تقارير

الاحتلال يعتقل قيادات حماس لمنع ترشحهم للانتخابات المقبلة

رامي أحمد –

اعتقلت قوات الجيش الإسرائيلي الاسبوع الماضي ناشطان اثنان من رؤساء حماس في نابلس (عدنان عصفور وياسر منصور)، استمرارًا لموجة اعتقالات تنفذها إسرائيل منذ عدة أسابيع في أوساط أعضاء بارزين في أرجاء الضفة. وأثار الاعتقال الأخير موجة من الإشاعات في المناطق بأن إسرائيل تحاول توجيه الضربات لاستعدادات حماس للانتخابات البرلمانية الفلسطينية، التي من المفترض إجراءها في أيار/ مايو القادم. إشاعة أخرى قالت بأن الاعتقالات تاتي عشية الانتخابات في إسرائيل بهدف تحفيز إمكانية إجراء صفقة تبادل أسرى مع حماس.
من غير المستبعد ان يكون التفسير أبسط من ذلك بكثير، وأن الاثنيْن على علاقة بمحاولة إقامة بنية تحتية مدنية أو عسكرية في منطقة نابلس، لكن في هذه المرحلة من الاستعداد للانتخابات يثير كل اعتقال من هذا القبيل الشكوك – بالتاكيد في أوساط أنصار حماس – بان إسرائيل تحاول التضييق على قوة المنظمة السياسية. هذه الشكوك تفيد حماس ومن المتوقع ان تؤدي الى رفع نسبة التصويت في أوساط عناصرها.
بصرف النظر عن حماس او فتح تشكل الانتخابات البرلمانية والرئاسية الفلسطينية امام حكومة إسرائيل معضلة ليست سهلة على الإطلاق. مع كل يوم يمر فان احتمالات  إجراء الانتخابات يرتفع ويرتفع .
كثير من العقبات التي وقفت في وجه حماس وفتح في الطريق امام الوصول لتفاهمات على الانتخابات تم تذليلها على الاقل حتى هذه اللحظة على الرغم من وجود عدد ليس قليلا من هذه المعيقات.
على ما يبدو تقضي المصلحة الإسرائيلية بان تفوز فتح في الانتخابات المرتقبة وان الرئيس أبو مازن ابن الـ 86 يفوز بالانتخابات الرئاسية لكن الصورة تبدو معقدة أكثر بكثير. يبدو ان حكومة نتنياهو تخشى أبو مازن أكثر من خشيتها من حماس وهي لا تريد سلطة فلسطينية قوية تستطيع تمثيل كل الفلسطينيين في غزة والضفة.
قامت إسرائيل باعمال ليس قليلة لإدامة حكم حماس لغزة ولإضعاف سلطة أبي مازن، بدافع الرغبة الواضحة بعدم السماح بنقاش فكرة حل الدولتيْن. وفق منطق الحكومة الحالية اذا استمر الانقسام بين فتح وحماس فسيستمر النظر الى فكرة حل الدولتين باعتبارها ضربا من الخيال والوهم.
لكن الاحتمال الثاني الذي يبدو معقولا في هذه الايام – فوز حماس في الانتخابات البرلمانية – لا يتوقع منه ان يخدم المصالح الإسرائيلية. ما الذي ستفعله إسرائيل بالضبط في حال كانت الحكومة القادمة التي ستسيطر في الضفة الغربية يقف على راسها قادة بارزين من حماس ؟ كيف ستتصرف امام حكومة كهذه ؟ صحيح ان إسرائيل لديها الخبرة من تجربة ال 2006 ومع ذلك فان فوز حماس في الانتخابات القادمة سيخلق حالة من الاحراج الشديد لإسرائيل وسيؤدي الى الاهتمام بحماس في أوساط المجتمع الدولي واوروبا ومحافل ليبرالية في ادارة بايدن. نفس هؤلاء الاشخاص في ادارة اوباما ايدوا اثناء الربيع العربي فتح حوار مع الاخوان المسلمين في مصر ومن المتوقع ان يؤيدوا ايضا فتح حوار مع حماس في حال فوزها في الانتخابات.
يتبين حتى الان ان الرجل المحوري في انتخابات 2012 هو الاسير الفلسطيني الاشهر مروان البرغوثي. اذا اراد ستكون فتح موحدة واذا لم يريد ستواجه قائمة من المرشحين المحسوبين على فتح قائمة فتح الرسمية وربما تكون قوائم اخرى من الحركة. من المتوقع ان تكون حماس الرابح من ذلك : اصوات انصار فتح ستتوزع بين اولئك المؤيدين للمعسكر الوطني في نفس الوقت انصار المعسكر الديني الاسلامي سيحصد كل اصوات انصاره.
في نهاية 2005، عدة أسابيع قبل الانتخابات، قرر البرغوثي المشاركة في الانتخابات بقائمة منافسة (المستقبل) لفتح. مورست عليه ضغوطا متنوعة حتى يتراجع عن فكرة القائمة المنفصلة التي تشكلت على خلفية الفساد داخل فتح وتعيين المقربين، في نهاية الامر وافق وشارك في قائمة موحدة مع فتح. الا ان الضرر كان قد حصل بالفعل وصورة حركة فتح في نظر الكثيرين كانت حركة منقسمة ومتصارعة، يكثر فيها الخلافات والفساد. ويقول رئيس قسم الدراسات الفلسطينية في مركز ديان في جامعة تل ابيب ميخائيل ميلشتاين ان المشكلة ان هذه الصورة لم تتغير كثيرا وان الجمهور الفلسطيني يرى منذ الان الانقسامات ومراكز القوى داخل الحركة وكان شيئا لم يتغير.
“معسكر البرغوثي” – كما يطلق على انصاره – يقوم بخطوات تشير إلى عزم البرغوثي المنافسة في الانتخابات الرئاسية، وربما في قائمة مستقلة للبرلمان. هذه المجموعة التي قادت تنظيم فتح في السابق (قدورة فارس، عيسى قراقع، حاتم عبد القادر، أحمد غنيم وآخرين) وجدت نفسها مهمشة ومستبعدة من مختلف مؤسسات السلطة.
مرة تلو الأخرى، اهتم أبو مازن بإبعادهم عن مراكز اتخاذ القرار، ومرة تلو الأخرى رأوا كيف يراكم مجموعة المقربين من عباس النفوذ والقوة والمال ويرسخون مكانتهم بكل الوسائل المتاحة. من هنا جاءت الرغبة عندهم في إظهار الاستقلال وإجراء مفاوضات مع أبي مازن وأنصاره هذه المرة من موقع القوة.
الى كل هذا يجب اضافة حقيقة كون السلطة فعلت الكثير لابقاء البرغوثي خلف القضبان، وانصار أبو مازن بعثوا برسائل بهذا المعنى الى الجانب الإسرائيلي.
من وجهة نظره، فإن فوزه في الانتخابات كما تتوقع له استطلاعات الراي العام ستعبد الطريق امامه للخروج من سجنه تحت ضغط دولي مكثف على إسرائيل. يبدو هذا السيناريو خياليا لكثير من الإسرائيليين في هذه المرحلة خصوصا اولئك الذين يرفضون استيعاب التغيير الحاصل في واشنطن. في حال كانت نتائج الانتخابات على هذا النحو فان ضغطا كهذا سيسجل بالتاكيد.
من سيواجه البرغوثي في الانتخابات الرئاسية هو الرئيس الحالي ابن الـ 86 الذين يقول كثيرا من المسؤولين الكبار من الدول المجاورة الذين التقوه مؤخرا انه في ذروته. يقوم بعمله، يتحدث، يفكر ويعمل كما الامس واول من امس. في الوقت الذي يعاني فيه مجموعة الشخصيات الفلسطينية الكبيرة التي تعمل معه (ماجد فرج، حسين الشيخ، جبريل الرجوب واخرين) من مشاكل صحية مختلفة يبدو أبو مازن نشيطا كالمعتاد. لكنه هو الاخر يعرف انه في حالة دخول السابق الرئاسي امام البرغوثي فان الاحتمالات لا تميل الى جانبه.ربما لهذا السبب ارسل الاسبوع الماضي حسين الشيخ الى سجن هداريم. قرار ارسال الشيخ يبدو غريبا ومستهجنا . يدور الحديث هنا عن الخصم الكبير للبرغوثي في فتح منذ صيف عام 2000 العاصف قبل وقت قصير من اندلاع الانتفاضة الثانية. في واقع الحال حفزت الخلافات بين الرجلين الانتفاضة والهجمات التي شنها عناصر حركة فتح في حينه. ادى التنافس بينهما الى قيام انصار كل منهما من نشطاء التنظيم وكتائب الاقصى في كل منطقة بشن اكبر عدد ممكن من الهجمات، لكسب المزيد من الدعم السياسي والمالي من الرئيس السابق ياسر عرفات. وصل هذا الامر الى مستويات لا تصدق تقريبا عندما قرر البرغوثي في احد ايام الشتاء في نهاية 2000 وقف إطلاق النار من بين الاحياء السكنية في رام الله وذلك بعد ان اشتكى السكان الذين كانوا يسكنون مقابل مستوطنة بسجوت من ان رد الجيش الإسرائيلي على إطلاق النار يلحق بهم اضرارا فادحة.
أوقف انصار البرغوثي إطلاق النار في الوقت المحدد، في تلك اللحظة بالذات بدا انصار حسين الشيخ بإطلاق النار باتجاه بسجوت بهدف خرق وقف إطلاق النار الذي اتخذه البرغوثي.
ذروة العداء بين الرجلين سجلت في المعركة بين الاثنان على رئاسة اللجنة العليا لحركة فتح في الضفة (التنظيم) الذي انتهى شكليا بفوز الشيخ. لكن هذا الفوز كان مصطنعا ومزيفا تحت رعاية عرفات الذي اراد اضعاف البرغوثي بكل طريقة ممكنة.
في نهاية الامر تحول البرغوثي الى رمز للانتفاضة والشيخ تحول الى رمز للفساد والتعاون مع إسرائيل.
لذلك عندما ارسل الشيخ للقاء البرغوثي في السجن كان ذلك مدعاة للاستغراب في رام الله. ومع ذلك قال مقربو البرغوثي انه اوضح للشيخ في اللقاء انه ليس معنيا بخلاف داخل الحركة.
في الوقت نفسه اوضح البرغوثي انه لن يوافق على الاستمرار بتعيين مقربين من او ابناء عائلات كبار المسؤولين في فتح كمرشحين محتملين للبرلمان نيابة عن فتح. القرار الذي اتخذه أبو مازن فيما يتعلق بقائمة فتح هو تشكيل خمس لجان مختلفة ثلاث في الضفة واثنتان في غزة، وعلى راس كل واحدة سيقف ثلاث اعضاء من اللجنة المركزية لفتح بالاضافة الى عشرة او خمسة عشر عضو من المجلس الثوري. هم سيقرروا من سيكون المرشحين من الحركة للبرلمان وهذه القائمة سيتم اقرارها من المجلس الثوري واللجنة المركزية لاحقا. لكن البرغوثي يخشى ان هذه الوصفة ستمهد الطريق امام (ابناء ال) الى البرلمان بينما القادة الحقيقيون الذين يحظون بشعبية وتاييد الجمهور الفلسطيني لن يستطيعون الدخول في المنافسة. من هنا كان موقفه حاسما: معسكر البرغوثي يريد إجراء انتخابات تمهيدية بالضبط هكذا كتلك التي كانت في حزب “الليكود” أو “العمل” انتخابات ديمقراطية في أوساط ابناء الحركة. اذا حصل هذا وفق البرغوثي سيكون مستعدا لقبول النتائج ايا كانت. وقال اذا اختارت الأكثرية أبو مازن رقم واحد فانه سيسحب ترشيحه للرئاسة. لكن اذا جرت محاولة للتلاعب بالنتائج كما حصل في غير مرة في المؤتمرات العامة لفتح فان البرغوثي لن يقبلها.
لم يكتفِ الشيخ بزيارته البرغوثي. فقد التقى ايضا كريم يونس اقدم الاسرى الفلسطينيين. يونس يعتبر عضوا شرفيا في اللجنة المركزية لفتح وهي خطوة راى فيها البعض محاولة لاضعاف البرغوثي أكثر وأكثر.
اللقاء مع يونس هدف الى اثارة الصخب حول احتمال ترشيح البرغوثي نفسه للرئاسة وربما سيكون هناك من سيحاول دفع يونس لفعل الشئ نفسه.
إذا هناك من يتامل ان ينقسم انصار البرغوثي بينه وبين يونس وأبو مازن يخرج الرابح من وراء هذا. تهدف هذه الخطوة بالاساس لتهديد البرغوثي فليس لها اي فرصة حقيقية للتنفيذ. فيونس ليس اسما متداولا كما هو الحال مع البرغوثي. على اي حال الاستعدادات للانتخابات مستمرة ويوم الثلاثاء الماضي انهت لجنة الانتخابات المركزية سجل الناخبين وسجلت في جميع المناطق استجابة مثيرة جدا من الجمهور. وبلغ عدد المسجلين المحتملين 90%. سجلت بشكل اساسي حركة نشطة لنشطاء حماس في الضفة والقطاع كذلك فعل نشطاء فتح ولكن كما كان عليه الحال في العام 2006 أيضًا، الآن اللون الأخضر أبرز بكثير من اللون الأصفر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: