ إجرامًا وأكثر خطرًا وتشهدُ حلبة السوشال ميديا معركةً عنوانها من هو الأشد إجرامًا؛ من يقتلكَ أو من يقتلني؟

إنّ من سخرية الذلّ وسخرية الهزيمة أن يكون التّنافسُ بين شرائح من الشّعوب المضطهدة والثّائرة لأجل حريّتها واستقلالها وكرامتها فيمن هو الأوسخُ من بين أعدائها والأشدّ إجرامًا.

كم هي باعثةٌ على السخريّة المؤلمة هذه الحال، وكم نكون غرباء عن هويّة الصّراع حين نستسلم لها فتتحوّل إلى عصبيّات جاهليّة مناطقيّة وإقليميّة بغيضة.

ولو وعى المتصارعون على صفحات السوشال ميديا حقًّا لا مجرّد كلامٍ يتردّد بين يدي المناكفة أنّ العدوّ واحد وإن تعدّدت وجوهه، وأنّ الظّالم واحد وإن اختلفت ألسنته، والقضيّة واحدة وإن تنوّعت أقطارها؛ لخففّ الكثيرون من غلوائهم ولغابَت الكثير من السجالات التي تفوح منها أنتان العصبيّات.

ثانيًا: حمّى الهدم والتّحطيم، فالشّعور بفردانيّة المظلوميّة والغرقُ في احتكار الاضطهاد يُشعر صاحبه بأنّ له الحقّ في تحطيم كلّ شيءٍ وتدمير أيّ شيءٍ ما دام مضطهدًا قد تخلّى العالم عنه، فترى هذه الشريحة المسكونة بعقدة الهولوكوست على المستوى الدّاخلي السّوري لم تترك كيانًا ثوريًّا ولا مؤسسة معارضةً إلّا قامت بتحطيمها ولا شخصيّة من الشّخصيّات البارزة في العمل الثّوريّ أو السّياسي إلّا عملت على اغتيالها معنويًّا، فحفلات الهجوم على المكوّنات والأشخاص لم تتوقّف على مدار عشر سنين من عمر الثّورة.

وكذلك على المستوى الخارجيّ لم تتركُ هذه الشريحةَ جماعةً ولا كيانًا ولا مؤسسّة ولا وسيلةً إعلاميّة ولا شخصيّةً بدر منها موقف غيرُ مرضٍ إلّا جعلت لها نصيبًا من التّهشيم والمهاجمة، وهذه براعةٌ غير مفهومة وغير محمودة في فقدان الأصدقاء وتحويل العديد من المتضامنين إلى صفّ الحياد على أقلّ تقدير، وبهذا تتحوّل هذه الشّريحة إلى نقيض مهمتها في حشد الطّاقات المختلفة حول القضيّة والثّورة إلى دفع المقبلين عليها دفعًا عنها.

ثالثًا: مهاجمة المتضامنين مع القضايا الأخرى ورموز تلكم القضايا، فمن يعيشُ عقدة الهولوكوست يرى أنّه وحده الأحقّ بالتّضامن معه، وأنّه لا يُقبل من أحدٍ مطلقًا أن يتضامن مع قضيّةٍ أخرى إلّا إذا كان قد أبرأ ذمّته أولًا بإعلان تضامنه مع قضيّته هو؛ فعلى سبيل المثال وجّهت انتقاداتٌ حادّة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ إلى مجموعةً من الشباب السوريين الذين خرجوا للتّظاهر أمام القنصليّة الصّهيونيّة في إسطنبول ووصفوا بأوصاف قاسية لأنّ المنتقدين لم يروهم في مظاهراتٍ مناصرة للثّورة السّوريّة، كما شنّ العديدٌ هجومًا على سوريين آخرين في مناطق النّظام تفاعلوا مع الحرب على غزّة بينما صمتوا عن جرائم النّظام السوريّ.

وهنا لا نتحدّث عن شريحة المنفصمين أخلاقيًّا ممن اشتهروا بالتّشبيح لنظام بشّار الأسد ثم حاولوا ركوب موجة التّضامن مع فلسطين بل عن أناس عاديين صمتوا وكثيرٌ منهم لظروف متعلّقة بكونهم هم أو أهليهم في مناطق النّظام ويخشون بطشه وإجرامه.

وكذلك تمّت مهاجمةٌ استباقيّةٌ للعديد ممن برزوا خلال المواجهة الأخيرة في حيّ الشّيخ جرّاح وغزّة تحت عنوان أخبرونا عن موقفهم من بشّار الأسد قبل أن نتضامن معهم، وهذا لعمري عجيبٌ في السّلوك الثّوريّ والأخلاقيّ والإنسانيّ.

إنّ تفسير الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة من ثقب الشّعور باحتكار المظلوميّة ومن بوابة القضيّة السوريّة والمشروع الإيراني فحسب يوقع صاحبه في مطبات كثيرة في منهجيّة التعاطي مع الأحداث وتفسيرها

رابعًا: التّفسير العجيب للأحداث، فمن آثار عقدة الهولوكوست أن تفسّر هذه الشّريحة أيّ حدثٍ سياسيّ يقع في العالم كلّه لا سيما في المحيط الإقليميّ من ثقب المظلوميّة الذّاتيّة والقضية السّوريّة والمشروع الإيراني، فقبل سنوات عندما وقعت حرب عام 2012م وحرب عام 2014م في غزّة تعالت أصوات هذه الشريحة بشكلٍ واضح ولافت تتهم المقاومة بأنّها افتعلت هذه الحروب لحرف الأنظار عن الثّورة السّوريّة، ولكن أعجب تفسير كان خلال الحرب الأخيرة هو بعض الأصوات التي راحت تقول إنّ المقاومة افتعلت هذه الحرب لصرف الأنظار عن الانتخابات الرّئاسيّة التي تجري في سوريا بغية تمريرها وترسيخها!!

إنّ تفسير الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة من ثقب الشّعور باحتكار المظلوميّة ومن بوابة القضيّة السوريّة والمشروع الإيراني فحسب يوقع صاحبه في مطبات كثيرة في منهجيّة التعاطي مع الأحداث وتفسيرها وفي النتائج والاستنتاجات التي يصل إليها.

الفلسطينيّون وعقدة الأستاذيّة

وفي مقابل هذه الشريحة من السّوريّين الذين يعيشون عقدة الهولوكوست تبرز شريحةٌ من الفلسطينيين متسربلةٌ بعقدة الأستاذيّة.

ونقصد بعقدة الأستاذيّة عقدة الشّعور بالتّفوّق الاستعلائيّ وإعطاء الدّروس بنَفَسٍ أستاذيّ بعيدٍ عن الأخويّة للآخرين في قضاياهم وفي مختلف القضايا المطروحة وأنّه يجب على جميع أصحاب القضايا أن يجثوا على الرّكب متعلمين بين أيدي هذه الشريحة الفلسطينيّة المخضرمة في العمل السياسي والمقاوم.

وتظهر هذه العقدة عند هذه الشريحة من الفلسطينيين على وسائل التّواصل الاجتماعي في غرف الدردشة المختلفة ومن أبرز تجلياتها:

أوّلًا: تسفيه قضايا الآخرين وعقدة البوصلة؛ وذلك من خلال إطلاق عدد من التّوصيفات ووسمها بأنّها مجرّد قضايا هامشيّة أو فرعيّة، ومن خلال وصف هذه القضايا بأنّها تائهة البوصلة، ووصف ثورات الشّعوب ضدّ الطّغاة والمستبدّين بأنّها احتراب داخليّ وأنّ صورتها مشوشّة وأنّ القضيّة الوحيدة الواضحة النّاصعة هي قضيّة فلسطين، ووضع الضحيّة والجلّاد في مستوىً واحدٍ من خلال اعتبار كلّ من النّظام والثّائرين والمعارضين له عليه متساوين في الإجرام بحقّ الشّعب السّوريّ.

ثانيًا: تكرار وصم أصحاب الثّورات المختلفة بالفشل في معرض رفض انتقاداتهم لا في معرض نصحهم وتصويب أخطائهم؛ فهم فاشلون في ثوراتهم وفاشلون في عملهم لقضاياهم وبالتّالي فلا يحقّ لهم توجيه أيّ نصحٍ لأبناء القضيّة الفلسطينيّة الناجحين في مقاومتهم وأعمالهم.

ثالثًا: تكرّر هذه الشّريحة من الفلسطينيّين وصف الآخرين من أبناء الثّورات والقضايا المختلفة بالجهل السياسي، فهم وحدهم البارعون في السّياسة وأمّا من ينتقد تصرّفًا من تصرّفاتهم أو يغضب من تصريحٍ من تصريحاتهم فهو جاهل بالسّياسة وعاطفيّ وغير عقلانيّ ولا واقعيّ ولا يدري كيف تُدارُ الأمور ولا العلاقات بين الدّول أو بين الجماعات والمؤسسات وغيرها.

رابعًا: تكرّر هذه الشّريحة أنّ من حقّها ممارسة النّصح والانتقاد للآخرين في مختلف شؤون قضاياهم وثوراتهم بين أصحاب هذه الثّورات فلا يسعهم إلّا أن يتعلّموا من تجربتهم الفذّة وخبراتهم المتراكمة في تسيير الأمور.

خامسًا: تحاول هذه الشريحة على الدّوام تسفيه دور الأمّة والتقليل من أهميّته وتكرار أنّ الأمّة بمجموعها لم تفعل لنا شيئًا بل إنّها خذلتنا وبالتالي فليس لهذه الأمة حقّ في التّدخّل في شؤوننا ويصل الأمر إلى توصيف أيّ نصح أو انتقاد على أنّه محاولة لفرض حالة وصائيّة على القضيّة الفلسطينيّة.

إنّ عقدة الأستاذيّة التي تسكن هذه الشريحة تفعل فعلها في اتجاهين اثنين؛ الأوّل في رفض هذه الشريحة من الفلسطينيين أيّة ردّات فعلٍ تقوم بها الأمة أو أيّ نصح تقدّمه كوادرها ونخبها فترى نفسها غير قادرة على تقبّل النصح أو التصويب وغير آبهةٍ بما يقوله الآخرون أيّا كانوا وأيًّا كانت مواقعهم ومكانتهم مما يجعلها بعيدة عن المراجعات الحقيقية وقد تمحورت حول ذاتها فقط لترى أيّ نقدٍ يوجّه لها نوعًا من التّماهي مع مشروع العدوّ وخدمة العدوّ الصّهيونيّ.

والثّاني استفزاز أصحاب الثّورات وأبناء القضايا المختلفة فالنّاس لا يقبلون منطق التّعالي عليهم أو النّظر إليهم من برجٍ عالٍ نظرة ازدراء ولو كانت متدرّعةً بالانتماء إلى قضيّة من أظهر القضايا كفلسطين.

ما المخرج؟

من الضّرورة بمكان أن يتصدّر العقلاء وسائل التواصل الاجتماعيّ ويمخروا عبابه وألّا يتركوها لهاتين الشريحتين تثيران المعارك وتعزّزان الشروخ لا سيما أن عددًا لا بأس به من المنتمين إلى هاتين الشريحتين مصاب بالبطالة الثّوريّة فهو يوهم نفسه أنّه بافتعال هذا النّوع من المعارك المنبثق من عقدة الهولوكوست أو عقد الأستاذيّة أنّه يمارسُ عملًا ثوريًّا وينتصر لقضيّته في إثارة هذه المعارك على صفحات وسائل التّواصل الاجتماعيّ وهو في الحقيقة يفعل عكس ذلك تمامًا.

والمطلوب هو تقدّم الرّاشدين من النّخب الثّوريّة والفكريّة والشّرعيّة في القضايا المختلفة لا سيما الثّورة السوريّة وقضيّة فلسطين والعمل على إعادة تشكيل الوعي الجمعيّ تجاه القضايا العادلة وترسيخ كونها قضيّة واحدة في ساحاتٍ متعدّدة ولا يصلح أبدًا أن تكون قضايا متشاكسة أو متناقضة أو متنافسة، وليقولوا للمستسلمين لعقدة الهولوكوست: اخرجوا من الثّقب الضّيق الذي حشرتهم أنفسكم فيه ووسعوا زوايا النّظر واقتنعوا أنّكم لستم محور الكون وأنّ هناك من الأحداث الكبيرة ما لا يمرّ عبر الثّقب الذي لا ترون العالم إلّا من خلاله.

وليقولوا للمتسربلين بعقدة الأستاذيّة: تواضعوا قليلًا بل كثيرًا وانزلوا عن هذا الكبرياء المصطنع الذي يضرّكم قبل أن يضرّ أحدًا سواكم، واقبلوا من النّاصحين نصحهم، ولتتسع صدوركم لانتقاد المنتقدين مهما كان قاسيًا ولتدفعوا بالتي هي أحسن في مواطن الحوار والجدل.

وعلى الشريحتين أن تعيا جيّدًا أن الجدل المتكرّر والرّدح والردح الآخر هو من أخطر مظاهر استنزاف الطّاقات وتضييعها في الوقت الذي تحتاج فيه الثّورة السّورية وقضيّة فلسطين لهذه الطاقات بل لأضعافها.

وإن تسرّب هذه الطاقات في شقوق المعارك الوهميّة مضرّ أشدّ الإضرار بسوريا وفلسطين معًا، ولو تمّ تكريسُ الوقت الذي يضيع في هذا النوع من المعارك الافتراضيّة لخدمة القضايا المباشرة والسّاخنة والتركيز في ذلك وتكثيف العمل لأجلها سيحدث فرقًا حقيقيًّا؛ فالعدوّ المباشر في السّاحة السوريّة هو نظام بشّار الأسد ومن يعمل معه على الأرض من ميليشيات طائفيّة وقوّات إيرانيّة وروسيّة، وانشغال هذه الشريحة من السّوريين بمعارك صفريّة مع غيرهم بسبب مواقف أو أخطاء أو مواقف غير مرضية هو نوعٌ من التخبّط الثّوريّ والضّلال في السّعي، وهذا لا يعني مطلقًا عدم انتقاد الأخطاء والمواقف المستفزّة أيًّا كان فاعلها لكن على أن تبقى الأمور في نصابها ولا يتحوّل من يخطئ في موقف أو تصريحٍ عدوًّا حاله كحال نظام بشّار الأسد.

وعلى هاتين الشريحتين أن تعلما جيدًا أنهما تطلقان النّار على قدميهما بالخضوع لعقدة الهولوكوست وعقدة الأستاذيّة فالعلاقةَ بينَ الثّورة السوريّة وقضيّة فلسطين وقضايا الأمة المختلفة عمومًا هيَ علاقةٌ تكامليّة، تحتاجُ إلى وعيٍ عميقٍ بمفرداتِ المشهدِ العام بعيدًا عن العصبيّة والنّرجسيّة الثوريّة؛ فمن أراد أن تكون قضيّته هي قضيّة الأمة كلّها فعليه أن تكون قضايا الأمّة كلّها قضيّته أيضًا، بلا شططٍ في أيّ من الاتجاهينِ القُطريّ أو الأممي؛ فيا أصحاب القضايا العادلة: كونوا كبارًا يرحمكم الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: