مقالات

إبراهيم قراغول: خطاب التحرر يعود إلى الأراضي الأمريكية

لقد انتقلت طريقة تغيير الأنظمة” التي فرضتها الولايات المتحدة على كل دولة وقفت في طريقها الموصل إلى بناء إمبراطوريتها، من الإدارة الامريكية إلى الشركات الرقمية والمؤسسات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت اليوم مؤسسات هيمنة دولية قادرة على التدخل في شؤون الدول وإعلان الحرب على من لا يعجبها من الزعماء والتلاعب بأنظمة الدول السياسية ونشر منشورات يمكنها تحريض الجماهير والشعوب في محاولة منها لتثبت للإنسانية من هو سيد هذه البشرية.

لقد فتح هذا العصر الباب أمام الفاشية الرقمية، وربما يشهد هذا العصر تصفية حسابات بين الحكومات والشركات متعددة الجنسيات، لتبحث الجماهير والشعوب عن ملاذ لها من أنانية هذه الشركات والنظام الاستعماري الجديد والمخططات الوحشية ومشاريع التضليلذلك أن العلاقة التي تجمع الحكومات بالشعوب، حتى وإن كانت سيئة للغاية في معظم الأحيان، فإنها تمثل نظام تقاليد أكثر فضيلة من أنانية هذه الشركات وجشعها ورعونتها.

ولعل زمانًا يأتي ترى فيه الشعوب الحكومات ملاذًا لها في مواجهة هذا النظام الوحشي الجديد الذي يروجون له من خلال قيم كالحرية والحقوق.

لقد عاد للأراضي الأمريكية خطاب التحرر” الذي لطالما استغلته أمريكا لعقود للتستر على تدخلاتها العسكرية حول العالمفلم يكن أحد يتوقع أنه سيحين الوقت الذي تستخدم فيه هذه العبارات داخل الولايات المتحدة نفسهالكن هذا ما حدث عندما انتهت حرية التعبير والفكر داخل مبنى الكونغرس يوم 6 يناير/كانون الثاني.

كما وقد انتهت الانتخابات الديمقراطية التي لطالما اعتبرتها أمريكا والعالم الغربي لا مساس بها” وتغير السلطة وفق نتيجة صناديق الاقتراع مع انتخابات 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وربما نرى هذا الأمر بشكل أكثر وضوحًا يوم 20 يناير/كانون الثاني الجاري عندما نشهد أخطر نماذج الصراع على السلطة والهلاك الاجتماعي وانهيار كل الخطابات السياسية ونفاد صبر الجماهير وقلة ثقة الناس بالنظام الفيدرالي وانهيار النظام الأمريكي.

لقد انتهت السيطرة الدولية التي فرضتها أمريكا التي خططت مطلع هذا القرن لتأسيس إمبراطورية تحكم العالم بمفردها وسعت لتشكيل النظام الدولي وخريطة القوى وفقًا لهذه الرؤية ونفذت عمليات عسكرية كبرى لتحقيق هذا الهدف وحاولت بشراسة قمع منافسيها الذي سطع نجمهم.

ولقد خسرت الولايات المتحدة الثقة والمكانة والصورة التي نشرتها حول العالموسنرى من الآن فصاعدًا تحول أمريكا إلى المحلية وما يتبعها من أنشطة سياسية داخلية.

لقد فقد المحور الأطلسي القوة منذ زمن بعيد لتتشكل مراكز ثقل جديدة، فلم يعد للعالم مركز؛ إذ تشهد قوة العالم الغربي هزة قوية وشديدة لهذه الدرجة للمرة الأولى منذ بداية عصر الاستكشافات والاستعمار، فالحلم الأمريكي وكذلك المثل المشتركة للاتحاد الأوروبي على وشك الاندثار.

إنّ الدولة التي أعلنت الحرب على نصف العالم وكأنها تستعد لنشوب حرب أهلية داخلهافالمجتمع الأمريكي يعيش حالة من الانقسام لدرجة أنّ الناس يدعون للعاصمة واشنطن مع أسلحتهم.

لا يمكن أن نشهد خطابًا صريحًا كهذا في أيّ دولة أخرى، ولو حصل فإنّ هذه الدولة تعلن هذه الحالة صراعًا داخليًّا“. فليس هناك طريق عودة لتسليح المدنيين وسيرهم نحو العاصمة الفيدرالية، فالعودة من هذا الطريق في الولايات المتحدة تبدو وكأنها مستحيلةوربما يطول الزمان لكن ستؤول الأمور إلى هذه النقطة.

لا أعبر عن هذه الفكرة فقط بالنظر لما يحدث في أمريكا، بل بالنظر إلى محاولات البحث عن قوة جديدة حول العالم وكذلك التشكلات الإقليمية والاجندات السياسية والاقتصادية والمخططات الكثيرة الرامية لكسر شوكة المحور الأطلسي في كل مجال.

لقد دخل الغرب مرحلة الانهيار في الوقت الذي عاد فيه العالم القديم للصعودفهذا هو مصير العالم سواء أحدث هذا سريعًا أو بطيئًا، بشكل تدريجي أو مفاجئولقد وصف دخول مئات المتمردين مبنى الكونغرس على أنه انقلاب“. فهذا الوصف السريع والحاد يكشف عن خوف عظيمفأمريكا أصبحت تخشى نفسها وأعتقد أننا سنسمع مصطلح التهديد الداخلي” كثيرًا الفترة المقبلة.

إنهم يحاولون عزل رئيس حصد أصوات نصف الشعب ليفرضوا عليه رقابة ويمنعونه من الكلام ويريدون إقالته بل وربما قتله، ليتعرض لحملة شرسة لا مثيل لها، وتراهم يفعلون ذلك ويروجون له تحت مسمى الديمقراطية وحرية التعبير.

إنّ كل مواقع التواصل الاجتماعي تخرس ترامب وتعلنه عدوًّا لأمريكا” حتى قبل أن تنتهي فترته الرئاسية، ليصوروه بصفته طرفًا في الصراع الداخليتخيلوا هذا الأمر بعيدًا عن شخصية ترامب، فالأمور التي رأيناها حتى اليوم تكفي لنصل لهذه النتائج الخطيرة.

أضيف وأقول إنّ عهد بايدن سيكون مليئًا بالكثير من الفوضى والغموض والفضائح، وستفشل أدوات السلطة الدولية فشلا ذريعًا، لكن محاولات تحفيف الخطر الداخلي ستتسارع من خلال نقلها إلى الخارج.

لقد آمنوا إيمانًا راسخًا بقوة أمريكا الخالدة، لكن بغض النظر عن إيمانهم وأملهم هذا فإنّ أهم نقاشاتنا ستدور حول الصراع الداخلي الأمريكي. وعندما تنتهي جائحة كورونا ستسمو الكثير من الدول سريعًا بينما ستبدأ التراجعات الداخلية في أمريكا وأوروبا.

إن الذين أعلنوا الإمبراطورية الأمريكية الجديدة في القرن الحادي والعشرين أصبحوا عاجزين عن المحافظة على دولتهم مستقرة، لنشهد انهيار هذه الإمبراطورية.

لقد حان وقت مناقشة انعكاسات الصراع الداخلي الأمريكي على تركيا والعالمذلك أنّ تركيا هي أول دولة سينظرون إليها عندما يرفعون رؤوسهملكن هذا لا يهم لأننا مستعدون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: