مقالات

د. ماجد الأنصاري يكتب: شعوب الخليج أمام فرصة تاريخية لتذويب الجليد شعبياً

خلال الأسبوعين الماضيين شاركت في ثلاث فعاليات أكاديمية ضمت مشاركين من قطر والسعودية والإمارات، بطبيعة الحال دار الحديث حول المصالحة الخليجية وآثارها وتداعياتها في أجواء إيجابية.

هذه الأجواء فقدت خلال السنوات الماضية واستبدلت بأجواء مشحونة محتقنة يصعب معها تبادل الأفكار، ويكثر تبادل الاتهامات، بل إن الفعاليات العلمية التي تتضمن مناقشة حية لقضايا المنطقة تقلصت بشكل كبير وتحولت لقاءات النخب الفكرية الخليجية إلى ساحات المواجهة الإعلامية.

اليوم هذه العودة إلى اللقاءات الفكرية المتحررة ولو نسبياً من الاستقطاب السياسي المباشر تمثل نموذجاً لعودة العلاقات الشعبية تدريجياً عبر الحدود.

التحدي الأكبر خلال الأزمة تمثل في تحول مجال الأزمة من السياسي الرسمي إلى الشعبي الثقافي وتغول الأزمة على الخطاب العام والسردية الاجتماعية لدرجة غياب حتى مساحة للنقاش في القضايا الوطنية دون أن تكون الأزمة حاضرة بشكل ما.

اليوم وبعد الانفراج المبدئي في الأزمة تحولت الأجواء سريعاً، أسرع مما كان متوقعاً، هذا التغير السريع يفتح المجال أمام رأب الصدع ليس سياسياً ولكن شعبياً، وليس بالضرورة هنا أن يكون نتيجة قرار رسمي أو توجيه حكومي بل يمكن استثمار الأجواء لتسريع التعافي الشعبي للتعاون الخليجي.

حتى نكون واقعيين فإن الانخراط الشعبي في الأزمة كان نتيجة مباشرة لإجراءات وسياسات رسمية ولا يجب أن نحمل الشعوب فوق طاقتها في أن تصلح كل ما أفسدته السياسة ولكن الفرصة مواتية للدفع الإيجابي بشكل قد يمثل صمام أمان مستقبلي.

وذلك من خلال خطوط التواصل المتينة التي يمكنها أن تشكل تحدياً أمام الهبوط بالأزمة شعبياً مرة أخرى، بطبيعة الحال الساحة الإعلامية ليست هي الأمثل نظراً للتجاذبات والاستقطاب المتبادل والاستخدام النشط للوسائل الإعلامية في الأزمة.

أما الساحات الثقافية والفكرية والأكاديمية فهي تمثل نقطة انطلاق جيدة لدبلوماسية المسار الثاني حتى وإن لم يتلقَّ هذا المسار دعماً رسمياً، وأبرز ما يمكن عمله هو تقريب التصورات بين النخب الخليجية وإبعاد شبح الأزمة عن الانطباعات المتبادلة، على عكس ما يحلو للطرفين افتراضه.

المواقف لم تكن واضحة وضوح الشمس هناك ضبابية ومعلومات مغلوطة أكثر من الحقيقية في المجال العام الخليجي اليوم، كل ذلك بحاجة لمبادرات تصلح تدريجياً تلك التصورات الخاطئة أو على الأقل تضع الخلافات في مساحتها الطبيعية.

أمامنا كشعوب خليجية فرصة مهمة وتاريخية في هذه اللحظة، البيئة الآن مناسبة لتذويب الجليد شعبياً وتعزيز العمل الخليجي المشترك الموازي للعمل الرسمي، ومع فتح الأجواء والحدود هناك فرصة لفتح العقول أمام الآخر.

التحديات في هذا المجال كبيرة ولكن الفرص أيضاً متوفرة، قبل هذه الأزمة كانت النخب الخليجية تجتمع في عدد كبير من الفعاليات والمؤتمرات الخليجية ويدور الحوار بشكل عام في أجواء إيجابية الاصطفاف فيها لا يكون على شكل تخندق وطني بل مواجهات في عالم الأفكار تنتمي للنسق الطبيعي في الخلاف.

ومع سرعة الانفتاح السياسي لا بد أن تعود تلك المساحات للعمل سريعاً حتى تبنى الجسور التي هدمت، الأمل هو أن تعود الخلافات في المنطقة إلى غرف السياسة وتترك مساحات الفكر الحر لدينامياتها الطبيعية.

ليس ذلك أمراً سهلاً، ولكن مسؤوليتنا التاريخية تحتم علينا العودة بالمجتمع الأكاديمي الثقافي الخليجي إلى حالته الطبيعية، ليس ذلك فقط بل كل تحرك يجمع هذه الشعوب تحت عنوان التعاون الشعبي الخليجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: