حوارات

الشيخ المعصراوي: القرآن طريق المسلم الصحيح للفوز في الدار الآخرة

= القرآن يزن حياة الإنسان بميزان دقيق

= مسابقات الحفظة لها دور فعّال في تحقيق نهضة قرآنية 

= الله يسر قراءة كتابه لجميع خلقه دون صعوبة

حاوره : عبد الحميد قطب 

دعا الشيخ أحمد عيسى المعصراوي، شيخ عموم المقارئ المصرية السابق، كل مسلم إلى تعلم قراءة القرآن وحفظه من خلال المدارس وحلقات الذكر، وألا يمتنع عن ذلك بحجة انشغاله، لأن القرآن هو الطريق الصحيح للآخرة، فلا ينبغي أن تشغله دنياه عن السعي إلى الجنة.

وأشاد الشيخ بمسابقات حفظ القرآن، موضحاً أنها ساهمت كثيرا في انتشار الحفظة والمُحفّظين على مستوى العالم العربي والإسلامي، خاصة أن التنافس لم يعد معنويا وأدبيا، بل أصبح ماديا أيضا.

وانتقد الشيخ الدعاة الذين يخطبون ويعطون الدروس الدينية دون الاستشهاد بالقرآن، قائلا: المفترص أن يستشهد الداعية في خطبه ودروسه بالقرآن أولا ثم السنة تأتي للتوضيح والتبيين، وعندما لا يستخدم الداعية القرآن في كلامه، فهذا دليل على أنه لا يحفظ القرآن الكريم، فالقرآن مقدم على السنة في الاستشهاد والاستدلال، ولا يكون الاستشهاد بالسنة فقط.

وإلى نص الحوار..

 

ـ: فضيلة الشيخ، بما تنصح من يبتعد عن  القرآن وتلاوته بحجة الانشغال في العمل وغيره؟

ـ عليه أن يسعى جاهدا لتعلم قراءة القرآن، من خلال المدارس، وحلقات الذكر، وألا يمتنع عن ذلك بحجة أنه مشغول، لأن القرآن هو الطريق الصحيح للفوز في الدار الآخرة، فلا ينبغي أن تشغله الدنيا عن السعي إلى الدار الآخرة، وأيضا لا ينبغي أن تكون طاعته مانعا له عن قضاء حوائجه، فسيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما قال للنبي “صلى الله عليه وسلم” إنني أستطيع أن أقرأ القرآن في اليوم مرة، فقال له النبي اقرأه مرة في الأسبوع ولا تزد، والصحابي الذي ذهب إلى النبي وقال له أنا استطيع أن أصوم الدهر كله، وأقوم الليل كله، ولا أقرب النساء، فقال له النبي “صلى الله عليه وسلم”: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ “، والمقصد مما ذكرت أن الإنسان لابد أن يعطي لكل جوانب الدين والدنيا حقها، ولا يجعل جانبا يطغى على الآخر.

فالإنسان المسلم مركب من الجسد والروح، فإذا اهتم الإنسان بالجسد وأهمل الروح، صار الجانب الحيواني طاغياً على الجانب الروحاني، فتموت روحه، ويصبح مثل الحيوان، والعكس صحيح.

ـ: هل المسلم مطالب بأن يغلب الجانب الروحي على الجسدي؟

ـ نعم، المسلم مطالب بأن يُغلّب الجانب الروحي على الجسدي، أو على الأقل يحدث بينهما توازن، كما قال النبي “صلى الله عليه وسلم” أعطِ لكل ذي حق حقه، وبالتالي فإن على كل مسلم، إما أن يعلي الروح على الجسد بالقرآن وباقي العبادات، أو يجعل بينهما توازنا، هو توازن ما بين الجسد والروح، وألا يهتم بإعلاء الجسد عن الروح، حتى لا يضيع الإنسان، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أراد الآخرة فعليه بالقرآن ومن أراد الدنيا فعليه بالقرآن ومن أرادهما معا فعليه بالقرآن”، فالقرآن هو الذي يزن حياة الإنسان بميزان دقيق.

-: ما الطريق الأنسب للحفاظ على القرآن؟

ـ الطريق هو، أن تتم بمعايشتنا له وسعينا الدائم لتطبيقه في حياتنا، وأن نعيش في ظلاله دوما وأن نتخلّق بأخلاقه وآدابه، وأن يكون هو منهجنا وقبلتنا دائما في كل شؤون حياتنا، فالقرآن الكريم متعدد الجوانب كدستور ومنهج لحياتنا كمسلمين.

هجر القرآن 

ـ: من الذي يهجر القرآن، هل الكافر الذي يجحد به أو المسلم الذي لا يتلوه؟

ـ الهجر هو هجر التلاوة، مصداقا لقوله تعالى “وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا”، كما قال جل شأنه “قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ”، وقد أتت هذه الآية الأخيرة عقب الأولى، بما يعنى ارتباط الهجر، هجر القرآن مع النسيان، فهجر القرآن هو الابتعاد عنه وعدم الاستماع إليه، والإعراض عن تلاوته.

ـ: فضيلة الشيخ، هناك من يعتبر نفسه مُفسرا للقرآن ويدعي أنه ليس بحاجة إلى المفسرين.. كيف نفند هذا الأمر؟

ـ هذا الأمر لا يصح مع القرآن، فهو كتاب منزل من عند الله، وغير منطقي وغير واقعي، من يدعي أنه يستطيع تفسير القرآن دون الرجوع إلى المفسرين أو التفاسير السابقة عليه. القرآن وحي جلي ظاهر، كان ينزل به سيدنا جبريل، ويقرأ على رسول الله ويُحفّظه ويسمع منه ويشاهده ويعاينه؛ لذلك فالقرآن الكريم يختلف تماما عن أي علوم أخرى؛ لأنه يعتمد على التلقين والتحفيظ، ولأنه بلفظه ومعناه وحي من الله بلّغه جبريل، ليس هذا فحسب، بل استمع كذلك لكيفية حفظ النبي له وكان يعرضه عليه في شهر رمضان سنويا، وفي العام الذي توفي فيه عرضه عليه مرّتين والعرض أي الاستماع والإلقاء من الجانبين، حتى يتأكد سيدنا جبريل أن سيدنا رسول الله حفظ كما سمع، ولذا فمن يقول بخلاف هذا فهو إنسان جاهل جاحد.

كما أنه ليس كل تخريف نقول عنه تفسيرا، فالتفسير له رجاله وعلماؤه المتخصصون الذين يستطيعون التفسير والتأويل ولا يصح أن يُترك الأمر هكذا.

ـ: كيف كانت تأتي السنة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟

ـ السنة كانت تأتي النبي إما إلهاماً أو رؤيا وبطرق مختلفة، واللفظ في القرآن هو نفسه كما نزل به الوحي، أما في الحديث، فهو بالمعني، ولذلك يقول تعالي: “لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” فقد أمر الرسول باتباع قراءة جبريل، وقد أثنى رسول الله على قراءة ابن أم عبد، لذلك قال فيما معناه: من أحب أن يقرأ القرآن غضّاً طريّاً كما أُنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد. وقال أيضا: أقرأني جبريل على حرف.

القرآن لجميع الخلق

ـ: “ولقد يسرنا القرآن للذكر” .. ما المراد من هذه الآية؟

ـ أي أن الله يسر قراءة كتابه لجميع الخلق، حتى الاعجمي يستطيع قراءة القرآن دون صعوبة، وحتى إن لم يستطع قراءته بالشكل المطلوب، فله الأجر والثواب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران.

عدم الاستدلال بالقرآن

ـ هناك دعاة وأئمة يخطبون ويعطون دروسا ولا يستشهدون بالقرآن نهائيا، ودائما ما يستشهدون بالأحاديث.. ما وجهة نظر فضيلتكم في هذا الأمر؟

ـ من المفترص أن يستشهد الداعية في خطبه ودروسه بالقرآن أولا ثم تأتي السنة لتوضّح وتبيّن، وعندما لا يستخدم الداعية القرآن في كلامه، فهذا دليل على أنه لا يحفظ القرآن الكريم.

فالقرآن مقدم على السنة في الاستشهاد والاستدلال، ولا يكون الاستشهاد بالسنة فقط، وإن قصّر بعض الدعاة في ذلك الأمر، فهذا دليل على تقصيرهم في حفظ القرآن، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعافينا.

ـ: هل ساهمت مسابقات حفظ القرآن بشكل إيجابي في تحفيز الناس لحفظ كتاب الله؟

ـ بكل تأكيد.. فالمسابقات القرآنية كان لها الفضل الكبير والدور الفعّال في تحقيق النهضة القرآنية في العالم العربي والإسلامي كله تقريبا، فبعد أن كنا نقول في السابق بأهمية الكتاتيب وزوايا تحفيظ القرآن، مع ما لها قديما وحديثاً من دور هام وفّعال، إلا أن المسابقات تفوّقت في هذا الدور تفوّقا كبيراً، فالنهضة القرآنية حاليا أكبر بكثير من السابق، فقد ساهمت كثيرا في انتشار الحفظة والمُحفّظين على مستوى العالم العربي والإسلامي كله، خاصة أن التنافس لم يعد معنويا وأدبيا فقط، بل صار ماديا أيضاً، الأمر الذي أدّى إلى تغيير حال كثير من الحفظة، بل وجعل كثيرا من الناس يذهبون إلى محفظين مهرة مُتخصصين كي يضمنوا الفوز بمراكز متقدمة، فهذه المسابقات لعبت دورا كبيرا جدا في كثرة الحفظة وإتقانهم.

التجرؤ على الدين

ـ: أخيرا، ماذا تقول لمن يعتبر القرآن مصدراً للعنف والإرهاب ويتجرأ عليه؟

ـ من يقول هذا هم الجُهّال بهذا الدين، والدين والقرآن بعيدان عنه، وليس عنده أدني علاقة بخُلُق الإسلام ودينه الحنيف، ولو كانت عنده ذرّة من الدين لما تجرّأ وتطاول علي الدين والقرآن؛ لأن الإسلام هو القرآن، ولولا القرآن لما كان هناك إسلام، فالقرآن هو الذي حوى كل ما جاءت به الرسالة المحمدية.

نُشر الحوار يونيو 2016 في جريدة الشرق القطرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: