مقالات

معتز الخطيب يكتب: مستقبل المعارضة المصرية في تركيا

يعيدنا التقارب التركي المصري، والأسئلة المفتوحة حول مستقبل المعارضة المصرية في تركيا، إلى إشكال مركزي يقوم على أمرين: الأول، وعي الإسلاميين بالسياسة، أي كيف يفكرون فيها؟ أو كيف يتمثلونها؟ والثاني، الحد الفاصل بين النضال من جهة، والاستثمار أو القابلية للاستثمار من جهة أخرى.

وهذا الإشكال بشقيه ليس جديدًا ولا قاصرًا على التقارب التركي المصري الواقع مؤخرًا، فقد شهدنا وقائع عديدة تتصل به، بدءًا من العلاقة التي ربطت بين إيران والنظام السوري من جهة، وحركات المقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، مرورًا بالثورات العربية، وخاصة الثورة السورية ومَن سُموا “أصدقاء سوريا” وشكل العلاقة التي ربطتهم بالمعارضة السورية.

في إطار العمل الفلسطيني مثلا، شكلت ظاهرة “أبو نضال” ومنظمته علامة بارزة على تجسيد ظاهرة “بندقية للإيجار” تحت مسمى النضال، وعن هذا كتب الكاتب البريطاني باتريك سيل في مطلع التسعينيات كتابه “أبو نضال.. سلاح للإيجار: الحياة السرية لأشهر إرهابي عربي في العالم”. وإذا كان أبو نضال يمثل التجسيد الفج للإشكال الذي نناقشه هنا، فإن المسافة التي تفصل بين النضال والاستثمار ليست بذلك الوضوح والفجاجة، بل هي شديدة التعقيد، ففي حالة تنظيمات مثل القاعدة و(الدولة الإسلامية) داعش والنصرة وغيرها، يتراوح تقويمها بين أن تكون مصنوعة أو مخترقة أو موظَّفة لخدمة أغراض سياسية محددة في إطار بعبع ما يسمى “الإرهاب” ودوره في السياسات الدولية والمحلية للأنظمة الاستبدادية المعادية للثورات الشعبية والسلمية.

وفي حالة حركات المقاومة الفلسطينية مثلاً، لا يمكن الحديث إطلاقًا عن “بندقية للإيجار”، وهذا لا ينفي وجود صراع بين مطلب النضال أو المقاومة من قبل هذه الحركات وبين إرادة الاستثمار في المقاومة من قبل أطراف سياسية أخرى، فخروج حركة حماس من دمشق -على سبيل المثال- جاء إثر محاولة النظام السوري فرض خيارات على الحركة من أجل دعمه ضد الثورة السورية، وهو ما اعتبرته حماس بقيادة خالد مشعل خارجًا عن وظيفتها ومشروعها الذي نذرت نفسها له.

فهي لم ترد أن تكون طرفًا في الثورة لا مع النظام ولا مع الثورة، لأنها اعتبرت هذا شأنًا سوريًّا، في حين أن إيران والنظام السوري قد استثمرا في دعم حركات المقاومة على مدى سنين، وذلك لجني مكاسب سياسية وأيديولوجية وفي التأسيس لما سمي محور المقاومة، وقد أربكت عوائد هذا الاستثمار المشهد السياسي خلال السنوات العشر الماضية فيما يخص الثورة السورية على الأقل، ولذلك قلنا: إن العلاقة بين النضال والاستثمار علاقة معقدة وليست بفجاجة نموذج أبي نضال.

يمكن التمييز هنا بين مستويات عدة: التبعية، وتلاقي المصالح، وتبادل المصالح جزئيًّا أو كليًّا، والاتصال المباشر بالدول، والاتصال غير المباشر. وهذه المستويات توضح مدى تعقيدات العمل السياسي من جهة، وتفرض إشكالاً في كيفية تحديد الفوارق بين هذه المستويات في حقل الممارسة من جهة أخرى.

فهناك خطّ دقيق يفصل بين صحة الفكرة والإخلاص في نصرتها من طرف جماعات أو تنظيمات أو حتى أفراد، وبين توظيف هذا الجهد والنشاط من قبل أطراف أخرى لخدمة مصالحها، رغم أنه لا بد من الإقرار اليوم بأن التنظيمات التي هي دون الدولة يصعب عليها جدًّا الفصل القاطع والحاسم بين نضالها من أجل مبادئها وقناعاتها، وبين إمكانية استثمار أطراف أخرى لنشاطها؛ لأنها بحاجة دومًا إلى نصير وداعم. وهذا الدعم، وإن لم يكن مشروطًا، فإنه يشكل استثمارًا سياسيًّا للطرف الداعم؛ لأن العمل السياسي ليس عملاً خيريًّا، وهنا يظهر التمييز بين تلاقي المصالح أو تبادلها، وبين التحول إلى أداة أو تابع.

فالعمل السياسي ينطوي -بطبيعته- على مكاسب متبادلة، والدعم السياسي ينطوي -بطبيعته- على بعد استثماري، ولكن يبقى التحدي في كيف نُبقي على علاقات تقاطع المصالح أو تبادل المصالح في إطار التقاطع أو التبادل فقط دون أن تنزلق إلى علاقة أداتية أو علاقة تبعية؛ فإنْ تحولت إلى ذلك تحوّل العامل من أجل قضية إلى عامل لمصلحة غيره، أو كان كالذي يبيع قضيته بمصلحة غيره. وربما تكون عدالة قضيته ليست موضع شك أو تشكيك، ولكنه حين يضع نفسه وقضيته في سياق استثماري خادم لمصلحة الآخرين فقط دون أن يعود ذلك على قضيته هو بالفائدة أو النصرة، فإنه يتحول إلى مجرد أداة في سياق سياسي أوسع وهو يظن أنه يُحسن صنعًا في حين أنه من الأخسرين أعمالاً! وهنا تظهر أهمية الوعي بالسياسة وطبيعة الفعل السياسي الذي يتطلب التيقظ التام والمتابعة الدؤوبة لمجريات العمل السياسي ودقة الموازين والحسابات كما سأوضح.

ويمكن لي أن أقترح جملة معايير للتمييز بين تبادل أو تقاطع المصالح وبين علاقة التبعية أو الأداتية، وسأكتفي هنا بذكر اثنين منها:

الأول: التمييز بين المقصد والوسيلة، فتحصيل الدعم مجرد وسيلة لخدمة القضية أو المبدأ السياسي، وحين تعود شروط الدعم على القضية نفسها بالضرر، فإن هذا الدعم سيحول العلاقة إلى علاقة أداتية أو علاقة تبعية. وقد تقع المفاضلة بين مقاصد مختلفة للعمل السياسي، وليس بين مقصد ووسيلة، فإن وقع ذلك لا بد أن نميز بين مستويين من المقاصد: المقصد الأصلي والمقصد التبعي. وتحديد ما هو أصلي وما هو تبعي يرجع إلى مدى وضوح رؤية الحركة أو الجماعة أو حتى الأفراد لمشروعهم وأهدافهم ومخرجات هذا المشروع المستقبلية.

الثاني: المرجعية، فعندما يتدخل طرف داعم أو صديق أو مناصر من أجل التحكم في مجال عمل معارضة ما، أو عندما يحدد المسموح وغير المسموح به فيما يخص القضية التي يتم النضال من أجلها أو في سبيلها، أو عندما يفرض إملاءاته، فإن العلاقة هنا تنتقل من علاقة تقاطع أو تبادل المصالح إلى التبعية أو الأداتية. فمرجعية المسموح والممنوع، وشكل صناعة القرار فيما يخص القضية النضالية ومن يحدده ومتى، هي مسائل تعين على التمييز بين أنماط أو مستويات العلاقة المشار إليها سابقًا. ولا بد من التنبيه هنا إلى أن الإملاء قد يتخذ صيغًا مختلفة ظاهريًّا؛ فقد يأتي بصيغة مشورة أو نصح، وقد يأتي عبر وسيط وليس بشكل مباشر، ولكنه في اللحظة التي يفقد فيها المناضل من أجل قضيةٍ حريتَه في تحديد ما هو أصلح لقضيته يتحول من علاقة التحالف أو تقاطع المصالح إلى علاقة التبعية.

توضح النقاط السابقة مبلغ تعقيدات الفعل السياسي من جهتين: الأولى: جهة فهم الفعل السياسي وطبيعته، والثانية: جهة تحديد معايير تقويم الفعل السياسي، وهذا ما سأفصل فيه في الآتي.

ففيما يخص الجهة الأولى حول طبيعة الفعل السياسي، يتسم الفعل السياسي -في رأيي- بسمات عدة:

الأولى: أنه فعل مستمر (in progress)؛ لأنه فعل تفاوضي واستثماريّ بالمعنى العام، أي إنه مفتوح على مختلف الاحتمالات، ولا يفتأ يتشكل ويعاد تشكّله بحسب تطورات السياق التي تصنعها معادلات الفعل السياسي، وكفاءة اللاعبين السياسيين، ومدى القدرة على استثمار الفرص وتجاوز التحديات وتحييد الأعداء وحسن إدارة العلاقة مع الحلفاء. وهذا الفعل لا يتحقق مرة واحدة فهو ليس فعلاً ناجزًا، كما أنه يتطلب التيقظ الكامل والمتابعة الدؤوبة، وسرعة الحركة وفعاليتها أيضًا.

ومن هنا نستطيع القول إن ثمة ترابطًا بين السياسة والاقتصاد، وهو ترابط مرده إلى طبيعة كل من الفعلين؛ فكلاهما فعل استثماري مصلحي، وكلاهما مبني على كفاءة اللعب والمقدرة على التفاوض، وكلاهما لا يتناول فعلا ثابتًا وناجزًا (static)، فكلاهما يتناول فعلاً في طور التشكل المستمر، فالفعل السياسي والاقتصادي هو نتاج سلسلة أفعال وردّ أفعال متوالية من جهة، ومتقلب من جهة أخرى؛ بمعنى أنه ليس له قانون ثابت يُركَن إليه، وكلاهما محكوم في ظل الدولة الحديثة بالمصلحة المرنة والسائلة، التي يتقاطع فيها الشخصي والحزبي والوطني بحسب شكل نظام الحكم ومؤسساته، كما يتقاطع فيها البعد الإقليمي والدولي بحسب وزن الدولة والأوراق التي تمتلكها وقدرتها على المناورة والتفاوض والاستثمار المستقل أو التابع.

وتظهر ثمرة القول بأن الفعل السياسي ليس فعلاً ناجزًا، في أن الفعل السياسي لمختلف الأطراف هو المحدد الرئيس لمسار وتطورات السياق والفعل، بمعنى أنك إن لم تحسن اللعب في المجال السياسي سيتغير موقعك (من حليف إلى تابع أو أداة مثلاً)، وربما يتم التخلي عنك أو التضحية بك؛ نظرًا لتحولك إلى عبء أو لفقدان شرعيتك أو لضعفك أو لعدم قدرة اللاعبين الآخرين على تحمل الأعباء الناتجة عن أخطائك.

السمة الثانية للفعل السياسي: أنه فعل مصلحي، ولا يقاس بمعيار الحق والباطل وإن تَلَبَّس به، أو حاول أن يظهر بهذا المظهر؛ لأن الحق والباطل من المسائل المعيارية الثابتة، بينما الفعل السياسي فعل متغير ومتقلب، ومن هنا يخطئ من يظن أن السياسة التركية مثلاً سياسة مبدئية تستند إلى حق أو باطل؛ لأنه لا وجود لمثل هذه السياسة في عالمنا المعاصر، وكذلك يخطئ من يظن أن دعم بعض الدول لحركات الإسلام السياسي مثلاً يرجع إلى الإيمان بأفكارها ومقولاتها، وهنا يغدو مبدأ ارتكاب أهون الشرين وطلب خير الخيرين مبدأ مركزيًّا في العمل السياسي؛ لأن الفعل السياسي كما سبق مفتوح دومًا على احتمالات وفرص، وينطوي على تعقيدات لا تخلو من قدرٍ من الشر، ويخطئ الإسلاميون حين يحولون الفعل السياسي إلى فعل عقدي يفصل بين الحق والباطل، ويواجهون معضلة حين يستغرقون في الفعل البراغماتي الذي يرجع إلى مصلحة قاصرة أو خاصة أو آنية؛ لأنهم في هذه الحالة ينقضون خصوصية فعلهم الموصوف بأنه “إسلامي”!

السمة الثالثة للفعل السياسي: هي أنه فعل محكوم بالعواقب والمآلات، لا بالنوايا الطيبة والمخلصة، فهو ليس مدفوعًا بالواجب (deontology)، بل إن الفعل المؤسس على الواجب يختلف كليًّا عن الفعل السياسي؛ فالواجب إنما يُفعل من أجل الفعل نفسه؛ لأنه واجب، بغض النظر عن ملابساته وعواقبه، فهو فعل مبدئي، وفعل معياري ثابت، وفعل ناجز وليس فعلاً يتشكل باستمرار كالفعل السياسي، وفعل مثاليٌّ وليس فعلاً واقعيًّا يتم فيه قياس خير الخيرين لإتيانه، وشر الشرين لاجتنابه.

إن تحليل طبيعة الفعل السياسي وأوجه اختلافه عن الأفعال الإنسانية الأخرى، له فوائد عدة: فهو يساعدنا على فهم ما يجري أولاً، وعلى التنبؤ بالمآلات وتوقع المخاطر ثانيًا، ثم إنه يساعد العاملين في ميدان العمل السياسي على صياغة أفعال سياسية ملائمة ثالثًا، كما يساعد الإسلاميين خاصة على التوقف عن تلقي المفاجآت والصدمات، ومغادرة عقيدة “المحن التي تسبق التمكين”؛ في حين أن عملهم السياسي يكاد يكون عبارة عن سلسلة من المحن المستمرة!

ولا تقف مشكلة بعض الإسلاميين عند شخصنة الدولة فقط، أي تفسير وقائع السياسة ومجرياتها بحسب شخص الحاكم، سواءٌ في حالة الرضا (كالتعامل مع أردوغان كما لو كان خليفة المسلمين) أو حالة الغضب (كما في حالة التعامل مع السيسي مثلاً). فالمشكلة تتعدى ذلك إلى فهم طبيعة الفعل السياسي نفسه، وفهم طبيعة عمل مؤسسات الدولة وعلائقها بعضها ببعض، وعلائقها بمؤسسات دول أخرى، ولذلك نجد أن المفاجآت سمة دائمة لدى بعض قيادات الإسلاميين أو أتباعهم؛ ليس لعدم القدرة على التنبؤ وقراءة المستقبل فقط، بل لعدم القدرة أيضًا على “إدارة” الفعل السياسي الموصوف سابقًا بأنه فعل في طور التشكل المستمر، وأنه مجموع أفعال وتفاعلات وموازنات تتطلب التيقظ التام في قراءة التحولات وأفعال اللاعبين وموازين القوى وتغير المصالح، واغتنام الفرص وتعقيد شبكة التحالفات وإدارتها بمهارة؛ بحيث يصعب الاستغناء عن اللاعب السياسي ويتم تعظيم هامش المناورة وأوراق اللعب.

وهذا ما يُبقي على العلاقة السياسية في إطار تقاطع أو تبادل المصالح؛ فكلما ضاق هامش التبادل أو التقاطع في المصالح، تم الاقتراب من دائرة التبعية أو الأداتية والاستغراق في علاقة الاستثمار. فالأداتية تتنافى تمامًا مع العمل السياسي؛ لأنك حين تكون أداة لا تعتبر لاعبًا بين اللاعبين الآخرين، واللاعب يصعب التضحية به أو فرض الإملاءات عليه، وإنما يتم التفاوض معه.

وكما ترى فإن هذه الموازين لا دور مركزيًّا فيها لمسألة الحق والباطل في تقويم مسار الفعل، كما أنها ليست متروكة للأقدار تفعل ما تشاء، فمجرد إيمانك بأنك على الحق وأن الله سينصر الحق لا أثر له في الفعل السياسي، ما دمنا نتحدث عن فعل عامّ أو حركة أو تنظيم، لا عن تصرفات فردية.

أما فيما يخص الجهة الثانية التي توضح تعقيدات الفعل السياسي، فهي جهة تقويم الفعل السياسي. فمن شأن فهم الفعل السياسي وطبيعته وسماته، أن يساعدنا على تقويم أفضل له، وحسبي أن أشير هنا في تقويم الفعل السياسي إلى أمرين:

الأول: أن معيار تقويم الفعل السياسي هو العواقب والنتائج لا النوايا؛ لأن المجال السياسي لا يعمل وفق حسن النوايا، ولا تصلح له؛ فهو إنما يقوم على المكر وحسن التفاوض والبراغماتية كما سبق، وعلى حسابات معقدة يتقاطع فيها الحزبي والوطني والإقليمي والدولي. نعم قد تصدق نوايا المقاومين أو الثائرين من أجل الحرية، ولكن تقويم الفعل السياسي هنا إنما يتناول الفعل نفسه؛ بعد وضعه في سياق سياسي محدد، وبناءً على عواقبه حتى لو خلُصت النوايا، ومن هنا تحدثت في مقال سابق عن مشكلة فهم بعض الإسلاميين لمسألة “اجتهد فأصاب فله أجر” وتطبيقاتهم المغلوطة لها في ميدان العمل السياسي العام.

ولكن علينا أيضًا أن نميز بين اتهام النوايا من الناحية الأخلاقية، وبين الغفلة السياسية. فقد تصدق نية العامل ولكنه في الوقت نفسه يوصف بالغفلة السياسية مما يعود على عمله بالمفسدة، والغفلة السياسية هنا أشبه بغفلة الصالحين في رواية الحديث النبوي التي حذر منها علماء الحديث، فبعض الصالحين كان يجري الكذب على لسانه ولا يتعمده؛ لحسن ظنه بالرواة وقلة تيقظهم ونقدهم للمرويات، كذلك يفعل العاملون في مجال السياسة ممن احترفوا الدعوة أو اتسموا بالصلاح أو فُطروا على حسن الظنون.

وللأسف فإن بعض الإسلاميين الحركيين يستخدمون هذا المعيار بشكل انتقائي فقط؛ لكف ألسنة النقد عنهم بحجة الحفاظ على مصلحة الجماعة أو أنه لا يُجهز على جريح، أو أن التوقيت غير مناسب، وهي حجج تهدف إلى الحؤول دون نقدهم أو تقويم أفعالهم أو مساءلتهم عن نتائج عملهم، في حين أن الفعل العام لا يكفي تقويمه وفق نية فاعله فقط؛ وإنما هو فعلٌ يتم في سياق، وله آثار وعواقب، وعلى الفاعل أن يتحمل مسؤولية أفعاله ومآلاتها، فلو تم استثمار فعله من أطراف أخرى؛ استثمارًا يعود بالضرر على قضيته، فإنه لا شك يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن ذلك؛ إما لعدم قدرته على فهم طبيعة الفعل السياسي، وإما لغفلته وعدم كفاءته في العمل السياسي، وإما لفساد في نفسه؛ خصوصًا في حالة إذا ما كان يعمل لمنفعة عاجلة وقاصرة غير عابئ بمآلاتها.

الأمر الثاني: أنني أؤكد مجددًا على أن الفعل السياسي ليس فعلاً خيريًّا، بل هو مصلحي تبادلي، وهنا يجب أن تتم الموازنة بين ما يريد العامل تحصيله وما يجوز دفعه ثمنًا في المقابل، وبين الأصلح والأقل فسادًا، والنقاش في التقويم ينصرف بعد ذلك إلى تحديد معايير وكيفية التقويم وما يصلح منها وما لا يصلح، فقد نختلف فيما هو أصلح أو أقل فسادًا، وقد نختلف حول مصادر تحديد ما هو أصلح أو أهون شرًا، ومن ثم فإن النقاش يكون حول مصادر التقويم والمعطيات والمعايير التي تم على أساسها تحديد ما هو أصلح، وحول ما إذا كان صلاحه مقطوعًا به أو مظنونًا، وحول ما إذا كان صلاحه عامًّا أو خاصًّا، وكذلك الأمر في تحديد أهون الشرين. وإنما يظهر الفساد هنا من الناحية الأخلاقية فيما إذا كان سقف الحسابات هو الجماعة أو الحزب وليس المصلحة العامة، أو فيما إذا كانت الأيديولوجيا هي مرجعية تحديد ما هو أصلح وما هو أهون الشرين. والله أعلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: