مقالات

إسماعيل ياشا يكتب: الخارجية الأمريكية إذ تبرأ الإرهاب

أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، في تصريحات صحفية، أن القوات التركية أنهت عملية “مخلب النسر-2” التي استهدفت عناصر حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وقامت بتطهير معظم منطقة “قارا” من الإرهابيين، وتحييد 50 منهم، مشيرا إلى استشهاد ثلاثة من عناصر الجيش التركي، كما ذكر أن القوات التركية عثرت في مغارة اقتحمتها على 13 جثة لمواطنين مدنيين أتراك، تم اختطافهم في وقت سابق.

الإرهابيون قاموا بإطلاق النار على رؤوس المدنيين الذين كانوا يحتجزونهم في المغارة، بعد أن تأكدوا أنه لا مفر من قبضة القوات التركية. وندد أصدقاء تركيا وعدد من الدول بهذه المجزرة، إلا أن الخارجية الأمريكية استخدمت صيغة تشكيكية، وقالت إنها تستنكر قتل مواطنين أتراك في شمال العراق “إن صحت التقارير التي تشير إلى مسؤولية حزب العمال الكردستاني”.

ما ذكرته الخارجية الأمريكية حول استنكار مقتل المدنيين الأتراك، محاولة لتبرئة حزب العمال الكردستاني ودعاية مجانية للمنظمة الإرهابية، من خلال التشكيك في التصريحات التركية الرسمية. ولو كانت هذه الرواية وردت فقط في تقارير إعلامية لقيل إن واشنطن تسعى إلى التثبت والتأكد من صحتها من مصادر موثوقة، إلا أنها جاءت على لسان وزير الدفاع التركي، وبالتالي يعني التشكيك فيها اتهام الحكومة التركية باختلاق رواية مغايرة للحقائق.

الصيغة التي استخدمتها الخارجية الأمريكية في استنكارها لمقتل المواطنين الأتراك أثارت استياء واسعا في تركيا. وقامت وزارة الخارجية التركية باستدعاء السفير الأمريكي لدى أنقرة، للاحتجاج على تشكيك واشنطن في التصريحات الرسمية. كما استنكر رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان الموقف الأمريكي المنحاز للمنظمة الإرهابية، مشددا على أن الولايات المتحدة تدعم حزب العمال الكردستاني، وتمده بالسلاح.

الغضب التركي الذي فجرته تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، دفع واشنطن إلى التراجع، واستنكار المجزرة، مع التأكيد على مسؤولية حزب العمال الكردستاني عنها. وجاء تعديل الموقف الأمريكي بعد تقديم أدلة دامغة إلى السفير الأمريكي تشير إلى تصفية المدنيين الأتراك من قبل الإرهابيين، مثل التقارير الطبية والصور التي تؤكد أنهم قُتِلُوا من خلال إطلاق الرصاص على رؤوسهم من مسافة قريبة.

القراءة في أزمة التشكيك الأمريكي في تصريحات وزير الدفاع التركي، تشير إلى أن العلاقات التركية الأمريكية لن تكون على ما يرام في المرحلة القادمة، إلا أنها تؤكد في ذات الوقت أن أنقرة لن ترفع راية بيضاء أمام الضغوط والمناورات الأمريكية. وكانت أزمة من هذا النوع متوقعة بعد عودة أسماء مقربة من حزب العمال الكردستاني إلى الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة بايدن، مثل وزير الدفاع لويد أوستن، ومنسق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بريت ماكغورك. ومن المتوقع أيضا أن تشهد العلاقات بين أنقرة وواشنطن أزمات مماثلة في المستقبل القريب.

الرد التركي الحازم أجبر الولايات المتحدة على التراجع وتعديل صيغة الاستنكار لتحمل حزب العمال الكردستاني مسؤولية المجزرة دون أي تشكيك. ويدل ذلك على أن التحركات والتصريحات الأمريكية المنحازة للمنظمة الإرهابية لن تمر مرور الكرام. كما أن استخدام أردوغان لهجة شديدة تتهم الولايات المتحدة بدعم حزب العمال الكردستاني، وتطالب بالصدق والوضوح في العلاقات الثنائية، يضع واشنطن أمام مفترق الطريق: إما تركيا وإما المنظمة الإرهابية.

قوات الأمن التركية شنت الاثنين حملة أمنية واسعة في 40 محافظة ضد أنشطة حزب العمال الكردستاني، واعتقلت 718 شخصا، بينهم رؤساء فروع حزب الشعوب الديمقراطي. وكانت الأغلبية من الشعب التركي تطالب منذ زمن بمثل هذه الحملة الأمنية التي جاءت بعد “مجزرة المغارة”، كما تطالب بحظر حزب الشعوب الديمقراطي الموالي لحزب العمال الكردستاني. وكان رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، قد أشار إلى ضرورة حظر هذا الحزب، إلا أن حزب العدالة والتنمية يبدو مترددا في الإقدام على مثل هذه الخطوة، لأنه كان – وما زال – يرفض فكرة حظر الأحزاب السياسية.

عربي 21

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: