مقالات

ياسر عبد العزيز يكتب: خاشقجي الذي تفرق دمه بين القبائل


على مر التاريخ وقعت حوادث غيّرت مجراه ومساره، كحادثة اغتيال ولي عهد النمسا التي أشعلت الحرب العالمية الأولى، وأقامت دولا ولم تقعدها. هذه الجرائم لا تبعد كثيرا في تصنيفها عن تصنيف جريمة قتل الصحفي الأشهر في منطقة الخليج والوطن العربي، جمال خاشقجي، في القرن الواحد والعشرين، لما كان من ملابسات وتفصيلات هزت العالم، من غدر بالاستدراج إلى قنصلية بلاده، وبشاعة تنفيذ العملية، بالتخدير ثم التقطيع، وعدم تصور مدى سادية منفذي العملية، بإذابة الجثة بالأسيد والتخلص منها بمعاونة أحد المقيمين في إسطنبول.

 

كما أوردت السلطات التركية في تحقيقاتها وتصويرها للحادث، رغم تضارب الروايات بحسب من يرويها، فرواية السعودية تختلف عن رواية تركيا التي وقعت على أراضيها الحادثة، وبين هذه وتلك خلافات سياسية وضعت بصمتها على تحديد الجناة ومسئولية الفاعلين، والأهم في هذه الحادثة هم منفذوها ومن يقف وراءهم.

الحقيقة بين رواية تركيا ورواية السعودية

في الوقت الذي أدانت فيه تركيا العملية ووضعت أسماء فريق الاغتيال الذي وصل إلى أراضيها في رحلات خاصة لتشتيت الانتباه وأشارت بأصابع الاتهام إلى ولي العهد السعودي، وكشفت جهات التحقيق عن بعض التسجيلات الصوتية والمصورة التي تؤكد انخراط الأسماء المتهمة في الجريمة، صعد الرئيس التركي أردوغان بتوجيه الاتهام لمن سماهم مسؤولين كبارا في المملكة السعودية.

لكن على الجانب الآخر كانت الرواية السعودية بعد التمسك بالإنكار، حتى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وفي مقابلة مع محطة بلومبيرج الإخبارية، قال إن الصحفي غادر القنصلية بعد بضع دقائق أو ساعة واحدة، وأضاف: “ليس لدينا ما نخفيه”، في رسالة مفادها لا تسألونا عن المغدور، لتتحول الرواية بعد أقل من أسبوعين بأن منفذي العملية مارقين لا تجمعهم بأي من متخذي القرار في الرياض صلة، وهو ما تنفيه التحقيقات الأممية والتركية وحتى الأمريكية التي جاءت في تقرير المخابرات الأمريكية المنشور منذ أيام.

فمن بين فريق اغتيال خاشقجي الــ15، نصفهم تقريبا من أعضاء قوة التدخل السريع المرتبطة بالديوان الملكي، التي تتولى مهمة الدفاع عن ولي العهد وتتلقى أوامرها منه، وهو ما لا يتخيل بأي حال من الأحوال أن يكونوا ليشاركوا في العملية من دون موافقة، أو حتى علم الأمير الصغير.

تقرير المخابرات الأمريكية وموازنات المصالح

على الرغم من أن الرئيس بايدن وحملته الانتخابية لطالما بشرا بحمل راية حقوق الإنسان في العالم وإعادة ضبط الموازين، لكن مكالمة بين ساكن البيت الأبيض والملك السعودي سبقت الإعلان عن التقرير الأمريكي الخاص بمقتل خاشقجي.

 

وعلى الرغم من أن سلفه لم يعلن فحوى التقرير، مبررا ذلك بخوفه من الكشف عن مصادر وأساليب مخابراته في استجلاب المعلومات، قرر بايدن نشره، لكن الاتصال الهاتفي مع العاهل السعودي والذي سبق النشر، وضع علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كان ما نشر هو التقرير الحقيقي الذي كتب. فعلى الرغم من أن جل المجموعة التي نفذت العملية مرتبطين إداريا بولي العهد، إلا أن ولي العهد لم يدرج في قائمة الـ76 سعوديا الذين شملتهم العقوبات الأمريكية بموجب التقرير الصادر.

وعلى الرغم من أن الخزانة الأمريكية جمدت أصول النائب السابق لرئيس المخابرات السعودية، ومنعت جميع التعاملات مع قوة التدخل السريع، المعروفة باسم فرقة النمر، لكن مسئولها الأعلى وقائدها الملكي المسيطر على صنع القرار في المملكة منذ عام 2017، وهو ولي العهد، لم يصب بشظايا هذا التجميد أيضا.

يرجع البعض إغفال التقرير عمدا ذكر ولي العهد لما يمثله الأمير الشاب من نفوذ كبير في المملكة، واحتمالية توليه العرش حتي في حياة والده، وتخشى الإدارة الأمريكية أن تتأثر مصالحها، إذ أن مزيدا من الضغط على النظام السعودي قد يعني اندفاعا سعوديا باتجاه تعميق علاقاتها مع كل من روسيا والصين، وهو ما يتمناه البلدان لا سيما الأخيرة التي تسعى إلى اختراق أكبر للخليج الذي تسيطر عليه السعودية بفعل الحجم والتاريخ، وهو ما تحدث به بايدن نفسه في أول خطاب له من مبنى وزارة الخارجية في 5 شباط/ فبراير الماضي.

 

ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل المليارات التي تدفعها السعودية سنويا في شكل صفقات سلاح لا تحتاج أغلبها، لسد عجز الخزانة الأمريكية، كما أن قواعد أمريكا العسكرية الخمس في السعودية لا يمكن التفريط فيها بتعكير صفو العلاقات مع ولي العهد، بعد تعرض المصالح الأمريكية في العراق لمزيد من الضربات من قبل المليشيات الإيرانية، والتي أثلجت صدر الأمير الصغير بلا شك، لأن مثل هذه الضربات تعني تمسكا أكبر من واشنطن بقواعدها في السعودية.

وعلى كل لم تتفق الإدارات الأمريكية، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، على شيء أكثر من اتفاقها على العمل من أجل “المصلحة الوطنية”، ما يبيح لها التعامل مع القادة الملطخة أيديهم بالدماء، بدءا من فلاديمير بوتين وصولا إلى كم جونج أون. لكن المختلف هذه المرة هو أن المملكة حليف استراتيجي رئيسي في الشرق الأوسط، ويعتمد عليه في التطبيع مع الكيان الصهيوني في خطة أشمل لتدجين الشرق الأوسط تحت سيطرة تل أبيب.

خاشقجي الذي تفرق دمه بين القبائل

قبيل إعلان الولايات المتحدة الأمريكية تقريرها عن مقتل الصحفي السعودي المغدور خاشقجي، استبقت بعض المنظمات والمؤسسات العربية بتبرئة ولي العهد من دم ابن يعقوب. وعقب إعلان التقرير الأمريكي توالت ردود الفعل له، فأعرب البرلمان العربي عن رفضه القاطع المساس بسيادة المملكة العربية السعودية، وكل ما من شأنه المساس بقيادتها واستقلال قضائها! وتشابهت باقي الردود من الأمانة العامة للجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي، وعلى نهج المنظمات سارت الإمارات والبحرين رفضا للتقرير وتحذيرا من المساس بقادة المملكة، ليتفرق دم الصحفي السعودي المغدور بين القبائل، بخلق العصبية القبلية والعشائرية في زمن ما قبل الدولة المدنية وسيادتها، وعلى مبدأ انصر أخاك ظالما أو مظلوما، وهو الخلق الذي قومه الإسلام وصححه النبي العدنان؛ بتبيانه أن نصرة المظلوم برفع الظلم عنه ونصرة الظالم بمنعه عن الظلم، يا من تدعون المدنية وسيادة القانون.

عربي 21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: