مقالات

السفير عبد الله الأشعل يكتب: أزمة العقل العربي وبؤس الواقع

وصلت إلى المرحلة الرابعة بحثا عن إصلاح العالم العربي. في المرحلة الأولى كان السائد هو إصلاح الحاكم، فلما استحال ذلك دخلنا في المرحلة الثانية فطالبنا بإصلاح المحكوم بعد استحالة صلاح الحاكم.

ثم جاءت المرحلة الثالثة وهي إصلاح الأحوال المحيطة بالحاكم والمحكوم وتعقد هذه العلاقة. ثم دخلنا المرحلة الرابعة والأخيرة، وهي أنني اكتشفت أن المعضلة الحقيقية هي في تكوين العقل العربي. وهذه هي نقطة البداية، وهي مسألة صعبة لكنها تستحق عناء المحاولة، خاصة وأن الحاكم لا يستقيم له ما يريد إلا باستلاب عقل المحكوم بكل الطرق، وأهمها رفع السفهاء إلى مصاف الامتياز، والزراية بالكفاءات ودفعها إما إلى استعبادها في خدمته، أو الرحيل إلى الخارج أو الرحيل من الدنيا أو الانطواء أو المعارضة والسجن والتنكيل.

وتشتد مظاهر أزمة العقل لمن يعيش في الغرب، فهو لديه عقدة نقص تجاه الغرب وعقدة استعلاء تجاه مواطنيه، وقد لمست ذلك بنفسي لدى بعض أقاربي. ولعل السائق أو العامل المصري في إحدى السفارات الأجنبية في مصر يتصرف باستعلاء على المصريين، وكأنه ملك البلاد التي أنشات هذه السفارات.

والعقل العربي تكون من عصور الاستبداد والانغلاق والصراعات والمواقف، ولذلك لا يتسم بالمرونة ولا يقبل الرأي الآخر ولا الآخر عموما، وهو يميل إلى الملاينة الخبيثة إذا كان ذلك في مصلحته. ويميل العقل العربي إلى التعالم ولا يعترف مطلقا بأنه لا يعرف، فهو يعرف كل شيء والآخرون جهلة، وهو عقل عنصري استعلائي شكاك، كما أنه عقل يعكس تربية مستبدة في الأسرة وميل نحو تكفير الآخر المخالف تكفيرا مهنيا وفكريا ودينيا.

وفي نفس الوقت يلوم الحاكم العربي على استبداده رغم أنه نتاج نفس البيئة، ولكن العقل العربي لا يفهم أسباب استبداد الحاكم، وهذا ليس تبريرا لهذا الاستبداد.

ولا يعلم أن المستبد ما كان له أن يكون كذلك لولا أنه وجد ضحايا عبيدا يسمعونه، وفي مصر نقول “يا فرعون من فرعنك، قال: العبيد”.

ويبدو أن الميل للعبودية في الإنسان العربي يتناقض مع ما جاء في الكتب القديمة من إباء النفس والكبرياء وحتى الحماقة لقول أحدهم: ألا يجهلن أحد علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا.

ولذلك يجب على المصلحين والمثقفين أن يتجردوا من أي انتماء طائفي أو عرقي أو ديني أو شخصي أو مصالح، ويبدأوا في دراسة التشوهات التي تعيب الشخصية العربية.

وقد لاحظت ذلك في تجربة شخصية، فقد قابلت في حياتي أشخاصا لديهم تصور معياري لكل الناس ولا يعترفون بخصوصية بعض الأشخاص، فاللص يعتقد أن الآخرين كلهم لصوص، والخائن يعتقد أنه ذكي وماهر وأنه يبتز غيره ويستحمره ويستغل سذاجة البعض، مع الخلط بين السذاجة والطيبة في الشخصية العربية.

وإذا درسنا بأمانة عوار هذه الشخصية أمكننا أن نصمم نموذجا مثاليا للشخصية السوية التي تستحق الاحترام والتمتع بقيم الحرية؛ لأن الإناء السليم ينتج أفضل ما فيه حاكما للإناء، والإناء الفاسد ينضح بأقذر ما فيه حاكما له، وهذا هو معنى الحديث الشريف “كما تكونوا يولّ عليكم”.

ولذلك نشط المسلمون في الدعوة إلى الله دون أن ينتبهوا إلى أنهم أغفلوا ما يريده الله منهم في أنفسهم، وتلهج ألسنتهم بالدعاء بألا يولي عليهم من لا يخاف الله ولا يرحمهم، وأغرب ما في هذه الدعوات: اجعل ثأرتا على من ظلمنا، وكذلك بالنصر على القوم الكافرين، وهذه في الواقع دعوات لسانية، والغريب أن المسلمين يستغربون لماذا لم يستجب الله لهم بل يعذبهم ببعضهم ويذيقهم بأس حاكمهم.

وقد كتبت قبل ذلك وقلت إن الأحرار في النظم الديمقراطية التي تشكلت عبر قرون من بناء الشخصية الغربية أصبحت الإنسانية عندهم (أي الفطرة الإنسانية) تفلت من كل التصنيفات والتقسيمات، ولذلك تقل عندهم أمراض القلب في الإسلام، وهي النفاق والكذب والكبر والحقد، فربحوا الدنيا والآخرة على عكس أقرانهم من ذوي الشخصية المعقدة التي تستمرئ العبودية والكذب والالتواء والاستبداد، رغم أنهم عجزوا عن الاستفادة من الإسلام وقيمه في تقويم سلوكهم فخسروا الدنيا كما خسروا الآخرة، لقول الرسول الكريم: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر..”.

وحتى المثقفين الذين اغترفوا من علوم الغرب وعاشوا في مجتمعاته وانبهروا بما حققه الغرب؛ هم الخطر على الشخصية العربية، فقد أعانوا الحاكم الباطش وزينوا له عمله في الاستبداد والنهب، مقابل أن يلقي إليهم بالفتات ضمانا لولائهم لمنظومته الفاسدة. وهكذا صار لكل حاكم جيش من هؤلاء في جميع المجالات.

وقد احترت في فهم بعض الشخصيات التي كانت مثالا لنا في الجامعة في العلم فإذا بها حذاءا في رجل الحاكم ويفخرون بذلك بل إن بعض رجال الدين يفخرون بأنهم ترزية قوانين أو أنهم من رجال السلطان أو فقهاء السلطان، مدفوعين بالعطايا على حساب الوطن. وبودي لو تسجل أسماء هؤلاء ويسجل ما فعلوه، فهل هم يجهلون؟ أم أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ أم أنهم مغيبون؟ أم من أصحاب المصالح؟

وقد بدأت في دراسة أولية تعرض لكل الفنانين العظام الذي شكلوا وعي الأجيال بالمعايير التي ذكرتها، وهذه نقطة حاسمة لتبصير غيرهم في المستقبل.

ولا مانع عندي من أن يكون العالم عالما في علمه فقط، وأن يجهل خطورة مهمته في الترويج لانحراف الحاكم، ولكنه لا يجوز أن يكون أداة لتجهيل الناس وخداعهم بالتضليل، وهم يعرفون أن ذلك مقابل مزايا وظيفية أو مادية تعتبر في حكم الاغتصاب والتواطؤ على مصالح الوطن.

وقد لاحظت أن المعلقين على ما أنشره في فيسبوك بعضهم يعزف عن التعليق إذا كان الموضوع يخالف معتقداته، وبعضهم الآخر يهاجم القائل ويعجز عن مناقشة ما يقول، أما البعض الآخر فهو يمتدح وهو يظن انه يجامل أو يرضي على حساب الحقيقة.

كما لاحظت أن العقل العربي متطرف لما ينحاز له ولا يرى جوانب أخرى. فمثلا إذا طلب من السعودية أن توقف حربها في اليمن قيل إن هذا الطلب انحياز لإيران الشيعية ضد السعودية السنية العربية، وفيه تجاهل لعدوان الحوثيين على السعودية.. ومن قائل بأن رفع الحوثيين من قائمة الإرهاب شجعهم على التصعيد ضد السعودية، وهذا قصور في الفكر السياسي. ومن الصعب على العقل العربي أن يكون مراقبا محايدا ينحاز إلى انتصار السلام في اليمن أو يعكس التحليل الخاص بخطط وتصورات أطراف الصراع.

ولمظاهر قصور الفكر العربي أمثلة يصعب حصرها، لكني اكتفي بالإشارة إلى صعوبة حياده وعدم الانتباه إلى التفاصيل أو المتشابهات، كما أنه يغرق في الأحراش، ولا يتبين المفاصل الأساسية للحدث، كما أن العقل العربي يخلط بين الحقائق والآراء وبين الخبر والرأي.

وأخيرا تلك سمات عامة لا تمنع من وجود عقليات ممتازة عربية، فالأمانة تقتضي اقتحام المشكلة دون التوقف عند حجج المطففين، وهي أن عرض العوار في العقل العربي هو جلد للذات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: