حوارات

سامر إلياس الخبير المختص بالشأن الروسي لـ”الحقيقة بوست”: التدخل العسكري الروسي في دونباس سيشعل حرباً أهلية في أوكرانيا

تركيا تملك التوسط بين روسيا وأوكرانيا لمنع الانزلاق إلى حرب واسعة

= أوكرانيا عازمة على  حسم  قضية دونباس المفتوحة منذ 2014

= موسكو لا تفضل التدخل العسكري  المباشر في شرق أوكرانيا

= روسيا منحت الكثير من سكان  دونباس جنسيتها  في الشهور الأخيرة

= الرئيس الأوكراني بات يميل إلى اليمين المعادي لموسكو

= موسكو تخشى “تقارب أمريكي أوروبي” يزيد عزلتها سياسياً واقتصادياً

حاوره : أحمد أبو سمرا

أكد سامر إلياس  الخبير المختص بالشأن الروسي، أن التدخل العسكري الروسي في دونباس سيشعل حرباً أهلية في أوكرانيا، مشيراً إلى أن تركيا يمكن أن تلعب دورا مهما بين روسيا وأوكرانيا لمنع انزلاق الأوضاع باتجاه الحرب.

ورأى إلياس في حواره مع “الحقيقة بوست” أن الخيار الأبرز سواء بالنسبة لروسيا أو حتى لأوكرانيا هو حالة “لا حرب ولا سلم” ، وهو الذي سيدوم لفترة طويلة، مبينا في الوقت ذاته أن “القرم” هو لب المشكلة بين الطرفين.

ولفت  إلى أن الرئيس الأوكراني بات يميل إلى اليمين المعادي لموسكو ، مؤكداً أن موسكو تخشى “تقارب أمريكي أوروبي” يزيد عزلتها سياسيا واقتصاديا..

وإلى نص الحوار..

ـ: عادت الاشتباكات مرة ثانية في دونباس بين القوات الحكومية والانفصاليين الموالين لروسيا الذين أعلنوا استقلالهم عام 2014، وهو التصعيد الأكبر منذ 2014، مع تلويح روسيا بتدخل عسكري في إقليم دونباس شرقي أوكرانيا.. ما الذي استجد في النزاع الروسي الأوكراني؟

ـ نعم يبدو أن التصعيد الحالي هو الأكبر منذ 2014، فالتحرك العسكري الروسي جاء على خلفية توتر الأوضاع في اقليم دونباس شرقي أوكرانيا، لكن دق طبول الحرب لا يعني أنها ستندلع قريبا. فقد  زار الرئيس فلوديمير زيلينسكي خطوط الجبهة مع جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين المدعومتين من روسيا، ومنذ بداية آذار/ مارس يزداد الحديث عن خيارات عسكرية ورغبة أوكرانيا بحسم عسكري ينهي القضية المفتوحة منذ ربيع 2014، ومن الواضح أن إمكانات أوكرانيا العسكرية أفضل بكثير مما كانت عليه سابقا، وميزان القوى لصالحها مقارنة بتسليح الجمهوريتين الانفصاليتين، ولكن العامل الروسي يعد حاسما، فموسكو لن تسمح بانهيار حلفائها، انطلاقا من حرصها على المحافظة على ” العالم الروسي”، ومعلوم أن غالبية سكان الإقليمين من الاثنية الروسية والمحافظين على اللغة الروسية كلغة أم.

التدخل العسكري 

ـ: هذا يعني أنكم لا تتوقعون نشوب أي صراع يصل إلى حد الصراع العسكري؟

ـ ربما يكون السؤال الأنسب والأهم هو هل ستتدخل روسيا في شكل مباشر عسكريا؟، للإجابة يجب أن نعلم أن روسيا لن تتخلى أبداً عن الروس في هذه المنطقة خاصة أنها سرعت وتيرة منح جنسيتها في الشهور الأخيرة وبات أكثر من 400 ألف مواطن من سكان الإقليمين الانفصاليين من حاملي الجنسية الروسية.. وفي المقابل، ورغم أن روسيا قادرة بسهولة على الحسم ومنع أوكرانيا من التقدم فأعتقد أنها لا تفضل التدخل العسكري الروسي المباشر، نظراً للكلفة العالية من جهة فرض عقوبات اقتصادية جديدة عليها، وانهيار العلاقات والاتصالات مع بروكسل بعدما وصلت إلى أدنى مستوى منذ الحرب الباردة.

ـ: كيف ترى الموقف الأمريكي مما يجري في شرق أوكرانيا؟

ـ في الحقيقة، موسكو تخشى من تقارب أكبر لإدارة بايدن مع الأوروبيين يزيد عزلتها سياسيا واقتصاديا..  وربما لجأت موسكو إلى التلويح بالقوة وإبداء أعلى قدرٍ من الجدية في أنها لن تسمح بعودة إقليم دونباس إلى أوكرانيا.. لكن أقصى ما يمكن أن تتنازل عنه مرحلياً هو استئناف التفاوض ضمن مجموعة الاتصال الثلاثية، وتنفيذ اتفاقات مينسك بشأن وضع خاص للإقليميين يسمح لهما بعلاقات مميزة مباشرة مع الأقاليم الروسية، وهو ما ترفضه كييف حتى الآن لأنه ينتقص من سيادتها من ناحية، كما يشجع أقاليم اخرى أوكرانية بها أقليات روسية   مثل ماريوبل، ودنيبروتروفسك، وأوديسا على رفع سقف مطالبها شأنها شأن دونيتسك ولوغانسك، و الأهم أن ذلك يفتح الباب على نقمة اضافية على كييف من الأقاليم الغربية ذات الحس القومي المعادي لروسيا. في المحصلة كييف وموسكو في ورطة صعبة، ويبدو أن خيار “لا حرب و لا سلم” هو الذي سيدوم مع مناوشات تتفجر دورياً لخدمة أهداف هذا الطرف أو ذاك، داخلياً أو خارجياً.

ـ: ما خلفيات التاريخية للتوتر الحالي بين روسيا وأكرانيا؟

ـ التوتر الحالي هو استمرار للأزمة المتواصلة منذ الاطاحة بالرئيس فيكتور يونوكوفيتش المقرب من روسيا بداية 2014 على خلفية رفضه اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وتفضيله بناء علاقات قوية مع روسيا، وما تلاها من ضم روسيا شبه جزيرة القرم في مارس/ آذار من ذلك العام، حيث بدأت بعدها المعارك في اقليمي دونيتسك ولوغانسك ودعمت روسيا الانفصاليين في هذين الإقليمين لأسباب إثنية. أما التوتر الحالي فقد أنهى اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه مجموعة الاتصال الثلاثية بين الجمهوريتين الانفصاليتين والحكومة المركزية في كييف، ومنذ بداية مارس/ آذار بات واضحاً أن أوكرانيا غير راضية على عدد من البنود ومنها آلية الرد على مصادر النيران   حال وجود خرق، فهذه الآلية تربط قرار الرد بأمر من قيادة الجيش الأوكراني وليس للقادة الميدانيين، علاوة على أنه يساوي قانونيا بين القيادات العسكرية للمتمردين والجيش النظامي.  ويبدو أن الرئيس فلوديمير زيلينسكي بات يميل أكثر نحو اليمين الأوكراني المتطرف بعد اغلاق محطات تلفزة ناطقة بالروسية وفرض عقوبات على ملياردير مقرب من الكرملين.

ـ: لكن في تقديرك ما هي مآلات هذا التوتر ؟

ـ المؤكد أن التوتر الحالي ينهي الآمال التي بعثها انتخاب زيلينسكي في 2019 واتصاله مع بوتين، وتنفيذ تفاهمات اجتماع مجموعة نورمادي في نهاية 2019. . ورغم أن الخيارات كلها مفتوحة فالأرجح ألا تنشب حرب واسعة بمشاركة روسيا التي ستعمل على التلويح بالقوة دون استخدامها إلا في أسوأ الأحوال، وحينها أعتقد أن روسيا، إن تدخلت، لن تكتفي بدونباس بل ستتقدم نحو ماريوبل ودنيبروتروفسك وأوديسا، وهذا السيناريو الأكثر قتامة ينذر بحرب أهلية في أوكرانيا وتفككها بين شرق وغرب، وأشدد على أن هذا السيناريو لا تفضله روسيا بل تفضل بقاء المناوشات المحدودة على حالها إلى حين منح الإقليمين الانفصاليين وضعاً خاصاً تنفيذا لتفاهمات مينسك ونورماندي، وإنهاء البحث في مصير القرم.

دور تركيا 

ـ: ما هو دور تركيا كطرف وسيط بين أوكرانيا وروسيا؟ وما هو المتوقع من التدخل التركي في هذا الملف؟

ـ تركيا ترتبط بعلاقات مهمة مع روسيا فهي من أهم الشركاء الاقتصاديين، والتعاون بينهما كبير في مجال الطاقة من الغاز الطبيعي إلى الطاقة النووية. وعلاقات موسكو وأنقرة في أفضل حالاتها رغم حجم المشكلات المتداخلة والمتشعبة من القوقاز مرورا بالقرم وسوريا وصولا إلى ليبيا، إلا أن الواضح أن الطبيعة الشخصية للرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان تلعب دوراً مهماً في تغليب المصالح المشتركة، عبر نهج يجمع بين البراغماتية وفصل الملفات، وأوكرانيا لن تكون استثناء.

ـ: وماذا عن العلاقات التركية مع أوكرانيا؟

ـ على الجانب الآخر تركيا رفضت ضم القرم إلى روسيا، كما أن هناك علاقات اقتصادية مميزة مع أوكرانيا، وهناك تعاون في المجال العسكري وخاصة صناعة الطائرات المسيرة نظراً للقاعدة العلمية والتقنية السوفيتية التي احتفظت بها أوكرانيا وطورتها في السنوات الأخيرة. وربما تأمل أوكرانيا في أن تحسم المعركة في دونباس بالطائرات المسيرة كما جرى الحال في تفوق أذربيجان على أرمينيا في حرب القوقاز العام الفائت، ولكن العامل المهم هنا هو حتمية تدخل موسكو المباشر لمنع انهيار حلفائها في شرق أوكرانيا.

لذلك أعتقد أن تركيا يمكن أن تلعب دوراً في  الوساطة ومنع الانزلاق إلى حرب واسعة بما لها من علاقات طيبة تجمعها مع كييف وموسكو، ولكنها لا تستطيع ايجاد حل نهائي للأزمة نظراً لأن موسكو وضعت خطوطاً حمراء بشأن عدم إمكانية منع ضم القرم، وعلى العكس أوكرانيا لا ترى أي استقرار من دون عودة شبه الجزيرة للسيادة الأوكرانية، والقرم هو لب المشكلة وأساس الحرب والسلم، وبالتالي من الصعب حل الأزمة بشكل نهائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: