سوشيال ميديامقالات

علي فاضلي يكتب:النموذج الأمريكي وخطأ ترمب

أمريكا في حاجة ماسة "للمادة البشرية" اللازمة لاشتغال رأسماليتها المتطورة وامبريالتها

قبل قرن من الزمن كتب أحد أقطاب ما يسمى الصهيونية الإقليمية “إسرائيل زانجويل” (1864-1926) مسرحية بعنوان “آتون الصهر” يتصور فيها” الولايات المتحدة على أنها آتون إلهي للصهر ستذوب فيه كل أجناس أوروبا وتندمج، وتختفي في كل الخصوصيات، ومن ضمنها الخصوصية اليهودية” –المسيري، تاريخ الفكر الصهيوني-، وقد تحققت إلى حد كبير رؤية “زانجويل”، لكن الآتون الذي قام بالصهر لم يكن إلهيا بل كان رأسماليا. وإذا كان “زانجويل” تحدث حصرا عن اندماج العنصر الأوروبي، بحكم الواقع التاريخي في تلك الفترة حين كان العنصر الافريقي يرزح تحت نير العبودية والعنصرية، وحين تمكنت أمريكا وما تزال تهيمن على النصف الغربي من الكرة الأرضية في سابقة منذ ظهور الدولة الأوروبية الحديثة (وفقا لأنصار المدرسة الواقعية البنيوية)، فإن أمريكا الرأسمالية منذ عقود بدأت في “صهر” كل الأجناس من أوروبية وافريقية وآسيوية ولاتينية، وهذا الصهر ليس تعبيرا عن تراجع النزعة العنصرية، بل هو تعبير عن ضرورات نمط الإنتاج الرأسمالي في صيغته الأمريكية، وتعبير عن طبيعة النموذج الأمريكي الفريد في العالم. فما يشكل وعي الإنسان الأمريكي بغض النظر عن أصله هو الرأسمالية الأمريكية والسعي نحو الحلم الأمريكي، لدرجة أن تجد شخصية من أصل آسيوي، بملامح آسيوية يشرف على الحماية الشخصية للرئيس الأمريكي. ومن هنا كان أحد أخطاء ترمب الفادحة، حين لم يدرك هو ومن هم على شاكلته طبيعة النموذج الأمريكي في إحدى أهم خصائصه، وهي أنه مجتمع استيطاني حديث النشأة تاريخيا، وهو غير ممكن الاستمرار بدون استمرار تدفق المهاجرين من مختلف دول العالم، وهذا الأمر هو من الخواص اللازمة للمجتمعات الاستيطانية الحديثة مثل كندا وأستراليا. فأمريكا حين تفتح أبوابها لعشرات الالاف سنويا من المهاجرين، وحين يسعى الرئيس بادين لمنح الجنسية الأمريكية لملايين المهاجرين السريين، فإن الدافع من وراء ذلك هو خدمة الرأسمالية الأمريكية، كما خدمها الأفارقة المستعبدون منذ قرون. والفرق بين أمريكا وكندا وأستراليا هو أن الأولى تهيمن على العالم وتريد الاستمرار في الهيمنة، خصوصا في مواجهة دولة مليارية سكانيا مثل الصين، ولهذا فهي في حاجة ماسة “للمادة البشرية” اللازمة لاشتغال رأسماليتها المتطورة والامبريالية، في حين أن كندا وأستراليا مجرد توابع لأمريكا لا يسعفهما واقعهما الموضوعي والتاريخي في المنافسة على الهيمنة العالمية.و”المادة البشرية” التي تحتاجها أمريكا ليست بالضرورة أن تكون متخصصة وعالية التكوين، وهنا خطأ ترمب الآخر، حين أراد الغاء نظام الهجرة العشوائي واستبداله بنظام قائم على جلب العمالة الماهرة، فأمريكا في حاجة للمادة البشرية لتوظيفها في مختلف المجالات ومنها الجيش، ولذلك أبدع الأمريكيون نظام الهجرة العشوائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: