مقالات

د.فادي شامية يكتب: المصالحة الخليجية.. عودة عن الجنون

إيران أبرز الخاسرين من المصالحة


أن تعود المملكة العربية السعودية إلى شيء من الرشادة الاضطرارية، بعد ثلاث سنوات ونصف على الأزمة التي افتعلتها؛ فهذا أمر يستوجب الإشادة والتشجيع. قمة المعلا لم تنه كل شيء، لكنها نظّمت الخلافات بين قطر والمملكة، وتالياً؛ لم يكن ضروريا ذلك القدر القبيح من الفجور في الخصومة، سيما أنها طالت الأعراض ووصلت إلى حد تجريم ذكر قطر، أو متابعة قنواتها، أو حتى السكوت عن شتمها وتمني إصلاح ذات البين. ثمة جنون مقرون بالتهور طبع الأزمة في بداياتها، وصل إلى حد الإعداد لغزو بري، ما لم تستجب قطر لقائمة شروط وُضعت لتـُرفض، فتكون الذريعة.. لكن الزمن كان كفيلا بتبريد غفلة من لا دراية كافية له بالحكم.

بين 5/6/2017 و5/1/2021 تغيرات كثيرة حدثت. تدّبرت قطر أمرها. تجاوزت خطر الاجتياح ومحنة التجويع، وتداعيات المقاطعة؛ وصارت أحد قطبي محور يضمها وتركيا، وشريكا مضاربا في قضايا الإقليم. هشّم إعلامها صورة دول الحصار، ولا سيما المملكة السعودية، كما لم يحدث من قبل، وأضرت بمصالحه ومصالح الإمارات فعليا. بالمقابل؛ استمرت المملكة في حصد الخيبات في حرب اليمن، وفي صراعها مع إيران، وبدا واضحاً أن أياً من شروط الإذعان الـ 13 لن يتحقق؛ لن تقطع قطر علاقاتها بإيران ولا بتركيا ولا بـ”الأخوان المسلمين”، ولن تغلق “الجزيرة” ولن تتوقف عن دعم المعارضين السعوديين أو تجنيسهم.. أو تسلم أيا ممن اعتبرتهم السعودية- الإمارات؛ -في لحظة جنون- “إرهابيين”.

موسم الجنون هذا، كان قد بدأ في أوائل عهد ترامب، ومع اقتراب رحيله بدأ موسم التعقل ومراجعة ما حصل على أعتاب عهد بايدن؛ الذي يحمل مقاربات جديدة، أهمها العودة إلى زمن التفاهم مع إيران، وإنهاء حرب اليمن.

المفارقة؛ أن إدارة ترامب أيضاً؛ وجدت أن الوقت قد حان لإنهاء هذه الأزمة، وقد ولى زمان الاستفادة منها؛ فقررت أن تضيفها لإنجازاتها قبل أن ترحل، أو تجعل منها إحدى تحضيرات مغامرة عسكرية قد تُقدم عليها في الأيام القليلة المتبقية من عمرها في البيت الأبيض.

وهكذا بات الضغط الأميركي واضحا باتجاه المصالحة، بالتزامن مع إلحاح كويتي نحو مراجعة مسؤولة، فيما تحتاج المملكة إلى تمتين صف مجلس التعاون الخليجي على أعتاب إدارة متهورة راحلة، وأخرى مغايرة آتية، واستيعاب تحديات حرب اليمن، والتحضير لتوسع مرحلة التطبيع مع “إسرائيل”.

وبناءً عليه؛ فقد كان مطلوباً العودة في الزمن إلى ما قبل منتصف العام 2017، وفي ذلك مصلحة للجميع، لأن قطر كانت بحاجة أيضاً للعودة إلى محيطها الطبيعي الذي ابتعدت عنه قسرا.

والأهم أن هذا “الصلح” قد رفع تداعيات الأزمة عن كاهل الناس التي تقطعت أرحامها بين بلدين يشتركان في التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا.

وبما أن الشروط المستحيلة لم تعد مدار نقاش؛ فقد تركزت المباحثات السرية التي سبقت قمة المعلا على ضرورة تهيئة الأجواء إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وعدم مهاجمة رموز أي من البلدين، وأمور مشابهة أخرى؛ كان ينبغي أن يصل الخلاف إليها أصلاً.

وبقدر ما بدا هذا الأمر طبيعيا بقدر ما بدا محرجا لكل من خاض في شيطنة الآخر، وشتمه والتحريض عليه، بعيداً عن “أخلاق” السياسة و”شيم العرب”.

وبهذا المعنى؛ تعتبر عودة قطر إلى مكانها الطبيعي انتصارا لصمودها، لكن السعودية حصلت بالمقابل على موافقة أمير قطر شخصيا على بيان المعلا؛ الذي رفع التوتر تجاه إيران و”عملائها”– بعد فترة الغزل المضبوط بين طهران والدوحة إبان الحصار- طارحاً “مخاوف” دول الخليج كلها – هذه المرة- من أي تفاهم أميركي- إيراني محتمل، لا سيما الملف النووي، والصواريخ البالستية، والطائرات المسيرة، ودعم الميليشيات.

هذا يعني أن إيران ستكون أبرز الخاسرين من المصالحة التي ستنعكس آثارها، بلا أي شك، على مواقف الدوحة من حرب اليمن، والحوثيين، و”حزب الله”، والميليشات العراقية. كما سيكون ثاني أكبر الخاسرين النظام السوري، سيما إذا نجحت الدوحة في تقريب تركيا من المملكة، وهو أمر تتوق له تركيا أيضا، لأكثر من سبب. بالمقابل؛ ستضطر السعودية للتخفيف من غلواء حملتها على “الأخوان المسلمين”، وتزيد من مساحات التفاهم مع تركيا وقطر، لمواجهة الاستحقاقات الهائلة في عهد بايدن.. وإذا سلكت الامور، فإن ذلك سينسحب على العلاقة البينية مع مصر والإمارات والبحرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: