اخبارتقاريرعربيمصر

حسن البنا..القائد الحركي الذي امتلك قدرة نادرة على تحريك الجماهير

في الذكرى الـ 72 لاغتيال الإمام الشهيد

على المصري –

يُعَدّ “حسن البَنَّا” نموذجًا فريدًا للزعيم الروحي والمفكر الديني، والمصلح الاجتماعي، والقائد الجماهيري الذي يمكن أن تلتف حوله مختلف الطوائف والمستويات التي يجمعها اتجاه فكري واحد، وتربط بينها أيدلوجية مشتركة، فقد استطاع “حسن البَنَّا” في سنوات قليلة أن يؤسس أكبر جماعة دينية في القرن العشرين بلغ أتباعها الملايين.
ويمكن اعتبار “حسن البَنَّا” مزيجًا متميزًا من الفكر السلفي والروحانية الصوفية، فقد كان تجسيدًا فريدًا للروحاني الصوفي، والعالم المسلم،
والقائد الحركي الذي امتلك قدرة نادرة على تحريك الجماهير، من خلال ترجمة المبادئ العقدية والفكر السلفي إلى عمل اجتماعي.

ميلاده ونشأته

وُلِد حسن البَنَّا بقرية “المحمودية” بمحافظة البحيرة في ضحى يوم الأحد (من أكتوبر 1906م).وكان والده “أحمد عبد الرحمن البَنَّا” مأذونًا وإمامًا لمسجدها، كما كان يعمل بتصليح وبيع الساعات،
وكان الشيخ محبًّا للعلم والقراءة وقد صرف جُلَّ وقته في الاطلاع والتصنيف، فألَّف عدة كتب، منها “بدائع المسند في جمع وترتيب مسند الشافعي”، و”الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني”، و”بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني”
في هذا الجو الديني المشحون بالعلم والثقافة نشأ حسن البَنَّا، فأحب العلم، وعشق القراءة، وتشرَّبت نفسه بالتدين منذ الصغر.

نبوغ مبكر وريادة منذ الصغر

اشترك حسن البَنَّا – في وقت مبكر – في بعض الجمعيات الدينية مثل: “جماعة السلوك والأخلاق” و”جماعة النهي عن المنكر”، و“الجمعية الحصافية للبر” التي نهضت للحفاظ على المبادئ الأخلاقية الإسلامية الأصيلة، كما كان قيامها ردَّ فعل لنشاط البعثات التنصيرية في مصر.
ولم يلبث حسن البَنَّا أن أصبح سكرتيرًا للجمعية وهو في الثالثة عشرة من عمره.
وفي سن الرابعة عشرة سنة 1920م التحق بمدرسة المعلمين الأولية في “دمنهور”، وقد لازمه التدين في تلك المرحلة من عمره، فكان يصوم شهري رجب وشعبان، وكان التصوف والجانب الروحي المشحون بالعاطفة العميقة بارزًا في حياته يملأ عليه نفسه ووجدانه.

البَنَّا في “دار العلوم”

بعد ذلك سافر حسن البَنَّا إلى القاهرة ليلتحق بكلية دار العلوم، وكانت دار العلوم نتاجًا للاتجاه الإصلاحي في التعليم الذي ساد في القرن التاسع عشر، فكانت تسعى إلى تقديم العلوم العصرية إلى جوار العلوم الشرعية والمعارف التقليدية التي تقدمها الدراسة في الأزهر.
وفي تلك الفترة اتصل حسن البَنَّا بمحب الدين الخطيب – الذي كان يدير المكتبة السلفية و”رشيد رضا” المشرف على تحرير مجلة “المنار”.
وعندما تخرج حسن البَنَّا في دار العلوم سنة 1927م عُيِّن مدرسًا للغة العربية بإحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية، فغادر القاهرة في ربيع الأول 1346هـ = 1927م إلى مقر عمله الجديد.

ميلاد جماعة الإخوان المسلمين

كانت الإسماعيلية بداية الانطلاقة الحقيقية لحسن البَنَّا، والميلاد الفعلي لجماعة الإخوان المسلمين، ففي الإسماعيلية بدأ “حسن البنا” يساهم بدور فعَّال في حياة ذلك المجتمع، من خلال جميع الوسائل المتاحة بدءاً من المسجد، وانتهاء بالمقهى، مرورًا بالمدرسة التي كان يمارس فيها أيضًا الدعوة.
واستطاع حسن البَنَّا أن يجتذب إليه الناس بعاطفته الدينية القوية، وإخلاصه في دعوته، وبساطته وتبسُّطه، فكان مصدر إعجاب وإجماع الجميع على اختلاف مستوياتهم الفكرية والعلمية والاجتماعية، وكان له تأثير عجيب على سامعيه بما أوتي من مقدرة بيانية فائقة متحدثًا وكاتبًا وخطيبًا، وبما حباه الله من حافظة قوية، فكان يعرف كل من يقابله ولو مرَّة واحدة، فلا ينسى اسمًا ولا وجهًا ولا مكانًا مهما طالت السنون.
وكان من نتيجة دروسه وخطبه أن حضر إليه ستة نفر ممن تأثروا به وبدعوته من أهالي الإسماعيلية في 1928م، فحدَّثوه في شأن الطريق العملي الذي يجب أن يسلكوه لنصرة الإسلام والعمل لخدمة المسلمين، وعرضوا عليه ما يملكون من مال بسيط، وأقسموا له على الطاعة والولاء، وبعد مشاورة استقروا على تسمية أنفسهم “الإخوان المسلمون”.
وخلال أقل من أربع سنوات كان “حسن البَنَّا” قد تمكن من تأسيس عدة فروع للجمعية على امتداد منطقة شرق الدلتا بالإضافة إلى الإسماعيلية، وبورسعيد، والسويس، وأبو صير، حتى بلغ عدد فروع الجمعية عشرة.

تجربة رائدة للنهوض بالمرأة

وقد عُنِي حسن البَنَّا بالمرأة عناية كبيرة، فقد أدرك منذ البداية أهمية الطاقات الاجتماعية الهائلة للنساء إذا ما تم اجتذابهن إلى جانب الحركة. وقد تجلَّى ذلك بوضوح في حرصه على إنشاء “مدرسة الأخوات المسلمات” التي لم تقتصر على تقديم التعليم العام للفتيات، وإنما اهتمت – إلى جانب ذلك – بتربية هؤلاء الفتيات على القيم الأخلاقية الإسلامية والمثل العليا الإنسانية، والتربية الدينية والاجتماعية والسياسية.
ولعل تلك التجربة كانت أول محاولة جادة في الوطن العربي – في العصر الحديث – للنهوض بالمرأة وتنميتها فكريًّا وتأهيلها اجتماعيًّا وسياسيًّا للمشاركة بصورة واعية وهادفة في الحياة الروحية والاجتماعية والسياسية لأمتها.

قدرات خاصة وعقلية متفردة

كان حسن البَنَّا ذا قدرة عظيمة على العمل، فلم يَكُن ينام أكثر من خمس ساعات في اليوم، وكان واسع الاطلاع بصورة نادرة، فقد كان يحفظ العديد من دواوين الشعراء وعلى رأسها “ديوان المتنبي” عن ظهر قلب، بالإضافة إلى القرآن الكريم، ومحفوظاته من الأحاديث النبوية.

وكان من أبرع الكُتَّاب، ومن أكثرهم قدرة على تصوير ما بنفسه، ومن أشدهم تأثيرًا في النفوس بالألفاظ الكريمة والمعاني المركَّزة، وبلغ من قوة حافظته أنه كان يعرف عددًا كبيرًا من الناس، ويعرف عنهم كل ما يحيط بهم معرفة تامة، ويعرف مدن القطر وقراه، وكل بلد فيه، ونظم أهلها، وعاداتهم وتقاليدهم، وكل ما يتعلق بكيانهم الروحي والاجتماعي والعقلي.

وقد حباه لله بنية قوية كانت سندًا له في دعوته، ومكَّنته من احتمال مشاق الأسفار وأعباء العمل المتواصل ليل نهار
ويجمع الذين كتبوا أو تحدثوا عن “البَنَّا”، مادحين أو قادحين، أنه كان ذا شخصية قويَّة، استطاع أن يمزج شخصيته بالجماعة والدعوة في مختلف أطوارها وأحوالها.

وحرص – في خطبه ومقالاته – على أن يتجنب الجدل الديني الذي يثيره عادة أصحاب العقول الضيقة، فقد كان حريصًا على جمع كلمة المسلمين، ولمِّ شملهم، وتوحيد طوائفهم وفرقهم.

وكان يفهم الإسلام فهمًا معتدلاً، وكان يرى أن تعاليمه وأحكامه شاملة تنظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة، وأن الإسلام عقيدة وعبادة، ودين ودولة، وروحانية ومصحف وسيف.

العودة إلى القاهرة وبداية مرحلة جديدة

وفي أكتوبر 1932م انتقل حسن البَنَّا من الإسماعيلية إلى القاهرة؛ ليزاول عمله كمدرس بمدرسة عباس بالسبتية، وكان ذلك إيذانًا بدخول الدعوة مرحلة جديدة، فلم ينتقل البَنَّا إلى القاهرة إلا بعد أن اتضحت ملامح الدعوة وأهدافها، وتبلورت غايتها التي تسعى إلى تطبيق فكرة شمول الإسلام.
وبالرغم من إعلان “البَنَّا” أن جماعته ليست حزبًا سياسيًّا، فإن ذلك لم يمنعه هو وأتباعه من العمل لاستقطاب أكبر عدد من المؤيدين، ولا من التظاهر، أو حتى من المشاركة في الانتخابات السياسية.
وقد عاصر حسن البَنَّا اثني عشر رئيس وزارة، وكانت علاقاته معهم تختلف من واحد لآخر، إلا أن أحدًا منهم لم يكن بوسعه أن يتجاهل البَنَّا أو جماعة الإخوان المسلمين.

المؤتمر الخامس يحدِّد معالم فكر الجماعة

وفي الذكرى العاشرة لتأسيس الجماعة، عقد المؤتمر الخامس في (2 من فبراير 1939م = 13 من ذي الحجة 1357هـ)، فكان ذلك إيذانًا بانتقال الجماعة إلى المرحلة الثانية “مرحلة التكوين”، وبداية الإعداد للمرحلة الثالثة “مرحلة التنفيذ”، وقد تم في هذا المؤتمر وضع الأسس التنظيمية للجماعة، وإعلان دخولها إلى معترك الحياة السياسية.

وحدَّد المؤتمر الفكر الذي التزمت به الجماعة، وعملت من خلاله منذ نشأتها، وكان أساس عملها للمرحلة اللاحقة، وقد تبلور ذلك في نقاط ثلاث، هي:

  1. شمولية الإسلام بوصفه نظامًا شاملاً متكاملاً للحياة.
  2. المصدر الأساسي للإسلام: القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
  3. الإسلام قابل للتطبيق في كل زمان ومكان.

 

الإخوان بين الحرب والسياسة

وفي فبراير 1942م، تشكلت وزارة وفدية برئاسة النحاس، وقامت تلك الوزارة بحلِّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، فأعلن البَنَّا عن رغبته في ترشيح نفسه في دائرة الإسماعيلية كممثل للإخوان، وفور تقدمه بأوراق ترشيحه، استدعاه رئيس الوزراء، وطلب منه أن يعدل عنه وينسحب، وقد استجاب البَنَّا إلى ذلك مقابل بعض المطالب منها إلغاء تراخيص بيوت البغاء والتي وافق عليها النحاس.

 

الجماعة وفلسطين

كان الشهيد كثير الإهتمام بالقضية الفلسطينية، واعتبرها قضية العالم الإسلامي، كيف لا وفيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهيَ مهبط الرسالات السماوية، وجزء من العقيدة الإسلامية، وما من صحابي ومجاهد وكبار الصحابة إلا دافع عنها، وقتل وأصيب من أصيب واستشهد فيها من استشهد، فكان الإمام البنا يدعو إلى الثورة والقوة في الدفاع عن فلسطين ومحاربة ما يسميه التحالف الغربي الصهيوني ضد الأمة الإسلامية، ودعا إلى رفض قرار تقسيم فلسطين، ونادى بالجهاد في فلسطين وفتح باب الجهاد والسفر إلى فلسطين، واشترط بأن يكون المجاهد شاباً لم يتزوج، غير كافل لأسرة، وأن لا يهاجر إلا فرد واحد من كل أسرة، وكان يقول :

“إن الإخوان المسلمين سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين إسلامياً عربياً، حتى يرث الله الأرض ومن عليها”. وقال أيضاً: “ما دام في فلسطين يهودي واحد يقاتل فإن مهمة الإخوان لم تنتهي”

بدأت صلة البنا بفلسطين بصداقته “للحاج أمين الحسيني” عندما كان طالباً في القاهرة، وكانوا يتجاذبان أطراف الحديث عن فلسطين، فشرع البنا يرسل شباب الإخوان إلى الناس يحدثونهم عن بطش الإنجليز وتآمرهم على أهل فلسطين، ثم دعا إلى مقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة، وطبع قائمة كشوف بأسماء المجلات وأصحابها، وذيلت الكشوف بعبارة: أن القرش الذي تدفعه لشراء هذه المجلات، إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين.

دعا البنا إلى عقد أول مؤتمر عربي من أجل نصرة فلسطين، وجمع التبرعات للحركة الجهادية الفلسطينية، وآمن بالحل باستخدام القوة لمواجهة الإحتلال الصهيوني، وكان يرسل شباب الإخوان وكانوا يتسللون من شمال فلسطين شاركوا مع “عز الدين القسام”، ودخل قسم منهم تحت قيادة الجيوش العربية التابعة لجامعة الدول العربية، حيث بلغ مجموع الإخوان المسلمين الذين استطاعوا الدخول لأرض فلسطين بشتى الوسائل 10 آلاف مجاهد، وقاموا بنسف مقر قيادة اليهود، وقاتلوا في مدينة الفلوجة.

بعد قضية تزويد الجيش المصري بأسلحة فاسدة، تيقن البنا من عدم جدية الدول العربية في القتال والدفاع عن فلسطين، وأنها تخضع لرغبات الدول الإستعمارية، فقال حينها:

“إن الطريق طويل والمعركة الكبرى معركة الإسلام التي ربينا لها هذا الشباب لا تزال أمامه، أما إسرائيل فستقوم وستظل قائمة إلى أن يبطلها الإسلام”

بقي البنا يخرج في مظاهرات لنصرة فلسطين، ويجمع التبرعات، ويدعو للجهاد فيها، واعتاد أن يرسل رسائل إلى الحكومة المصرية باستمرار حول قضايا عديدة ومنها قضية فلسطين، وقاد مظاهرة في مصر شارك فيها نصف مليون في عام 1947م، ووقف فيهم خطيبا وقال: “دماؤنا فداء فلسطين، أرواحنا فداء فلسطين”.

اغتيال البنا

أعلن النقراشي (رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت) في مساء الأربعاء 8 ديسمبر 1948م قراره بحل جماعة الإخوان المسلمين، ومصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها، وفى اليوم التالي بدأت حملة الاعتقالات والمصادرات. ولما همّ الأستاذ حسن البنا أن يركب سيارة وُضع فيها بعض المعتقلين اعترضه رجال الشرطة قائلين: لدينا أمر بعدم القبض على الشيخ البنا.

ثم صادَرت الحكومةُ سيارته الخاصّة، واعتقلت سائقه، وسحب سلاحه المُرخص به، وقبضت على شقيقيه اللذين كانا يرافقانه في تحركاته، وقد كتب إلى المسؤولين يطلب إعادة سلاحه إليه، ويُطالب بحارس مسلح يدفع هو راتبه، وإذا لم يستجيبوا فإنه يُحَمّلهم مسئولية أيّ عدوان عليه.

في الساعة الثامنة من مساء السبت 12 فبراير 1949 م كان الأستاذ البنا يخرج من باب جمعية الشبان المسلمين ويرافقه رئيس الجمعية لوداعه ودقّ جرس الهاتف داخل الجمعية، فعاد رئيسها ليجيب الهاتف، فسمع إطلاق الرصاص، فخرج ليرى صديقه الأستاذ البنا وقد أصيب بطلقات تحت إبطه وهو يعدو خلف السيارة التي ركبها القاتل، ويأخذ رقمها وهو رقم “9979” والتي عرف فيما بعد أنها السيارة الرسمية للأميرالاي محمود عبدالمجيد المدير العام للمباحث الجنائية بوزارة الداخلية كما هو ثابت في مفكرة النيابة العمومية عام 1952.

لم تكن الإصابة خطرة، بل بقي البنا بعدها متماسك القوى كامل الوعي، وقد أبلغ كل من شهدوا الحادث رقم السيارة، ثم نقل إلى مستشفى القصر العيني فخلع ملابسه بنفسه. لفظ البنا أنفاسه الأخيرة في الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، أي بعد أربع ساعات ونصف من محاولة الإغتيال، ولم يعلم والده وأهله بالحادث إلا بعد ساعتين أخريين، وأرادت الحكومة أن تظل الجثة في المستشفى حتى تخرج إلى الدفن مباشرة، ولكن ثورة والد الشهيد جعلتها تتنازل فتسمح بحمل الجثة إلى البيت، مشترطة أن يتم الدفن في الساعة التاسعة صباحاً، وألا يقام عزاء!.

اعتقلت السلطة كل رجل حاول الإقتراب من بيت البنا قبل الدفن فخرجت الجنازة تحملها النساء، إذ لم يكن هناك رجل غير والده والسيد مكرم عبيد باشا القبطي الذي كان تربطه علاقة صداقة بالأستاذ حسن البنا.

البوصلة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: