اخبارحواراتعربيمصر

د. محمد يسري إبراهيم: أمة محمد في مخاض عسير لكن جراحها تزيدها إصراراً وثباتاً

شياطين الإنس يسوؤهم تقرب الناس لربهم في رمضان

= الصيام والقرآن يؤنسان العبد في قبره ويشفعان له

= متابعة المسلسلات المحرمة تمنع الناس من الوصول لحقيقة الصيام

= يباح للصائم إكمال طعامه وشرابه حال أذن المؤذن والإناء على فمه

حاوره : عبد الحميد قطب 

أكد الدكتور محمد يسري إبراهيم، نائب رئيس رابطة علماء المسلمين، أن الأمة الإسلامية تمرُّ بمخاض عسير لكن جراحها تزيدها إصراراً وثباتاً، لافتاً إلى أن الصيام والقرآن يؤنسان العبد في قبره ويشفعان له.
وأوضح نائب رئيس رابطة علماء المسلمين في حديثه لـ “الحقيقة بوست”، أن متابعة المسلسلات المحرمة تمنع الناس من الوصول لحقيقة الصيام، مضيفاً “شياطين الإنس يسوؤهم تقرب الناس لربهم في رمضان، فلا بد من مجاهدتهم”.

وإلى نص الحوار ..

ـ: فضيلة الشيخ لماذا شرع الله شهر رمضان وخصه بمزايا وخصال عن سائر الشهور الأخرى؟

ـ الله عز وجل قال: (وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون)، فغاية الخلق تحقيق عبودية الخالق سبحانه وتعالى، فوجودنا في هذه الحياة لنعبد الله. وإذا قال قائل ولِمَ نعبد الله؟ فالجواب: لكي تتحقق حكمة أخرى وهي التقوى مصداقاً لقوله تعالى في أول نداء له: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون). فجعل غاية العبادة تحصيل التقوى، وغاية الخلق تحصيل العبادة، وغاية العبادة تحصيل التقوى.
وإن قال قائل لماذا خص الله شهر رمضان بهذه المزايا وتلك الفضائل؟ نقول: قال الله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار)، فهو سبحانه الذي يفاضل بين الأزمنة والأمكنة والأشخاص.
ولقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتفي بالقرآن في رمضان احتفاء لا يكون في غيره، حتى إنه لينقطع معتكفاً ليتدارس مع جبريل القرآن، ففي كل سنة يعرض القرآن عليه، وفي السنة التي قبض فيها صلى الله عليه وسلم عرض القرآن عليه مرتين، حيث اعتكف في آخر رمضان عشرين ليلة، لذا فالصحابة كانوا يدركون ذلك عن النبي.
ومن الصحابة رضوان الله عليهم من كان يختم القرآن في ليلة مثل عثمان بن عفان، وأثر عن بعض الصحابة والتابعين أنه كان له في رمضان ختمتان واحدة ليلية وأخرى نهارية، وهذا مأثور عن الإمام الشافعي.

الجهات الخمس

ـ: أيهما أفضل أجراً كثرة القراءة أم التدبر والتأني، وما هي الجهات التي يتعلق بها الأجر في تلاوة القرآن؟

ـ الجهات الخمس هي، الأولى: كثرة المقروء من القرآن والمتلو مصداقاً لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها. الثانية: طول زمن القراءة لأنه كلما كانت التلاوة أطول كلما كان الأجر أكثر. الثالثة: المهارة بتلاوة القرآن، فأجر الماهر بالقرآن من السفرة الكرام البررة . الرابعة: هي جهة التفكر والتدبر قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن). أما الأخيرة: فهي جهة كثرة النيات الصالحة، فالأعمال تتفاضل بحسب النيات.

ـ: قال تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم).. فهل من سبقونا كانوا يصومون؟

ـ هذه الآية القرآنية تدل على أن الصيام عبادة شاقة ميسرة، فقوله: (كما كتب على الذين من قبلكم) أي أنك تشارك في عبادة صامها الأنبياء من قبل وصامتها كل أمة من قبلنا.

ـ: من صام رمضان إيماناً واحتساباً.. كيف تنظرون لهذا الحديث؟

ـ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر مواهب رمضان وحسناته وبركاته، فهي فوق أن تحصى وأن تعد، فالنبي قال من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وفي رواية وما تأخر. فالله تعالى يعين العبد في أول رمضان على الطاعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ومردة الجن، وهذا من معونة الله تعالى لعباده في رمضان، ومن هبات هذا الشهر للصائمين، أن لله عند كل فطر عتقاء من النار، وإذا ما العبد مات يؤنسه الصيام والقرآن في قبره، وإذا حشر يشفعان له أيضاً. كما أخبر النبي أن القرآن والصيام يشفعان لصاحبهما يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشراب في النهار فشفعني فيه، ويقول القرآن أي رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال النبي فيَشفعان أو يُشفعان.

بركة الصيام  

ـ: هل تنتهي بركات الصيام عند ذلك؟

ـ لا تنتهي بركاته أبداً حتى يدخل العبد الجنان من باب الريان، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنة باباً يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل أحد إلا الصائمون.

ـ: ما حكم الشرع في من يصوم ولا يصلي؟

ـ الصيام عبادة مؤقتة، والعبودية لله هي العبادة الدائمة، فمن جاء بالعبادة المؤقتة ولم يأت بالعبادة الدائمة لم تقبل منه المؤقتة، أما من جاء بالعبادة الدائمة ثم جاء بالعبادات المؤقتة في وقتها، فهذا يرجو القبول، وتأمّل نبينا حين قال: رب صائم لم يكن له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم لم يكن له من قيامه إلا التعب والسهر.

ـ: متى يمتنع الصائم عن الأكل والشرب، هل في بداية الأذان أم أثناءه؟

ـ إذا علم الصائم أن الأذان يكون مع أول الوقت بالفعل فإن عليه أن يمتنع عن الأكل والشرب بمجرد سماع المؤذن يقول الله أكبر، أما إذا علم أن الأذان يكون قبل الوقت لمدة وجيزة أو يسيرة، فإن له أن يأكل أثناء الأذان، فإذا فرغ المؤذن امتنع عن الأكل والشرب، وهذا مرتبط بعمل الصائم هل الأذان في أول الوقت أم قبله، فإذا تأكد أن الأذان قبل الوقت فيجب عليه أن يمتنع عن الشرب والأكل بمجرد قول المؤذن الله أكبر، إلا في حالة واحدة وهي أن يرتفع الأذان والإناء على فمه، أو يؤذن وهو يشرب، فله أن يتم أكله أو شربه قبل أن يفرغ المؤذن من الأذان.

شياطين الأنس

ـ: كيف تنظر لزيادة المسلسلات والبرامج الترفيهية في رمضان وشغل الناس بها بعيداً عن العبادات والدروس الدينية؟

ـ من بركات رمضان أنه يقاتل عنا شياطين الجن، لكنه لا يقاتل عدو الإنسان من الإنس، فيبقى المسلم يجاهد شياطين الإنس الذين يغوونه لعدم الوصول لبركة رمضان وثوابه وفضله.
أما شياطين الإنس فيسوؤهم أن يتقرب الناس لربهم وأن يعودوا لخالقهم وأن يتزودوا بزاد الإيمان والتقوى، لذا فهم يعاكسون ويعاندون إرادة الله عز وجل وإرادة الصالحين في هذا الشهر الكريم، ويملؤون الشهر بالموبقات والذنوب والسيئات التي تحول بين الناس وبين قبول الصيام، وتكون سبباً يمنع الناس من الوصول لحقيقة الصيام، والتي هي التقوى، التي جعلها الله غاية، وهذا بالطبع من حرب شياطين الإنس لأولياء الله تعالى، فلا بد من مجاهدة هؤلاء.

ـ: كيف تكون مجاهدة هؤلاء؟

– تكون مجاهدتهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك بإشاعة حقيقة أن هذه المسلسلات محرمة في كل وقت، وهي في رمضان أشد تحريماً، وأيضاً إشاعة القول إن هذه الأغاني الهابطة محرمة في كل وقت وفي رمضان أشد إثماً وجرماً وتحريماً، وهكذا يجب أن يرتفع صوت الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ليعلو فوق صوت هؤلاء الذين يدعون الناس للرذيلة بدلاً من الفضيلة، والذين يشيعون الفاحشة بدلاً من الطهر.

ـ: أخيراً كيف تنظر لحال الأمة حالياً في رمضان؟

ـ أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة مرحومة، وهي أمة منصورة، وأمة ظافرة، وسيبقى فيها الخير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لكنها في هذه الأيام في مخاض شديد، هذا المخاض يتبعه ويصحبه آلام كثيرة وكبيرة، لكنها علامة صحة، لأن المريض الذي مات لا يشعر بالألم، أما من فيه حياة فإن الجراح تؤلمه، حتى وإن كانت هذه الجراح تثخنه، فالأمة برغم أن الجراح تثخنها لكنها تقاوم وتجاهد أعداءها، وأعداء الله عز وجل وأعداء دينها.
ومن يقارن بين الأمة اليوم وقبل خمسين سنة أو ستين، يجد الفرق شاسعاً والبون واسعاً، فمن ستين سنة فلسطين تحتل والآن فلسطين تقاوم، من ستين سنة غزة تنتهك واليوم غزة تنتصر، من ستين سنة الحجاب غائب عن نساء المسلمين واليوم هو ينتشر في جامعاتها وفي كل موقع من مواقع العمل والدراسة، أيضاً من ستين سنة لم تكن مدارس الدعوة منتشرة في الأمة والآن هي تعج بهذه المدارس العلمية والدعوية على مختلف مشاربها.
وهذا دليل على أن الله يريد لهذه الأمة خيراً، برغم الجراح، التي لا تزيدها إلا إصراراً ولا تزيدها إلا ثباتاً.

نُشر الحوار في جريدة الشرق القطرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: