اخبارتقاريردوليعربي

لماذا دعمت إريتريا العدو الإثيوبي السابق ضد التغراي؟

الحقيقة بوست –


شهد العام 2018 توقيع أبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، اتفاق سلام برعاية إماراتية مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، ما أثار حفيظة جبهة تحرير تغراي التي تعتبر الرئيس الإرتيري عدوها اللدود، فكانت النتيجة أن اندلعت مواجهات مسلحة بين الجبهة والحكومة الإثيوبية استغلها أفورقي لمصلحته، ليصفي من خلالها حساباته مع الجبهة التي كانت رأس الحربة في صراعه الذي دام قرابة الـ 20 مع إثيوبيا، فدخل على خط الصراع داعماً لأبي أحمد، وهو بذلك ينفذ الأوامر الإماراتية التي طالبته بعد الحكومة الإثيوبية بالثأر من الجبهة.
وللوقوف أكثر على أسباب هذا الدعم، لا بد من الرجوع قليلاً إلى تاريخ وروابط الحزبين الحاكمين وعلاقتهما قبل الاستقلال وبعده؛ فالجبهة الشعبية لتحرير إريتريا المسلحة (EPLF) التي تأسست عام 1961 وقت اندلاع الثورة في إثيوبيا ضد نظام الإمبراطور هيلي سيلاسي، والتي انتهت بالانقلاب عليه، اغرت الإثيوبيين وبالذات (التغراي)، الذين فشلوا في التغيير السياسي الذي كانوا يطمحون إليه، ففكروا بتأسيس جبهة مسلحة على غرار الجبهة الاريترية، ومن هنا تأسست عام 1975 الجبهة الشعبية لتحرير تغراي (TPLF)، وسرعان ما لجؤوا إلى الثورة الإريترية التي كانت تسبقهم بـ 14 عاماً من عمرها التأسيسي، بحكم روابط كثيرة، منها أن إقليم تجراي تحده مناطق المرتفعات الإرتيرية، خاصة على جانبي حدودها الإثنية التجرينية، التي ينتمي إليها زعيما الجبهتين إسياس وملس. ومن هنا فقد قدمت الثورة الإرتيرية كل الدعم لجبهة التجراي الناشئة لوجيستياً وتنظيمياً وعسكرياً وسياسياً وعلى كل المستويات، فكانت بداية تحالفهم عام 1975 إلى وقت الاستقلال، لكن هذا التحالف بدأ ينهار تدريجياً بعد الإطاحة بنظام منقستو هيلي ماريام، والسبب ليس كما روج له الكثير آنذاك، وتبين لاحقاً أن السبب هو الصراع الحدودي على منطقة (بادمي).

أبعاد الصراع


كما أن هناك أسباباً وأبعاداً أخرى وقفت خلف هذا الصراع، فمثلاً جبهة تحرير تجراي إثيوبيا وعدت بدعم الجبهة الإرتيرية في حقها بالانفصال والاستقلال عن إثيوبيا، لكن ذلك الدعم كان مشروطاً باتفاقيات عدة، أهمها: استخدام إثيوبيا ميناءي عصب ومصوع كمنفذ بحري لتجارتها مع العالم، التزام الطرفين بالتعاون الأمني والدفاع المشترك، والإبقاء على العملة الإثيوبية (البر) كعملة موحدة بين البلدين.
وبالفعل، بعد نضال وحرب ضروس كان من نتائج ذلك التحالف الإطاحة بنظام (الدرق منقستو) معاً، فاستقلت إرتيريا وإثيوبيا وتنفست الصعداء من نظام الدرق، وتحول الثوار إلى حكام، أسياس أفورقي حكم إرتيريا، وصديقه وحليفه ملس زيناوي أصبح في سدّة حكم إثيوبيا، ودخل البلدان في شهر عسل لم يدم طويلاً، وسرعان ما طلب الرئيس الإرتيري المؤقت ترسيم الحدود بين البلدين، وشرع في إصدار عملة وطنية خاصة سماها (نقفة) بدلاً عن العملة الموحدة المتفق عليها سابقاً، معلناً رغبته في الاستقلال الاقتصادي لإرتيريا، وبينما هم في ذلك بدأت الخلافات بخصوص رسوم استخدام إثيوبيا الموانئ الإرتيرية.

خيانة للعهود


كل ما سبق من المطالبة بترسيم الحدود، وتغيير العملة، والاختلاف في رسوم الموانئ، كان كفيلاً بأن يعتبره الرئيس الإثيوبي ملس زيناوي خيانة ونكساً للعهود والاتفاقيات التي كانت بين البلدين، بل اعتبر ذلك طعنة غادرة سددها أسياس من الظهر له.
ومن هنا، يتبيّن لنا مبدئياً أن الصراع كان له وجهان: شخصي وآخر سياسي، وعليه، فقد أسهمت هذه التوترات السياسية والحدودية في نشوب حرب بين البلدين تألفت من ثلاث جولات بين عامي 1998-2000 في الحدود، والسبب المعلن كان هو الخلاف الحدودي، بينما السبب الرئيسي فكان ما اعتبره الرئيس الإرتيري استقلالاً اقتصادياً وسياسياً، واعتبره ملس زيناوي نكساً للعهد والاتفاقيات – كما أوضحنا سالفاً.

أسباب الصراع


وبعد ثلاث جولات من الحروب الطاحنة التي راح ضحيتها آلاف وتشرد فيها الملايين بين البلدين، تدخل الاتحاد الإفريقي برئاسة الجزائر في إحدى دوراته، واستطاع أن يجمع بين الرئيسين إسياس وملس لتوقيع اتفاقيات سلام شامل في ديسمبر 2000، وانبثق عنها مفوضية دولية لترسيم الحدود، وتم إقرار منطقة (بادمي) لإرتيريا. وقد طالب الرئيس الإرتيري بتنفيذ فوري لقرارات المفوضية، إلا أن النظام الإثيوبي بقيادة ملس تحفظ وتأخر نظراً لبحثه الحوار في مواضيع متعلقة بتنفيذ القرار، لأنه كان يريد الحصول على بعض المكاسب الاقتصادية والسياسية، مثلاً الموانئ الإرتيرية، إلا ان قوبل برفض إرتيري قبل تنفيذ قرار المفوضية.
ومع تعنت الراحل ملس زيناوي وعنهجية الرئيس إسياس أفورقي، استمر البلدان في حالة (اللا سلم واللا حرب) طيلة هذه السنين، واحتضن كل طرف معارضة البلد الآخر، وإن كانت رمزية. وبعد تنازل هيلي ماريام عن السلطة استجابة للشارع الثائر الذي كان أغلبيته من الأرومو، وخلفه الشاب الضابط أبي أحمد من عرقية الأرومو مدعوماً من الأمهرة، جاء متعهداً بتكملة مسيرة ملس زيناوي، لكن مسألة حله تحالف الجبهة الديمقراطية لشعوب إثيوبيا الذي كانت تسيطر عليه جبهة تحرير تغراي، وتأسيسه بدلاً عنه حزباً جديداً أسماه: (حزب الازدهار)، اعتبرته الجبهة إنهاءً لهوية إثيوبيا كدولة متعددة القوميات وولّد مخاوف بعيدة لدى التغراي، فسارع أبي أحمد إلى عقد اتفاق سلام مع رئيس إرتيريا العدو اللدود لجبهة تحرير تغراي، ورحبت به الجبهة لكن مع هواجس لم تتضح لهم وراء اندفاع أبي أحمد للسلام مع إسياس، ومن هنا بدأ بعض القادة ينسحبون تدريجياً من أديس أبابا إلى عاصمتهم (مغلي)، وذلك بعد أن تأكدوا أنهم وقعوا بين مطرقة العدو الإرتيري وسندان الصراع العرقي مع الأرومو والأمهرة، وعمدوا إلى إجراء انتخابات عامة في إقليمهم، ما اعتبر تحدياً لحكومة المركز التي أعلنت تأجيل الانتخابات إلى ما بعد جائحة كورونا، والذي واجهته الجبهة بالرفض مبررة ذلك بأنه يهدف إلى إطالة أمد الفترة الانتقالية برئاسة أبي أحمد، خاصة أن التغراي كانوا يطمحون للعودة إلى سدة الحكم مرة أخرى، لكن خطط وتحركات أبي أحمد حالت دون ذلك.
وللعلم، فقد صرح مؤخراً مصدر حكومي أمريكي بأن واشنطن تعتقد أن جنوداً إريتريين عبروا الحدود إلى داخل إثيوبيا لمساعدة حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد في قتال قوات التغراي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: