مقالات

حسن أبو هنية يكتب: ما هي مقاربة بايدن تجاه الإسلام السياسي؟

عقب فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالانتخابات الأمريكية تكاثرت التنبؤات والتوقعات والسيناريوهات حول مستقبل جماعات “الإسلام السياسي”، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين. وقد افترضت معظم المساهمات أن مقاربة بايدن تختلف جذرياً عن مقاربة الرئيس الجمهوري الخاسر في الانتخابات دونالد ترامب. وفي حقيقة الأمر أن كليهما يتوافر على رؤية مشتركة تستند إلى نظرة براغماتية تقوم على الواقعية السياسية، فمحددات الرؤية الأمريكية للإسلام السياسي ملتبسة وذات طبيعة براغماتية فجة، محددة في إطار سياساتها في الشرق الأوسط الملتزمة بدعم الأنظمة الاستبدادية في إطار عقيدة الاستقرار.

ولا يخرج بايدن عن أطر السياسة الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط، التي تتحدد بمكافحة الإرهاب، وضمان أمن إسرائيل. ويقع موضوع الإسلام السياسي في سياق رؤية يمينية شعبوية قادها ترامب بمنح الاستبدادية حرية مطلقة بالتعامل مع الإسلام السياسي، في مقابل رؤية واقعية لبايدن تقيّد الاستبدادية ببعض قيم الديمقراطية والليبرالية.

تدرك الأنظمة الاستبدادية وجماعات الإسلام السياسي في المنطقة أن جوهر المقاربة الأمريكية في الشرق الأوسط يتعلق بتحقيق الاستقرار، في حدود من الدكتاتورية الممكنة، وممكنات أمن إسرائيل القابلة للاستدامة والاستمرار. وإذا كان ترامب قد أطلق العنان للدكتاتوريات ولإسرائيل بالتصرف دون قيد أو حد، سوى حدود القوة والقدرة، فإن بايدن يضع مفهوم القوة في سياق الدبلوماسية، ويحاجج بأن نهج ترامب يقوض القوة الأمريكية الناعمة التي ترتكز إلى الدفاع عن الديمقراطية والليبرالية، ولذلك فإن الجدل في المنطقة يتمحور حول حدود الدكتاتورية والديمقراطية.

في هذا السياق، تفهم الاستبدادية والإسلاموية طبيعة السياسة الأمريكية في المنطقة، فقد ثمَّنت جماعة الإخوان المسلمين، في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة، داعيةً الإدارة الأمريكية المنتخبة إلى مراجعة “سياسات دعم ومساندة الدكتاتوريات”، بينما بعثت السعودية برسالة غير مباشرة إلى الإدارة الأمريكية المنتخبة عن طريق هيئة كبار العلماء؛ بأن الإخوان المسلمين “جماعة إرهابية لا تمثل نهج الإسلام”. وقالت الهيئة في بيان صدر في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي إن “الجماعة تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لتعاليم الدين”.

ونشر حساب تويتر الرسمي لمفتي السعودية، رئيس هيئة كبار العلماء والرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، أن “جماعة الإخوان لا تمت للإسلام بصلة وأنها جماعة ضالة، استباحت الدماء، وانتهكت الأعراض، ونهبت الأموال”، وهي رسالة سعودية استباقية تقطع الطريق على أي تغيّر ممكن لإدارة بايدن تجاه الإسلام السياسي. وقد جاءت الرسالة السعودية عن طريق المؤسسة الدينية، في دلالة على أن الموقف من الإخوان ديني قبل أن يكون سياسي، وهو ما فعلته بطرق مماثلة مصر والإمارات.

إن الحديث عن تغيّر أمريكي جذري تجاه التعامل مع الإسلام السياسي في عهد بايدن لا يعدو عن كونه وهماً، فقد برهنت سياسة الرئيس الأمريكي الديمقراطي الأسبق أوباما، التي يعد يايدن امتداداً لها، عن التزام الولايات المتحدة بدعم الأنظمة الاستبدادية، وغياب رؤية ومقارية محددة حول الإسلام السياسي.

فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد بدأت سنة 2010 قبل انطلاق الربيع العربي بالتفكير في طريقة جديدة للتعامل مع الإسلاميين، في إطار الدفع باتجاه تغيير سياسي حقيقي في الشرق الأوسط، إلأ أن النقاشات داخل مجلس الأمن القومي كشفت عن عدم وجود سياسة محددة تجاه التعامل مع الإسلام السياسي، وبرز داخل الإدارة الأمريكية اعتراف واضح بأن مفهوم الإسلام السياسي ينطوي على تعددية واختلاف واسع. فأجندات الأحزاب الإسلامية متنوعة ومختلفة من بلد إلى آخر، الأمر الذي جعل تبني الإدارة الأمريكية سياسة موحدة غير ممكنة عملياً، ولا حكيمة.

لقد كان واضحاً بعد أشهر من الربيع العربي أن إدارة الرئيس أوباما بعثت برسالة واضحة بأن الولايات المتحدة سوف تتعامل مع الإسلاميين كجزء من التيارات السياسية الأخرى التي تساهم في صياغة مستقبل العالم العربي، في إطار الرؤية الأمريكية التي تؤكد على الالتزام بالتخلي عن العنف، ودعم الديمقراطية والحفاظ على حقوق المرأة والأقليات. وأبلغت الولايات المتحدة الرئيس المصري الإخواني المنتخب محمد مرسي بضرورة المحافظة على اتفاق السلام مع إسرائيل، كشرط مسبق لتواصل التعاون الدبلوماسي بين واشنطن والقاهرة، لكن سرعان ما عادت واشنطن إلى سياستها التقليدية بدعم أي دكتاتور يوجد في السلطة شرط التزامه بتأمين وحماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية.

إن التعامل الفج لإدارة ترامب مع الإسلام السياسي، قد بدأ مع الرئيس أوباما. فبعد الانقلاب العسكري في مصر سنة 2013، إبان ولاية أوباما، تبددت شعارات دعم الديمقراطية في العالم العربي، ولم تحرك الإدارة الأمريكية ساكناً عندما قامت قوات الجيش والأمن المصرية بقتل أكثر من ألف متظاهر سلمي ضد الانقلاب في ميدان رابعة العدوية في شهر آب/ أغسطس 2013، ثم عزل واعتقال الرئيس المنتخب، وتصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، حيث التزمت الولايات المتحدة الصمت أمام الحملة التي تم شنها على الإخوان، ليس في مصر وحدها، بل في دول الثورة المضادة، حيث صنفت السعودية والإمارات الإخوان جماعة إرهابية سنة 2014. ولم يكن ترامب سوى استمرارية فجة لسياسة أوباما، الذي خرج عن صمت إدارة أوباما تجاه التنكيل بجماعات الإسلام السياسي، وأعلن صراحة دعمه لدكتاتوريات في التعامل مع الإسلام السياسي تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وذلك في خطابه الشهير في الرياض في أيار/ مايو 2017.

في هذا السياق، فإن الجدل حول تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية تم بداية في عهد أوباما، عندما قام عدة أعضاء في الكونغرس سنة 2015 بتقديم مسودة قانون لتصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية أجنبية، وبعد فوز ترامب في الانتخابات، تجددت المساعي بتصنيف الجماعة ضمن القائمة السوداء عام 2017. وقبل مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البيت الأبيض، أعاد السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس، تيد كروز، تقديم مشروع قانون يصنف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية في الثاني من كانون الأول/ ديسمير الماضي. ورغم كل ذلك فإن ترامب لم يتمكن من تصنيف الإخوان منظمة إرهابية، الأمر الذي يكشف أن سياسة الولايات المتحدة تجاه الإسلام السياسي لا تختلف بصورة جذرية، وإنما تتبع منظورات المصالح الأمريكية في المنطقة وتصوراتها حول القضايا الكلية المتعلقة بمحاربة الإرهاب وضمان أمن إسرائيل.

ارتبطت السياسة الأمريكية بالتعامل مع الإسلام السياسي في المنطقة تاريخياً، في إطار التعامل مع الإسلام في ظل عقيدة الاستقرار التي تؤمن المصالح الأمريكية الاستراتيجية، وتضمن أمن المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية وتفوقها، وفي إطار تحديد المخاطر في المنطقة بمنظورات الإرهاب الذي مثلته الشيوعية في حقبة الحرب الباردة، والأصولية الإسلامية ما بعد الحرب الباردة، حيث تعاملت الولايات المتحدة مع الإخوان كحركة دينية إسلامية معتدلة ضد الحركات الشيوعية والقومية، ثم لاحقاً ضد الحركات الأصولية الإسلامية كالقاعدة وداعش.

ففي سياق انخراط الولايات المتحدة في المنطقة بداية خمسينيات القرن الماضي، مع بروز الحرب الباردة وتبني سياسة احتواء الخطر الشيوعي، بدأ اهتمام الولايات المتحدة بالإسلام في ظلِّ إدارة الرئيس ترومان، وذلك عندما شُرع بالبحث عن زعيم مسلم يمكنه أن يقود حملة دينية مناهضة للشيوعية، فقد خرج مجلس ترومان للاستراتيجية النفسية ببرنامج تمّ تبنيه في شباط/ فبراير 1953، بُعيد تسلُّم أيزنهاور لمهامه. وقد وضع كبير استراتيجي الحرب النفسية لأيزنهاور، إدوارد ب. ليللي، مذكِّرة معنونة بـ”العامل الديني” في عام 1953، دعت الولايات المتحدة إلى استخدام الدين بشكل مُعلن في حربِها ضدّ الاتحاد السوفييتي، بهدف “تعبئة المصادر الروحية والمعنوية الضرورية لمجابهة الخطر السوفييتي”.

تعتمد السياسة الأمريكية في تعاملها مع الإسلام السياسي، على بناء مقاربة ثيولوجية للإسلام ذاته وإعادة تأويله لينسجم مع المصالح الأمريكية وفلسفتها العلمانية الليبرالية، وذلك من خلال دعم وتشجيع تيار إسلامي ليبرالي وسطي معتدل.

وكما لاحظت صبا محمود، فقد “أصبح من الشائع في أوساطِ اليساريين والليبراليين على السواء أن يربطوا مصير الديمقراطية في العالم الإسلامي بمأسسة العلمانية باعتبارها عقيدة سياسية وإتيقيا سياسية على السواء. وتجد هذه التوأمة صداها في وزارة الخارجية الأمريكية ولا سيما في جهودها البرامجية لإعادة تشكيل وتحويل الإسلام من الداخل”، وذلك من خلال الكشف عن وتحديد، ودعم المنظمات والتيارات القائمة في العالم الإسلامي التي تعتبرها الحكومة الأمريكية معتدلة ومتسامحة وميالة للقيم الديمقراطية.

وتؤكد صبا محمود على أن “هدف هذا المشروع متعدد الطبقات واحد، ألا وهو تعزيز ما يُطلقُ عليه الآن بشكل واسع بـ”الإسلام المُعتدِل” باعتباره ترياقاً مضاداً وواقياً من التأويلات الأصوليّة للإسلام. ويحمل هذا المشروع الأيديولوجي الواسع الانتشار تشابهاً واضحاً مع سياسات وزارة الخارجية الأمريكية أثناء الحرب الباردة المتمثلة بمساعدة وتقوية التيارات المعارضة في الاتحاد السوفييتي السابق، مع استثناء مهم وهو أنه للحملة الحالية أجندة ثيولوجية علنية”. فما نراه يبزغ هو إذاً دين علماني، وربما حتى أصولية علمانية، تروم الإطاحة بـ”الأصولية” الإسلامية عبر تبنيها لقيمها التقدمية التي تجابه القيم “الرّجعية” للإسلام “الأصولي”.

خلاصة القول أن بايدن لا يمتلك مقاربة واضحة حول التعامل مع الإسلام السياسي، كما هو شأن سلفه ترامب، فكلاهما يستند في رؤيته إلى سياسة أمريكية براغماتية راسخة تقوم على مبادئ الواقعية السياسية، وهي سياسة تسعى إلى تحقيق المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. وهذه المصالح لا تنفك عن وجود دكتاتوريات محلية عربية، ومستعمرة استيطانية إسرائيلية. ومن الصعب على جماعات الإسلام السياسي الخضوع المطلق لاشتراطات الدكتاتورية والاستعمارية، وقولبة أيديولوجيتها لتتوافق مع متطلبات “الاعتدال” على تلك المقاسات، ولذلك فإن أقصى ما يمكن أن يذهب إليه بايدن هو تخفيف الضغوطات التي تمارسها الدكتاتوريات المحلية وحليفتها الاستعمارية الإسرائيلية على جماعات الإسلام السياسي، وخلق حالة من التوازنات خوفاً من حدوث انفجارات اجتماعية تعيد صياغة ثورات الربيع العربي، وهي المحددات التي تحكم السياسة الأمريكية في المنطقة بالتعامل مع الإسلام السياسي من نظريات الإدماج إلى مقاربات الإقصاء.https://arabi21.com/story/1321569/%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%8A%D8%AF%D9%86-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A#author_565

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: