مقالات

إسماعيل ياشا: واشنطن استنفدت أهم أوراق الضغط على أنقرة

استخدم الرئيس الأمريكي جو بايدن في بيانه عن الأحداث التي جرت بين الأرمن والرعايا المسلمين في الأناضول أواخر عهد الدولة العثمانية؛ مصطلح “الإبادة الجماعية“، في انحياز للرواية الأرمينية وإعلان موقف معادٍ تركيا. وكان رؤساء الولايات المتحدة يتجنبون في بياناتهم استخدام هذه الكلمة، ويصفون تلك الأحداث بعبارت أخرى كـ”الكارثة الكبرى”، كما فعل دونالد ترامب.

ما الذي دفع الرئيس الأمريكي هذه السنة إلى الاعترف بــ”الإبادة الأرمينية” المزعومة في بيانه عن تلك لأحداث؟ مما لا شك فيه أن هذا التوجه الجديد الذي سيلقي بظلاله على علاقات واشنطن مع أنقرة لم يأت من فراغ، وأن هناك تطورات ومتغيرات أدت إلى وصف الرئيس الأمريكي أحداث 1915 بــ”الإبادة”، مثل الوعد الذي قطعه بايدن خلال حملاته الانتخابية للحصول على دعم اللوبي الأرمني، حيث قال إنه سيعترف بــ”الإبادة الأرمينية” إن فاز في الانتخابات وأصبح رئيسا للولايات المتحدة. كما أن نائبته كامالا هاريس معروفة بقربها من ذاك اللوبي، بالإضافة إلى مواقفها السلبية من تركيا، ويعتقد أن لها تأثيرا كبيرا على قرارات الرئيس الأمريكي الذي بدأت تظهر عليه علامات الشيخوخة. غير أن هناك عوامل أخرى أسهمت بشكل أو آخر في إقدام واشنطن على هذه الخطوة التي ستزيد الطين بلة في العلاقات التركية الأمريكية المتأزمة.

الولايات المتحدة تدعم رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، الذي يواجه معارضة شرسة في بلاده بسبب انهزام الجيش الأرمني في معركة قره باغ أمام الجيش الأذربيجاني. وهناك من يرى أن اعتراف بايدن بـ”الإبادة الأرمينية” محاولة لمعاقبة تركيا بسبب الدعم العسكري الذي قدمته إلى أذربيجان لتقلب موازين القوى في الإقليم لصالح باكو، ومؤشر لعدم رغبة واشنطن في ترميم العلاقات التركية الأمريكية، كما أنه هدية من الرئيس الأمريكي إلى باشينيان ليستخدمها في الحملات الانتخابية.

العلاقات التركية الأمريكية متدهورة منذ فترة طويلة بسبب خلاف الطرفين في عدد من الملفات، ودعم واشنطن للتنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن تركيا واستقرارها، مثل حزب العمال الكردستاني والكيان الموازي. كما أن الولايات المتحدة تطالب أنقرة بالتخلي عن منظومة أس-400 الدفاعية، إلا أن تركيا تقول إنها بحاجة إلى تلك المنظومة التي اشترتها من روسيا، مشددة على أنه لا يمكن بأي حال التراجع عن تلك الصفقة أو عدم استخدام المنظومة. وبالتالي، قد يفسر اعترف بايدن بــ”الإبادة الأرمينية” كرد الإدارة الأمريكية الجديدة على عدم استجابة أنقرة لمطلب وشنطن بهذا الشأن.

الولايات المتحدة كانت تهدد تركيا بإخراجها من برنامج إنتاج مقاتلات أف-35، كما كانت تبتزها منذ سنين من خلال التلويح بورقة الاعتراف بــ”الإبادة الأرمينية”، كي لا تبتعد عن المحور الأمريكي، ولا تمتنع عن الاستجابة لمطالب واشنطن. ولم يكن أمام أنقرة غير إرضاء الولايات المتحدة، والاستعانة باللوبي اليهودي حتى لا يستخدم الرئيس الأمريكي مصطلح “الإبادة” في وصف أحداث 1915. وبعد إخراج تركيا من برنامج إنتاج مقاتلات أف-35 واعتراف بايدن بــ”الإبادة الأرمينية” استنفدت واشنطن اثنتين من أهم أوراق الضغط على أنقرة، كما أن هذه الأخيرة تخلصت من المخاوف والقيود التي تفرضها تهديدات الولايات المتحدة.

عدم الحصول على مقاتلات أف-35 سيدفع تركيا إلى تكثيف جهودها لتطوير مقاتلاتها الوطنية بأيدي أبنائها. وأثبتت التجارب السابقة أن العرقيل التي توضع أمام تركيا أتت في نهاية المطاف بنتائج عكسية، وجعلت أنقرة تتبنى برامج التقليل من الاعتماد على الخارج قدر المستطاع، وأدت إلى القفزة النوعية التي حققتها في مجال الصناعات العسكرية. ومن أقرب أمثلة ذلك، تطوير الكاميرات المستخدمة في الطائرات المسيرة، بعد أن امتنعت كندا عن بيعها لتركيا، بسبب دعمها لأذربيجان في معركة تحرير إقليم قره باغ من الاحتلال الأرمني.

العلاقات بين أنقرة وواشنطن دخلت في منعطف جديد، ومن المؤكد أن العلاقات بين البلدين لن تصل إلى القطيعة، إلا أنها ستشهد توفقا وتعاونا في ملفات، وخلافا وتنافسا في أخرى، وفق مصالح الطرفين. ولا يمكن الحديث بعد الآن عن علاقات بين الحليفين. بل يقول الأتراك إنهم ليسوا بحاجة إلى عدو ما دام لديهم حليف مثل الولايات المتحدة، في إشارة إلى مواقف واشنطن المعادية لتركيا. ويرون أن ولادة “تركيا المحررة من الهيمنة والقيود الأمريكية” صعبة، إلا أن طعم الاستقلال يستحق التحمل لآلام المخاض التي لا مفر منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: