مقالات

د. ياسين اكتاي يكتب: رياح الربيع في ليبيا وأزمة “المهجّرين قسرًا”

تعتبر ليبيا واحدة من ثلاث دول محسوبة على الربيع العربي في شمال إفريقيا. حيث بعد الإطاحة بزين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، تمت الإطاحة بالقذافي الذي حكم ليبيا بمفرده طيلة 40 عامًا، بالحديد والنار ونظام استبدادي لا يرحم.

على عكس ابن العابدين ومبارك، فقد فضّل القذافي مقاومة شعبه الثائر، والدخول في صراع مع الشعب. بل إنه اتهم نظيريه المصري والتونسي بأنهما جبناء حيث سلّما السلطة، وأعلن أنه لن يختار الطريق ذاته. ولذلك كان مصيره مختلفًا عن مصير ذانك الاثنين، حيث كان أقسى وأشد مرارة.

وضعت ثورة مصر أوزارها في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، وبعد أقل من عامين ذهبت البلاد إلى انتخابات رئاسية كانت الأولى ضمن المرحلة الانتقالية، وفي الجولة الثانية من تلك الانتخابات أُعلن عن فوز محمد مرسي رئيسًا لمصر. إلا أنه لم يكمل عامه الأول حتى أطيح به بانقلاب دموي. ولا شك أن الانقلاب ذاته تمت محاولات تطبيقه في تونس لكن بنماذج وأساليب مختلفة، وجميعها لم تنجح. لأن الشعب التونسي أعلنها بوضوح للجميع، لا سيما للإمارات الممول الرئيسي للثورات المضادة والمؤامرات؛ “لقد قمنا بتصدير الثورات إلى جيراننا، ولا نريد أبدًا استيراد الانقلابات”، مؤكدًا هذا الشعب أنه لن يحيد عن طريق الثورة.

أما ليبيا فلم تستطع أن تمنع الانقلاب الذي نزل بجارتها، ولم تتمكن من كبح اختراقه لها بالقوة والتأمر. حيث قام الجنرال السابق حفتر الذي كان يعيش في الولايات المتحدة منذ وقت طويل، في استيراد النموذج الانقلابي الذي وقع في مصر، وبدعم لوجستي وعسكري من السيسي ذاته.

ظهر حفتر الجنرال بزيه العسكري وقيادته المزعومة التي اصطنعها لفنسه، وأعلن في العام 2014 أي بعد أقل من عام على الانقلاب في مصر، إلغاء المؤتمر الوطني العام المنتخب في ليبيا، وبدء خارطة طريق جديدة للفترة الانتقالية.

بدأ حفتر طريقه من خلال اتهام حكومة طرابلس الشرعية بأنها إرهابية، وظنّ بذلك أنه صنع خطابًا يفتح الطريق أمام الساحة الدولية. إلى جانب أن القوة المسلحة التي كانت بيده، منحته فرصة لقول وفرض ما يريد. بيد أن ما كان يبحث عنه حفتر لم يكن على الإطلاق ليبيا جديدة ذات تعددية وتشاركية من شأنها أن تخلف بيئة حوار بإمكانه أن يشمل كافة شرائح الشعب الليبي.

على الرغم من أن حفتر بدأ عقب تنفيذ انقلابه في شرق ليبيا، ليفتح الحرب على طرابلس ومصراتة؛ إلا أن حربه الأولى كانت من حيث بدأ وانطلق، أي في الشرق؛ المكان الذي هو فيه اليوم. لقد قام حفتر بادئ ذي بدء بالحرب على أهالي بنغازي، أي في المكان الذي انطلق منه عقب انقلابه. لقد أعمل حفتر القتل والتعذيب والملاحقة والتهجير بكل من يعارضه أو يعترض عليه، حتى نجح أخيرًا في تأسيس قاعدة شعبية خانعة له في بنغازي، لا يمكن أن تنبس ببنت شفه.

كان من الواضح أن الطريق الذي سار عليه حفتر، هو طريق القذافي ذاته، إلا أن طريق حفتر كان أشد قساوة ووحشية. كان حفتر تمامًا كمعلمه الذي استورد منه الانقلاب السيسي، حيث أثبت الأخير أنه أشد وحشية ودموية من ديكتاتور مصر السابق.

منذ الأيام الأولى لحفتر، نزح ما لا يقل عن 250 ألف ليبي، من المناطق التي استولى عليها حفتر؛ كبنغازي ودرنة والمرج والبيضاء وأجدابيا. والآن فإن معظم هؤلاء المهجّرين قد استقر في مناطق تابعة لبنغازي ومصراتة.

هناك الكثير من هؤلاء المهجّرين من سلك طريق الهجرة غير الشرعية التي باتت خبرًا عاديًّا نسمعه كل يوم، وشق طريقه في عباب البحر المتوسط نحو أوروبا، لكن قبل الوصول إلى أوروبا سرعان ما وقعوا ضحية العمليات الأوروبية الوحشية المناهضة للهجرة، ليستقروا أخيرًا في أعماق المياه بلا حول ولا قوة.

هناك العديد من المآسي التي استمعت إليها في هذا الخصوص، من قبل رئيس رابطة مهجّري بنغازي، سعد ياسين العبيدي، الذي زارنا مؤخرًا.

لقد أشار العبيدي إلى الجانب الذي يدعو لليأس ضمن جلسات الحوار لأجل مستقبل ليبيا، والتي تقام برعاية من الأمم المتحدة، سواء في برلين أو تونس أو المغرب، بالقول؛ “إن وجود حفتر في هذه المحادثات، وهو الذي لا يعترف بأي أحد كان، وليس لديه هدف سوى التفرد بالسلطة لوحده، والتعامل معه على أنه طرف فيها، ليس إلا أمرًا يدعو لليأس، فضلًا عن كونه غير عادل”.

لأن حفتر لم يكن يومًا يسعى للحوار أو يكترث له، بل إن هدفه الوحيد هو القضاء على أي أحد يمكن أن يكون شريكًا منازعًا له في السلطة فيما بعد.

على الرغم من أن تركيا ترى فرصة في الحوار الذي لم يتحقق إلا بعد أن تدخلت، لكنها بكل الأحوال ترى أن حفتر لا يستحق على الإطلاق أن يكون طرفًا في عملية الحوار. ولفهم ذلك يمكنكم النظر نحو المقابر الجماعية التي خلفها حفتر وراءه في ترهونة، حينما استولى عليها لفترة من الزمن. هذه هي طريقة حكم وإدارة حفتر. لكن بفضل هذه الطريقة الوحشية يُعامل حفتر اليوم على أنه ممثل الجبهة الشرقية في ليبيا. نعم صحيح، كيف لا يُعامل بهذا الشكل بعد ارتكابه جرائم ضد الإنسانية لا حصر لها كي يستولي على الحكم؟ إن التفوق العسكري الذي حققه حفتر، لم يكن إلا بفضل جرائم وممارسات وحشية ينبغي أن يُحاكم عليها في محاكم حقوق الإنسان، ولا شك أن هذه الممارسات ليس من اللائق إطلاقًا أن تمنحه حق تمثيل الجبهة الشرقية، بل يجدر بها أن تسلّمه للمحاكم.

وللعودة إلى حديث سعد ياسين العبدي، حيث يتابع حديثه قائلًا؛ “ها نحن شهود أحياء، ما لا يقل عن 150 ألف في طرابلس ومصراته تم تهجيرهم من بنغازي، نشهد كيف تمكن حفتر من تأسيس نفوذه هناك، وكيف أنه لا يستحق تمثيل الجبهة الشرقية أصلًا. لقد تم تهجيرنا، حتى الذين بقوا هناك؛ لا تظنوا على الإطلاق أنهم ممتنون من الوضع. حيث أن حفتر ليس في النهاية سوى انقلابيّ كغيره من الانقلابيين، لا يملك أدنى حق تمثيل أي أحد أو فرض السلطة على أحد”.

على الرغم من كل ذلك، لا نجد أي تمثيل لأولئك المهجرين قسرًا، ضمن المحادثات التي تعقد اليوم لأجل مستقبل ليبيا.

بيد أنه من اللازم أن تكون قضية “المشردين والمهجّرين قسرًا” من أهم القضايا والمواضيع في مثل هذا النوع من المحادثات. وبينما تبقى هذه القضية مجرد قضية ثانوية للغاية في جميع الاجتماعات الحاصلة، فإنه لا يتم في المقابل تعيين ولو عضو واحد لتمثيل هذه الشريحة في مجالس النواب الموجودة.

وفي حين أنّ القائمة التي ضمت 75 شخصًا، والتي تم تشكيلها تحت إشراف مندوب تونس في الأمم المتحدة، ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ستيفياني ويليامز؛ كانت مثيرة للجدل ومصدر قلق بحد ذاتها من حيث الطريقة في تعيين تلك الأسماء، كانت في المقابل مشكلة أخرى في عدم تعيين أحد أصلًا من شأنه أن يمثل الشريحة المهجّرة في البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: