مقالات

عادل راشد يكتب: فرنسا.. لائكية الاحتلال والتعويض المستحق

حتى لا تكون نارنا كنار القش تعلو سريعاً وتخبو سريعاً، وحتى لا تكون ذاكرتنا كذاكرة السمك فلا نلبث أن ننسى ما ألمّ بنا فتتحول عاصفة مقاطعة البضائع الفرنسية إلى رياح هادئة ثم إلى نسمات رقيقة يطويها النسيان وكأن شيئاً لم يكن، رغم أن هذا ماكرون لم يعتذر عن موقفه ولم يغير سياسته قيد أُنملة، بل أضحى أكثر مطاردة للإسلام والمسلمين وأشد ضراوة في حِراكه وعِراكه مع كل ما هو إسلامي متذرعاً بالحفاظ على قيم الجمهورية الفرنسية ولائكيتها.. أَمَا وقد كُثر ترديد لفظ العلمانية واللائكية، فأوجز في شرح معانيها ثم أُذكِّر هذا المدّعي بتاريخ بلاده في احتلال الدول وقهر الشعوب وسفك دمائها وسرقة مقدراتها لأسأله عن قيم جمهوريته في القديم والحديث.

جاءت “العلمانية” كرد فعل على جمع الكنيسة في أوروبا بين السلطتين الدينية والسياسية متسلطة بذلك على البلاد والعباد، فلم تترك للناس دنيا ولا آخرة، فاندلعت الثورة ضدها مطالبةً بشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس. وكان ضمن أهداف النخب الثورية الفصل بين الديني والسياسي، فللكاهن معبده وللسياسي دولته. وتم إبعاد الكنيسة عن شئون الحكم والإدارة والتعليم والمعارف، وانتهت إلى أن الدولة لا تمارس أي سلطة دينية والكنيسة لا تمارس أي سلطة سياسية.

وكان من أوائل من قام بتأصيل مصطلح العلمانية فيلسوفا العلمانية “جون بيبيرو” و”فيردناند بوسون”، وأصبح واقعاً بإقرار القانون الفرنسي بفصل الكنيسة عن الدولة سنة 1905م. ثم تطور الأمر خصوصاً في فرنسا من العلمانية إلى ما يسمى باللائكية، فما هو الفرق بينهما؟

تعريف معنى “لائكي” في معجم المعاني الجامع:

لائك: اسم فاعل من لاكَ.

لاكَ: (فعل) لاكَ في، يَلوكُ، لُكْ لوكاً، فهو لائك، ولاك اللقمة مضغها، لاكَ في أعراض الناس أي طعن فيها بالعيب.

لائكي أو علماني: ما لا علاقة له بالدين أو المقدسات.

(الفرق بين العلمانية واللائكية)

العلمانية: هي “الفصل بين الدين والدولة”، أي أنها تعترف بالدين ولكن لا تعتمد عليه في تشريعاتها، أما اللاكئية: فهي تعتبر “الدين اختياراً شخصياً”، ولا دين للدولة فاللائكية تعني قطيعة كاملة مع الدين.

والعلمانية حركة داخلية عفوية تاريخية تهم المجتمع أما اللائكية، فهي حركة قانونية تهم الدولة وهي مبنية على الصراع.

وهناك اضطراب كبير في مفهوم العلمانية بسبب ضبابية التفسيرات وتناقضات التطبيق، وهناك أيضاً تداخل بين العلمانية واللائكية وتفسير لا يبدو منطقياً، وخاصة في الحالة الفرنسية التي تجعل من العلمانية واللائكية توجهاً شديداً لمحاربة الدين، وفي الوقت ذاته تتدخل في تأطير وتدبير ما هو ديني. فالرئيس الفرنسي يقوم بتعيين رؤساء بعض الكنائس المهمة، وغير خافٍ أن فرنسا هي أول دولةٍ حديثة تعترف بها الكنيسة بل وأطلقت عليها “الابنة الكبرى للكنيسة”.

والأعياد الدينية الكاثوليكية تُعامل كعطلات رسمية وطنية، فيتم الاحتفال بـ”اثنين الفُصح” و”خميس الصعود” و”اثنين العنصرة” و”عيد صعود مريم العذراء” و”عيد جميع القديسين” و”عيد الميلاد”.

أما أعياد المسلمين الذين يقرب عددهم من سبعة ملايين مسلم فرنسي من إجمالي 67 مليون فرنسي، فلا تعامل أعيادهم كعطلات رسمية ولا يُحتفل بها بحجة “قيم الجمهورية العلمانية اللائكية”. ويتم تأطير الدولة للدين الإسلامي وتتدخل فيه من جهة البرامج والمراقبة المباشرة، بل وإغلاق كثير من المساجد والجمعيات وإمهال رؤسائها خمسة عشر يوماً – كأنهم جناة – لقبول ما يسمى قانون تعزيز مبادئ الجمهورية، وتتم الإساءة لنبي الإسلام ويُصر رئيس الدولة على عدم الاعتذار بذريعة قِيَم الجمهورية الفرنسية الديمقراطية والعلمانية.

فإذا كانت قيم الجمهورية هي الديمقراطية والعلمانية وشعار الدولة “حرية – مساواة – إخاء”، فأين ومتى تحقق أي شيء من ذلك؟؟

أين كانت حرية الرأي والفكر وقِيَم الجمهورية عندما حكمتم بالسجن على المفكر الفرنسي البروفيسور “روجيه جارودي”، لمجرد تأليفه كتاب “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”؟

أين قيم الجمهورية وحرية الرأي والتعبير عندما فصلتم الصحفي الذي رسم صورة لابن الرئيس ساركوزي متهكماً عليه، وأزلتم الصورة في الحال من نفس الجريدة الشمطاء شارلي إيبدو التي دافعتم عن حريتها في الرسوم المسيئة للنبي محمد؟!

أم أن الإساءة لابن ساركوزي سوء تقدير والإساءة للنبي محمد حرية تعبير؟!

هل من المناسب يا أيها الماكرون أن أُذَكِرُكَ بأن الدعوة الأولى للحروب الصليبية تلك التي بدأها البابا أوربان عام 1095م بعقد اجتماع لرجال الدين في مدينة كليرمونت الفرنسية.!

أم أُذكرك بالحملة الصليبية السابعة التي قادها ملككم لويس التاسع عام 1248م، ليأخذ بيت المقدس من أيدي سلاطين مصر ويتجه بجيش جرار إلى دمياط عام 1249م ثم إلى المنصورة عام 1250م، غير أنه تم أسره ولم يحقق قِيَم الجمهورية الفرنسية؟!

هل أُذَكِّرُك أيها الماكرون بقِيَم الجمهورية الفرنسية وبشعارها “حرية – مساواة – إخاء” والتي دفعتكم لاحتلال أكثر من ثلاثين دولة حول العالم، ولتستعبدوا أهلها وتسرقوا ثرواتهم وتسفكوا دماءهم وتلعبوا بجماجمهم؟ وبالطبع كانت دولنا العربية والأفريقية هي الميدان الأول لإجرامكم، فماذا كنتم تفعلون في:

– تونس 75 عاماً من الاحتلال من 1881 حتى عام 1956م؟

– المغرب 43 عاما احتلالا من 1912 حتى عام 1955م؟

– الجزائر 132 عام احتلالا من 1830 حتى عام 1962م؟

– سوريا 26 عام احتلالا من 1920م حتى عام 1946م؟

– لبنان 26 عاما احتلالا 1920م-1946م؟

وأفريقيا:

– بِنين 65 عاما احتلالا (1895م – 1960م)؟

– بوركينافاسو 62 عاما احتلالا (1898م – 1960م)؟

– غينيا 65 عاما احتلال (1893م –  1958م)؟

– ساحل العاج 65 عاما احتلالا (1895م – 1960م)؟

– مالي 103 أعوام احتلالا (1857م-1960م)؟

– النيجر 63 عاما احتلالا (1897م-1960م)؟

– توجو 41 عاما احتلالا (1919م – 1960م)؟

– السنغال 305 أعوام احتلالا (1626م – 1758م، 1779م – 1809م، ومن 1817م – 1960م)؟

ولعله من المفيد أن أنشط ذاكرتك بما فعلتموه في الجزائر التي تحتفظون بجماجم أهلها عندكم دون خجل لتكون شاهدة على قيم الجمهورية الفرنسية، وربما لأنك صغير السن لم تعرف ذريعة احتلالكم للجزائر وقتل الملايين من أهلها! لأنكم كنتم تتسولون من الجزائر المساعدات وتأخذون منها القروض. وفي أول أيام عيد الفطر الموافق 29 نيسان/ أبريل 1827م ذهب قنصلكم بيار دوڤال مع القناصل إلى قصر الباشا العثماني “الداي حسين”، الذي تولى حكم الجزائر في سنة 1818م، وذلك لتقديم التهاني والتبريكات، وأثناء الحوار طالبه الباشا بسداد جزء من الديون المستحقة فرد بطريقة رآها الباشا غير لائقة، فضربه بالمروحة التي كانت في يده على وجهه وأمره بالخروج، وسُميت حادثة المروحة. ولأنكم تعودتم على أكل السحت فلم تفكروا في سداد الدين، بل من أموال الجزائر وأموال شعوب أخرى نهبتموها جردتم جيشاً جراراً، وأرسل شارل العاشر الأسطول الفرنسي في 12 حزيران/ يونيو 1827م ليحاصر الجزائر ويحتلها 132 عاماً ويقتل ملايين الناس.

لعلك تذكر أيها الماكرون مليشيات “اليد الحمراء” التي شكلتموها وبدأت عملها في 23 نيسان/ أبريل 1955م، لخطف وتعذيب الجزائريين.

هلاّ اكتفيت بهذه الأمثلة على قيم الجمهورية الفرنسية في القديم والحديث أم أزيدك من الشعر أبياتاً؟

وأتوجه بالخطاب للشعوب: لا تكتفوا بمقاطعة بضائعهم – مع استمرار ذلك والتأكيد عليه- بل عليكم أن تطالبوهم بالتعويض عن احتلال بلادكم عشرات السنين ونهب خيراتكم..

طالبوهم بدفع دِيَّات شهدائكم..

افضحوهم في كل المحافل..

لاحقوهم بتاريخهم المخزي، تاريخ العار والنهب والسلب والقتل والدمار..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: