مقالات

د. مهنا الحبيل يكتب: الإسلام والتأسيس المدني للحق السياسي

تناول مقال الأسبوع الماضي المعارضة السياسية في الإسلام، الطريق الأول الذي انتهجه التحالف الفقهي المُزوّر والسياسي، لتغييب فكر الحريات السياسية في الإسلام، والذي تم التواطؤ عليه قروناً، وهو جرّ المخالف السياسي إلى حفرة التصنيف المذهبي البدعي. أما الثاني فهو بناء أرضية تراكمية باسم الجمهور الفقهي، لفرض نظرية مزيفة، تزعم أن هذا هو التسلسل الذي حرّره علماءُ الأمة، وهو تسلسلٌ يعزل كل رأي يعضد الحرية السياسية في الإسلام، فيبدو للقارئ، أو طالب العلم، وكأنه يسير في أمةٍ من الناس، ينتهي مجلسهم في الأحكام السياسية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصياً. وهي رؤى تلاعب بها المستبدّون، ودفعوا الفقهاء إليها، فجُمع الشاذ المخالف لمقصد الحرية والكرامة الفردية في الإسلام، ليكون إجماعاً مزيفاً يخلق ديناً جديداً، يُفتن به المسلمون ويضطهدون، وتُذبح وتغزى بلاد مسلمةٌ أو من أمم الأرض، بحججِ لا علاقة لها بحق البلاغ، ولا تلتزم بحق الإنسان في الأمن في تشريعات الحرب، وكأن الله عز وجل لم يُنزل قوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ).
ونحن نتحدّث عن دلالة الآية بعموم اللفظ، لا خصوص السبب، في مساحة أن يؤمّن (غير المسلم) المحارِب بعد طلبه الإجارة للتوقف عن الحرب، ثم يُبلّغ مأمنه، أين ذلك ممن خالف وجادل في حق سياسيٍّ من داخل الدولة، أو الأمة، وكان من المسلمين أو من غيرهم من المواطنين، ماذا فُعل بهم؟ بل ماذا فُعل بالأئمة من المدارس الإسلامية المتعدّدة، الذين رفضوا الظلم على المسلمين، أو على طائفة؟ لا وجود ولا استدعاء مطلقاً لفقه عمر بن عبد العزيز، بل العكس، رُدمت دماء الناس عبر التاريخ، ونُعت صاحب المظلمة، أكان مخالفاً عقدياً أو موافقاً مذهب المستبد السائد، بخروجه على الجمهور، وبضعف حجته، بدليل مبتسر لا يحتكم إلى مقاصد العدل الكبرى في الإسلام، وخاصة الحق السياسي.

أما الطريق الثالث، فهو التلاعب بتحرير فتوى أو قول المتقدّمين وجمهور المتأخرين، وخلط الخروج المسلح بالكفاح السياسي، والتمرّد على الحاكم (الطاغية)، ووصفُ الطاغية ورد في نصوص الفقهاء قديماً، أي أن مساحة التشريع للكفاح السياسي بين الوجوب والإباحة في مجمله، وأن خَلْط ذلك بالخروج المسلح، وهو الذي يطلق عليه في كتب الفقه بالخروج بالسيف، هو الذي ورد عليه الإشكال ونقل القوم منعه، حين يكون مؤذناً بمذابح وخرابٍ كبير، وهو مشهودٌ حتى هذه اللحظة.
ولسنا هنا نحدد متى يكون الخروج، الذي هو اليوم كفاح سياسي ضد الطغاة المستبدّين، الذين يئن منهم الوطن العربي، ولكننا نعود إلى موضوعنا، لتبيان حجم التزوير الفكري والفقهي لتاريخ الإسلام السياسي. ولك أن تتصوّر حركات المعارضة التركية، حين نجحت في إقرار منظومة تدوير سياسي، والعودة إلى قرار الشعب، في التصويت في النظام البرلماني السابق 2002، والذي تم الغاؤه، فلو أن تلك الأحزاب التركية قيل لها فلنعد إلى عهدنا العثماني القديم، بما فيها التيار النهضوي الذي قاد حينها حزب العدالة، ونبحث عن من يُعيّن لنا الفقهاء (كسُلطان تركي معاصر جديد)، ونحمل العرب والأكراد على طاعته، هل كان أيٌّ من تلك التيارات يقبل بذلك؟
انظر اليوم إلى بعض الإسلاميين العرب، كيف يتبنون هذا الموقف، ويدعون إلى عودة نمط الحكم السلطاني، ويزكّون حروبه ويقدّسون شأن السلاطين، ويطعنون في الدستوريين الإسلاميين الذين سعوا لكي يُصلَح حال الدولة العثمانية، بوسائط العدالة السياسية والدستورية، وتمت تصفيتهم أو سجنهم او إقالتهم. ثم انظر إلى الصفحة الأخرى، من الدعاة المدافعين عن جرائم المستبدين من بني أميّة وبني العباس، والفقه الذي صُنع لهم هو ذاته الذي صُنع للمستبدّين العرب اليوم، ثم يصرخون ويلٌ لنا من الأخير وما أجمل نعيم القديم.

هذا التحرير للمسألة لا يعني مطلقاً الحكم الكلّي على عهود المسلمين التي شهدت نهضة، وتعايش رفض الإقصاء الرسمي للطوائف، وانسجمت أممهم وبلدانهم، في أخوّةٍ وصداقاتٍ في عهود متقدّمة، حتى إنك تعجب بأن من يُطلق عليه “زنديق” أو حلولي أو دهري له صداقات وحوارات مع العلماء الشرعيين، هذا فضلاً عن وصف صاحب البدعة الذي يُعمم أو يصنف أحياناً حسب الأهواء، وأحياناً يَقصد به العالِم خلافَهُ مع هذا الرجل في مسألة محدّدة، ولا يقصد نعته الكلي.
إننا هنا نصل إلى قاعدة كبرى في الأمر، أن الكشف عن الفقه الحر، المنسجم مع الحريات السياسية، والرؤى الكونية الإنسانية، هو مادة خصبة، وأساسٌ مهم، تعبر به التجربة المعرفية الإسلامية إلى حالة التوافق والاختلاف والجدل، مع واقع الديمقراطيات المتعدّدة اليوم وجذورها وفلسفتها. وتنسج لها، وللمجتمع العالمي الجديد، إطاراً مدنياً حرّاً، وميثاقاً سياسياً وأخلاقياً، تبرز فيه الرؤية الكونية للإسلام، في تعظيم مكانة الأخلاق، ورعاية المجتمع بالتوازن الفطري، وإعادة دور الضمير الأخلاقي في حياة الفرد الذي من أجله قدم جيل العدالة الإسلامية حياته، على الرغم من بغي المعارضين ودمويتهم، كما ذُبح عثمان على مصحفه، حتى لا يُقتل معارضٌ واحد، على الرغم من أنه وافق المعارضين على ما أحدثه بنو أمية من فساد.
وهذا لا يعني ترك عناصر التطوير، في حماية المؤسسات الشرعية والشخصيات، ولا فتح باب الفوضى في الصراع السياسي أو الاجتماعي، وإنما في فهم تلك المساحة الكبرى التي يخلقها الإسلام أو يتقاطع معها، في قضية الدولة المدنية والحقوق الثقافية لقوميات العصر الحديث واتجاهاته، وتعزيز سلطة الشعب على الزعيم، ليس ليكون قوته زيتاً وخبزاً كما كان يفعل الفاروق، ولكن لكيلا يُنهب حق طفل من الأجيال، أو تاجر من الأثرياء أو فقير من المحرومين، ثم يزمجر وعاظه الملاعين بأنه حق ولي أمر المسلمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: